تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 46-66

خُطْبَةُ الْكِتَابِ

صفحات 46-66
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَمَّنْ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ عَلَى حَرْفٍ، فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ لَأَتَيْتُهُ»

وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ» فَمَعْلُومٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَعْنِ بِقَوْلِهِ هَذَا: مَنْ قَرَأَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْي، فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى قِرَاءَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَمَنْ قَرَأَ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ،

فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى قِرَاءَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْقَصَصِ وَالْمُثُلِ، وَإِنَّمَا عَنَى رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَنَّ مَنَ قَرَأَ بِحُرُفِهِ، وَحُرُفُهُ: قِرَاءَتُهُ.
وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِقِرَاءَةِ رَجُلٍ: حَرْفُ فُلَانٍ، وَتَقُولُ لِلْحَرْفِ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الْمُقَطَّعَةِ: حَرْفٌ، كَمَا تَقُولُ لِقَصِيدَةٍ مِنْ قَصَائِدِ الشَّاعِرِ: كَلِمَةُ فُلَانٍ.
فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ رَغْبَةً عَنْهُ.
وَمَنْ قَرَأَ بِحَرْفِ أُبَيٍّ، أَوْ بِحَرْفٍ زَيْدٍ، أَوْ بِحَرْفِ بَعْضِ مَنْ قَرَأَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّ الْكُفْرَ بِبَعْضِهِ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ، وَالْكُفْرَ بِحَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ، يَعْنِي بِالْحَرْفِ مَا وَصَفْنَا مِنْ قِرَاءَةِ بَعْضِ مَنْ قَرَأَ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ وَقَدْ

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَرَأَ أَنَسٌ هَذِهِ الْآيَةَ: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَصْوَبُ قِيلًا) ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّمَا هِيَ وَأَقْوَمُ فَقَالَ: «أَقْوَمُ وَأَصْوَبُ وَأَهْدَى، وَاحِدٌ»

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيدٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ»

وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ «كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ»

وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: كَانَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ «يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ»

أَفَتَرَى الزَّاعِمُ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» إِنَّمَا هُوَ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنَ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ، وَالْوَعِيدِ، وَالْجَدَلِ، وَالْقَصَصِ، وَالْمَثَلِ، كَانَ يَرَى أَنَّ مُجَاهِدًا وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، لَمْ يَقْرَأَا مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ وَجْهَيْهِ، أَوْ وُجُوهِهِ الْخَمْسَةِ، دُونَ سَائِرِ مَعَانِيهِ؟ لَئِنْ كَانَ ظَنَّ ذَلِكَ بِهِمَا لَقَدْ ظَنَّ بِهِمَا غَيْرَ الَّذِي يُعْرَفَانِ بِهِ، مِنْ مَنَازِلِهِمَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَعْرِفَتِهِمَا بِآيِ الْفُرْقَانِ

وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: " نُبِّئْتُ أَنَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ.
فَقَالَ لَهُ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ فَقَالَ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ.
فَقَالَ لَهُ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ.
قَالَ: حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ " قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ، وَلَا حَرَامٍ، وَلَا أَمْرٍ، وَلَا نَهَيٍ، هُوَ كَقَوْلِكَ: تَعَالَ وَهَلُمَّ وَأَقْبِلْ.
قَالَ: وَفِي قِرَاءَتِنَا: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 29] ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً»

وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَبْحَابِ، قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ إِذَا قَرَأَ عِنْدَهُ رَجُلٌ، لَمْ يَقُلْ: لَيْسَ كَمَا يَقْرَأُ وَإِنَّمَا يَقُولُ: أَمَّا أَنَا فَأَقْرَأُ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَقَالَ: «أَرَى صَاحِبَكَ قَدْ سَمِعَ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْهُ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ»

حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الَّذِيَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103] إِنَّمَا افْتُتِنَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ، فَكَانَ يُمْلِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَمِيعٌ عَلِيمٌ، أَوْ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ خَوَاتِمِ الْآيِ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ عَلَى الْوَحْيِ، فَيَسْتَفْهِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: «أَعَزِيزٌ حَكِيمٌ، أَوْ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، أَوْ عَزِيزٌ عَلِيمٌ؟» فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَّ ذَلِكَ كَتَبْتَ، فَهُوَ كَذَلِكَ» ، فَفَتَنَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَكَّلَ ذَلِكَ إِلَيَّ، فَأَكْتُبُ مَا شِئْتُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ لِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مِنَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ بِآيَةٍ مِنْهُ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَإِذَا كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» عِنْدَكَ مَا وَصَفْتَ بِمَا عَلَيْهِ اسْتَشْهَدْتَ، فَأَوْجِدْنَا حَرْفًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مَقْرُوءًا بِسَبْعِ لُغَاتٍ، فَنُحَقِّقُ بِذَلِكَ قَوْلَكَ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ مَعْلُومًا بِعَدَمِكَهُ صِحَّةَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنْ تَأْوِيلَ ذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ بِسَبْعَةِ مُعَانٍ، وَهُوَ: الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، وَالْوَعْدُ، وَالْوَعِيدُ، وَالْجَدَلُ، وَالْقَصَصُ، وَالْمَثَلُ، وَفَسَادِ قَوْلِكَ.
أَوْ تَقُولُ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ لُغَاتٌ فِي الْقُرْآنِ سَبْعٌ، مُتَفَرِّقَةٌ

فِي جَمِيعِهِ مِنْ لُغَاتِ أَحْيَاءٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْسُنِ، كَمَا كَانَ يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْقَوْلِ بِمَا لَا يَجْهَلُ فَسَادَهُ ذُو عَقْلٍ، وَلَا يَلْتَبِسُ خَطَؤُهُ عَلَى ذِي لُبٍّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي بِهَا احْتَجَجْتَ لِتَصْحِيحِ مَقَالَتِكَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» هِيَ الْأَخْبَارُ الَّتِي رَوَيْتَهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَعَمَّنْ رَوَيْتَ ذَلِكَ عَنْهُ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنَّهُمْ تَمَارَوْا فِي تِلَاوَةِ بَعْضِ الْقُرْآنِ، فَاخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَتِهِ دُونَ تَأْوِيلِهِ، وَأَنْكَرَ بَعْضٌ قِرَاءَةَ بَعْضٍ، مَعَ دَعْوَى كُلِّ قَارِئٍ مِنْهُمْ قِرَاءَةً مِنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَقْرَأَهُ مَا قَرَأَ بِالصِّفَةِ الَّتِي قَرَأَ، ثُمَّ احْتَكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، أَنْ صَوَّبَ قِرَاءَةَ كُلِّ قَارِئٍ مِنْهُمْ، عَلَى خِلَافِهَا قِرَاءَةَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ نَازَعُوهُ فِيهَا، وَأَمَرَ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَأَ كَمَا عُلِّمَ، حَتَّى خَالَطَ قَلْبَ بَعْضِهِمُ الشَّكُّ فِي الْإِسْلَامِ، لِمَا رَأَى مِنْ تَصْوِيبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةَ كُلِّ قَارِئٍ مِنْهُمْ عَلَى اخْتِلَافِهَا، ثُمَّ جَلَاهُ اللَّهُ عَنْهُ، بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ، أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ عِنْدَكَ كَمَا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ مُتَفَرِّقَةً فِي الْقُرْآنِ، مُثْبَتَةً الْيَوْمَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ بَطَلَتْ مَعَانِي الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْتَهَا عَمَّنْ رَوَيْتَهَا عَنْهُ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ كَلًّا أَنْ يَقْرَأَ كَمَا عُلِّمَ، لِأَنَّ

الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ، إِذَا كَانَتْ لُغَاتٍ مُتَفَرِّقَةً فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، فَغَيْرُ مُوجِبِ حَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافًا بَيْنَ تَالِيهِ، لِأَنَّ كُلَّ تَالٍ فَإِنَّمَا يَتْلُو ذَلِكَ الْحَرْفَ تِلَاوَةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى مَا هُوَ بِهِ فِي الْمُصْحَفِ، وَعَلَى مَا أُنْزِلَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، بَطَلَ وَجْهُ اخْتِلَافِ الَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ سُورَةٍ، وَفَسَدَ مَعْنَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ قَارِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى مَا عُلِمَ، إِذْ كَانَ لَا مَعْنَى هُنَالِكَ يُوجِبُ اخْتِلَافًا فِي لَفْظٍ وَلَا افْتِرَاقًا فِي مَعْنًى، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَالْمُعَلِّمُ وَاحِدٌ، وَالْعِلْمُ وَاحِدٌ غَيْرُ ذِي أَوْجُهٍ؟ وَفِي صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمُ الِاخْتِلَافُ فِي حُرُوفِ الْقُرْآنِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا وَتَحَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُنَاهُ أَبْيَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ، بِأَنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ إِنَّمَا هِيَ أَحْرُفٌ سَبْعَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ فِي سُوَرِ الْقُرْآنِ، لَا أَنَّهَا لُغَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، بِاتِّفَاقِ الْمَعَانِي، مَعَ أَنَّ الْمُتَدَبِّرَ إِذَا تَدَبَّرَ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ، فِي تَأْوِيلِهِ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» وَادِّعَائِهِ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا سَبْعُ لُغَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ قِيلِهِ ذَلِكَ، وَاعْتِلَالِهِ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، أَنَّهُ قَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: تَعَالَ وَهَلُمَّ وَأَقْبِلْ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «إِلَّا زَقْيَةً» ، وَهِيَ فِي قِرَاءَتِنَا: ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس: 29] ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ حُجَجِهِ، عَلِمَ أَنَّ حُجَجَهُ مُفْسِدَةٌ فِي ذَلِكَ مَقَالَتَهُ، وَأَنَّ مَقَالَتَهُ فِيهِ مُضَادَّةٌ حُجَجَهُ، لِأَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ عِنْدَهُ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ، إِمَّا صَيْحَةٌ وَإِمَّا زَقْيَةٌ، وَإِمَّا تَعَالَ أَوْ أَقْبِلْ أَوْ هَلُمَّ، لَا جَمِيعُ

ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ السَّبْعِ عِنْدَهُ فِي كَلِمَةٍ أَوْ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرُ الْكَلِمَةِ أَوِ الْحَرْفِ الَّذِي فِيهِ اللُّغَةُ الْأُخْرَى، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَطَلَ اعْتِلَالُهُ لِقَوْلِهِ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ: هَلُمَّ، وَتَعَالَ، وَأَقْبِلْ، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ هِيَ أَلْفَاظٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجْمَعُهَا فِي التَّأْوِيلِ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَقَدْ أَبْطَلَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي حَكَيْنَا قَوْلَهُ اجْتِمَاعَ اللُّغَاتِ السَّبْعِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ إِفْسَادُ حُجَّتِهِ، لِقَوْلِهِ بِقَوْلِهِ، وَإِفْسَادُ قَوْلِهِ بِحُجَّتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتَ، بَلِ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا الْقُرْآنَ هُنَّ لُغَاتٌ سَبْعٌ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ وَاتِّفَاقِ الْمَعَانِي، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: هَلُمَّ، وَأَقْبِلْ، وَتَعَالَ، وَإِلَيَّ، وَقَصْدِي، وَنَحْوِي، وَقُرْبِي، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَلْفَاظُ، بِضُرُوبٍ مِنَ الْمَنْطِقِ، وَتَتَّفِقُ فِيهِ الْمَعَانِي، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِالْبَيَانِ بِهِ الْأَلْسُنُ، كَالَّذِي رَوَيْنَا آنِفًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَمَّنْ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: هَلُمَّ، وَتَعَالَ، وَأَقْبِلْ، وَقَوْلُهُ: «مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا زَقْيَةً» ، وَ ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس: 29] . فَإِنْ قَالَ: فَفِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ نَجِدُ حَرْفًا وَاحِدًا مَقْرُوءًا بِلُغَاتٍ سَبْعٍ مُخْتَلِفَاتِ الْأَلْفَاظِ مُتَّفِقَاتِ الْمَعْنَى، فَنُسَلِّمُ لَكَ بِصِحَّةِ مَا ادَّعَيْتَ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ؟ قِيلَ: إِنَّا لَمُ نَدَّعِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا أُخْبِرْنَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» ، عَلَى نَحْوِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الَّتِي تَقَدَّمَ

