يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: «خَالِقُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: زَوَّجَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] لِأَنَّهُ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ، فَهُوَ مِنَ الرِّجَالِ ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ [الشورى: 11] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا مِنَ الضَّأْنِ اثَنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثَنَيْنِ، وَمِنَ
الْإِبِلِ اثَنَيْنِ، وَمِنَ الْبَقَرِ اثَنَيْنِ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَمِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ ذَلِكَ ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] يَقُولُ: يَخْلُقُكُمْ فِيمَا جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ، وَيُعِيشُكُمْ فِيمَا جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: يَخْلُقُكُمْ فِيهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] قَالَ: «نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ [الشورى: 11] قَالَ: «يَخْلُقُكُمْ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] قَالَ: «نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] قَالَ: «يَخْلُقُكُمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: يُعِيشُكُمْ فِيهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] يَقُولُ: «يَجْعَلُ لَكُمْ فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِهَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] قَالَ: «يُعِيشُكُمْ فِيهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] قَالَ: «عَيْشٌ مِنَ اللَّهِ يُعِيشُكُمْ فِيهِ» وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي اللَّفْظِ مِنْ قَائِلِيهِمَا فَقَدْ يَحْتَمِلُ تَوْجِيهُهُمَا إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ فِي مَعْنَاهُ يُعِيشُكُمْ فِيهِ، أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ: يُحْيِيكُمْ بِعَيْشِكُمْ بِهِ كَمَا يُحْيِي مَنْ لَمْ يَخْلُقْ بِتَكْوِينِهِ إِيَّاهُ، وَنَفْخِهِ الرُّوحَ فِيهِ حَتَّى يَعِيشَ حَيًّا وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى ذَرْءِ اللَّهِ الْخَلْقَ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَيْسَ هُوَ كَشَيْءٍ، وَأَدْخَلَ الْمِثْلَ فِي الْكَلَامِ تَوْكِيدًا لِلْكَلَامِ إِذَا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ بِهِ وَبِالْكَافِ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا قِيلَ: مَا إِنْ نَدِيتَ بِشَيْءٍ أَنْتَ تَكْرَهُهُ
فَأَدْخَلَ عَلَى «مَا» وَهِيَ حَرْفُ جَحْدٍ «إِنْ» وَهِيَ أَيْضًا حَرْفُ جَحْدٍ، لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ بِهِمَا، وَإِنِ اتَّفَقَ مَعْنَاهُمَا تَوْكِيدًا لِلْكَلَامِ، وَكَمَا قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ: وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ... تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ وَمَعْنَى ذَلِكَ: كَجُذُوعِ النَّخِيلِ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إِذَا أَبْصَرْتَ فَضْلَهُمْ ... مَا إِنْ كَمِثْلِهِمُ فِي النَّاسِ مِنْ أَحَدِ وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَيْسَ مِثْلَ شَيْءٍ، وَتَكُونُ الْكَافُ هِيَ الْمُدْخَلَةُ فِي الْكَلَامِ، كَقَوْلِ الرَّاجِزِ: وَصَالِيَاتِ كَكَمَا يُؤْثَفَيْنَ فَأَدْخَلَ عَلَى الْكَافِ كَافًا تَوْكِيدًا لِلتَّشْبِيهِ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: تَنْفِي الْغَيَادِيقُ عَلَى الطَّرِيقِ ... قَلَّصَ عَنْ كَبَيْضَةٍ فِي نِيقِ فَأَدْخَلَ الْكَافَ مَعَ «عَنْ» ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ بِشَرْحٍ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ، فَلِذَلِكَ تَجَوَّزْنَا فِي الْبَيَانِ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَاصِفًا نَفْسَهُ بِمَا هُوَ بِهِ، وَهُوَ يَعْنِي نَفْسَهُ: السَّمِيعُ لِمَا تَنْطِقُ بِهِ خَلْقُهُ مِنْ قَوْلٍ، الْبَصِيرُ لِأَعْمَالِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِهِ، مُحْصٍ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: 22] مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لَهُ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَبِيَدِهِ مَغَالِيقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمَفَاتِيحُهَا، فَمَا يَفْتَحْ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ
فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: «مَفَاتِيحُ بِالْفَارِسِيَّةِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: «مَفَاتِيحُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» وَعَنِ الْحَسَنِ بِمِثْلِ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: «خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26] يَقُولُ: يُوَسِّعُ رِزْقَهُ وَفَضْلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَبْسُطُ لَهُ، وَيُكْثِرُ مَالَهُ وَيُغْنِيهِ وَيَقْدِرُ: يَقُولُ: وَيُقَتِّرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ فَيُضَيِّقُهُ وَيُفْقِرُهُ ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: 12] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِكُلِّ مَا يَفْعَلُ مِنْ تَوْسِيعِهِ عَلَى مَنْ يُوَسِّعُ، وَتَقْتِيرِهِ عَلَى
مَنْ يُقَتِّرُ، وَمَنِ الَّذِي يُصْلِحُهُ الْبَسْطُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، وَيُفْسِدُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَالَّذِي يُصْلِحُهُ التَّقْتِيرُ عَلَيْهِ وَيُفْسِدُهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ، ذُو عِلْمٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَوْضِعُ الْبَسْطِ وَالتَّقْتِيرِ وَغَيْرِهِ، مِنْ صَلَاحِ تَدْبِيرٍ خَلْقِهِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِلَى مَنْ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفْتُ لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَيُّهَا النَّاسُ فَارْغَبُوا، وَإِيَّاهُ فَاعَبْدوا مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَا الْأَوْثَانَ وَالْآلِهَةَ وَالْأَصْنَامَ، الَّتِي لَا تَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ [الشورى: 13] رَبُّكُمْ أَيُّهَا
النَّاسُ ﴿مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: 13] أَنْ يَعْمَلَهُ ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر: 31] يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرْنَاكَ بِهِ {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} [الشورى: 13] يَقُولُ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ «فَأَنْ» إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ، فِي مَوْضِعِ نَصَبٍ عَلَى التَّرْجَمَةِ بِهَا عَنْ «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: 13] وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿بِهِ﴾ [البقرة: 22] وَتَفْسِيرًا عَنْهَا، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا، أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، وَهُوَ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَإِذْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا وَصَفْتُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِيَ أَوْصَى بِهِ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَصِيَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ إِقَامَةُ الدِّينِ الْحَقِّ، وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: 13] قَالَ: «مَا أَوْصَاكَ بِهِ وَأَنْبِيَاءَهُ كُلَّهُمْ دَيْنٌ وَاحِدٌ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: 13] قَالَ: «هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: 13] «بُعِثَ نُوحٌ حِينَ بُعِثَ بِالشَّرِيعَةِ بِتَحْلِيلِ الْحَلَالِ، وَتَحْرِيمِ الْحَرَامِ» ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: 13]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: 13] قَالَ: «الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: 13] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ: «حَسْبُكَ مَا قِيلَ لَكَ» وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: 13] أَنِ اعْمَلُوا بِهِ عَلَى مَا شَرَعَ لَكُمْ وَفَرَضَ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: 72] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ أَقِيمُوا، الدِّينَ﴾ [الشورى: 13] قَالَ: «اعْمَلُوا بِهِ»