وَذَكَرْنَاهَا، هُوَ مَا وَصَفْنَا دُونَ مَا ادَّعَاهُ مُخَالِفُونَا فِي ذَلِكَ لِلْعِلَلِ الَّتِي قَدْ بَيَّنَّا.
فَإِنْ قَالَ: فَمَا بَالُ الْأَحْرُفِ الْأُخَرِ السِّتَّةِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، إِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْتَ، وَقَدْ أَقْرَأَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ، وَأَمَرَ بِالْقِرَاءَةِ بِهِنَّ، وَأَنْزَلَهُنَّ اللَّهُ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنُسِخَتْ فَرُفِعَتْ؟ فَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى نَسْخِهَا وَرَفْعِهَا؟ أَمْ نَسِيَتْهُنَّ الْأُمَّةُ؟ فَذَلِكَ تَضْيِيعُ مَا قَدْ أُمِرُوا بِحِفْظِهِ، أَمْ مَا الْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ تُنْسَخْ فَتُرْفَعْ، وَلَا ضَيَّعَتْهَا الْأُمَّةُ، وَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِحِفْظِهَا، وَلَكِنَّ الْأُمَّةَ أُمِرَتْ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَخُيِّرَتْ فِي قِرَاءَتِهِ وَحَفِظِهِ، بِأَيِّ تِلْكَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ شَاءَتْ، كَمَا أُمِرَتْ إِذَا هِيَ حَنَّثَتْ فِي يَمِينٍ وَهِيَ مُوسِرَةٌ أَنْ تُكَفِّرَ بِأَيِّ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ شَاءَتْ: إِمَّا بِعِتْقٍ، أَوْ إِطْعَامٍ، أَوْ كِسْوَةٍ، فَلَوْ أَجْمَعَ جَمِيعُهَا عَلَى التَّكْفِيرِ بِوَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ، دُونَ حَظْرِهَا التَّكْفِيرَ بِأَيِّ الثَّلَاثِ شَاءَ الْمُكَفِّرُ، كَانَتْ مُصِيبَةً حُكْمَ اللَّهِ، مُؤَدِّيَةً فِي ذَلِكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ الْأُمَّةُ أُمِرَتْ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ، وَخُيِّرَتْ فِي قِرَاءَتِهِ بِأَيِّ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ شَاءَتْ، فَرَأَتْ لِعِلَّةٍ مِنَ الْعِلَلِ، أَوْجَبَتْ عَلَيْهَا الثَّبَاتَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، قِرَاءَتُهُ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ، وَرَفْضَ الْقِرَاءَةَ بِالْأَحْرُفِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ، وَلَمْ تُحْظَرْ قِرَاءَتُهُ بِجَمِيعِ حُرُوفِهِ عَلَى قَارِئِهِ، بِمَا أُذِنَ لَهُ فِي قِرَاءَتِهِ بِهِ.
فَإِنْ قَالَ: وَمَا الْعِلَّةُ الَّتِي أَوْجَبَتْ عَلَيْهَا الثَّبَاتَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، دُونَ سَائِرِ الْأَحْرُفِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ؟

قِيلَ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدٍ قَالَ: " لَمَّا قُتِلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمَامَةِ، دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمَامَةِ تَهَافَتُوا تَهَافُتَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا مَوْطِنًا إِلَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى يُقْتَلُوا، وَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، فَيَضِيعُ الْقُرْآنُ وَيُنْسَى، فَلَوْ جَمَعْتَهُ وَكَتَبْتَهُ؟ فَنَفَرَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَتَرَاجَعَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " قَالَ زَيْدٌ: " فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَعُمَرُ مُحْزَئِلٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا قَدْ دَعَانِي إِلَى أَمْرٍ، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ كَاتَبُ الْوَحْيِ، فَإِنْ تَكُنْ مَعَهُ اتَّبَعْتُكُمَا، وَإِنْ تُوَافِقْنِي لَا أَفْعَلْ " قَالَ: " فَاقْتَصَّ أَبُو بَكْرٍ قَوْلَ عُمَرَ، وَعُمَرُ سَاكِتٌ.
فَنَفَرْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَقُلْتُ: نَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ إِلَى أَنْ قَالَ عُمَرُ كَلِمَةً: وَمَا عَلَيْكُمَا لَوْ فَعَلْتُمَا ذَلِكَ؟ " قَالَ: " فَذَهَبْنَا نَنْظُرُ.
فَقُلْنَا: لَا شَيْءَ، وَاللَّهِ مَا عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ " قَالَ زَيْدٌ: " فَأَمَرَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَكَتَبْتُهُ فِي قِطَعِ الْآدَمَ، وَكِسَرِ الْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ كَتَبَ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَلَمَّا هَلَكَ، كَانَتِ الصَّحِيفَةُ عِنْدَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إِنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ كَانَ غَزَاهَا، فِي مَرَجِ أَرْمِينِيَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينِ،

أَدْرِكِ النَّاسَ فَقَالَ عُثْمَانُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: غَزَوْتُ مَرْجَ أَرْمِينِيَةَ، فَحَضَرَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الشَّامِ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَتُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ، فَتُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الشَّامِ " قَالَ زَيْدٌ: " فَأَمَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَكْتُبُ لَهُ مُصْحَفًا، وَقَالَ: إِنِّي مُدْخِلٌ مَعَكَ رَجُلًا لَبِيبًا فَصِيحًا، فَمَا اجْتَمَعْتُمَا عَلَيْهِ فَاكْتُبَاهُ، وَمَا اخْتَلَفْتُمَا فِيهِ فَارْفَعَا إِلَيَّ.
فَجَعَلَ مَعَهُ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ " قَالَ: " فَلَمَّا بَلَغَا ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: 248] «قَالَ زَيْدٌ،» فَقُلْتُ: التَّابُوهُ.
وَقَالَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ: التَّابُوتُ، فَرَفَعْنَا ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ التَّابُوتُ " قَالَ: " فَلَمَّا فَرَغْتُ، عَرَضْتُهُ عُرْضَةً، فَلَمْ أَجِدُ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23] " قَالَ: " فَاسْتَعْرَضْتُ الْمُهَاجِرِينَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
ثُمَّ اسْتَعْرَضْتُ الْأَنْصَارَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، حَتَّى وَجَدْتُهَا عِنْدَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فَكَتَبْتُهَا، ثُمَّ عَرَضْتُهُ عُرْضَةً أُخْرَى، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: 128] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَاسْتَعْرَضْتُ الْمُهَاجِرِينَ فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ اسْتَعْرَضْتُ الْأَنْصَارَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، حَتَّى وَجَدْتُهَا مَعَ رَجُلٍ آخَرَ، يُدْعَى خُزَيْمَةُ أَيْضًا، فَأَثْبَتُّهَا فِي آخِرِ بَرَاءَةَ، وَلَوْ تَمَّتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ، لَجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ

عَرَضْتُهُ عُرْضَةً أُخْرَى فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ شَيْئًا.
ثُمَّ أَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ يَسْأَلُهَا أَنْ تُعْطِيَهُ الصَّحِيفَةَ، وَحَلَفَ لَهَا لَيَرُدَّنَّهَا إِلَيْهَا، فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهَا، فَعَرَضَ الْمُصْحَفَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي شَيْءٍ فَرَدَّهَا إِلَيْهَا، وَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكْتُبُوا مَصَاحِفَ، فَلَمَّا مَاتَتْ حَفْصَةُ، أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيفَةِ بِعَزْمَةٍ، فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا، فَغُسِّلَتْ غُسْلًا " وَحَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، بِنَحْوِهِ سَوَاءً

وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: " لَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، جَعَلَ الْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةً الرَّجُلَ، وَالْمُعَلِّمُ يَعْلَمُ قِرَاءَةً الرَّجُلَ، فَجَعَلَ الْغِلْمَانُ يَلْتَقُونَ فَيَخْتَلِفُونَ، حَتَّى ارْتَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الْمُعَلِّمِينَ، قَالَ أَيُّوبُ: فَلَا أَعْلَمُهُ أَلَا قَالَ: حَتَّى كَفَرَ بَعْضُهُمْ بِقِرَاءَةِ بَعْضٍ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ،

فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَنْتُمْ عِنْدِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَتَلَحْنُونَ، فَمَنْ نَأَى عَنِّي مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَشَدُّ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَأَشَدُّ لَحْنًا، اجْتَمِعُوا يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَاكْتُبُوا لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَحَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ يُمْلَى عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْآيَةِ فَيَذْكُرُونَ الرَّجُلَ قَدْ تَلَقَّاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ غَائِبًا، أَوْ فِي بَعْضِ الْبَوَادِي، فَيَكْتُبُونَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، وَيَدَعُونَ مَوْضِعَهَا، حَتَّى يَجِيءَ أَوْ يُرْسَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمُصْحَفِ، كَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ: إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا، وَمَحَوْتُ مَا عِنْدِي، فَامْحُوا مَا عِنْدَكُمْ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي غَزْوَةِ أَذْرَبَيْجَانَ وَأَرْمِينِيَةَ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، فَتَذَاكَرُوا الْقُرْآنَ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ، فَكَتَبَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَهُمْ فِي الْقُرْآنِ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: " إِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ، حَتَّى إِنِّي وَاللَّهِ لَأَخْشَى أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الِاخْتِلَافِ.
قَالَ: فَفَزِعَ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَأَرْسَلَ إِلَى حَفْصَةَ،

فَاسْتَخْرَجَ الصُّحُفَ الَّتِي كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَمَرَ زَيْدًا بِجَمْعِهَا، فَنَسَخَ مِنْهَا مَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْآفَاقِ "

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ جُمِعَ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْكَرَانِيفِ وَالْعُسُبِ»

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ صَعْصَعَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ «أَوَّلُ مِنْ وَرَّثَ الْكَلَالَةَ، وَجَمَعَ الْمُصْحَفَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ، الَّتِي يُطَوِّلُ بِاسْتِيعَابِ جَمِيعِهَا الْكِتَابُ، وَالْآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينِ، وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ، جَمَعَ الْمُسْلِمِينِ، نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ، وَإِشْفَاقًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَرَأْفَةً مِنْهُ بِهِمْ، حَذَارَ الرِّدَّةَ مِنْ بَعْضِهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَالدُّخُولَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، إِذْ ظَهَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ بِمَحْضِرِهِ وَفِي عَصْرِهِ التَّكْذِيبُ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ، مَعَ سَمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ عَنِ التَّكْذِيبِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ، أَنَّ الْمِرَاءَ فِيهَا كُفْرٌ، فَحَمَلَهُمْ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ رَأَى ذَلِكَ ظَاهِرًا بَيْنَهُمْ فِي عَصْرِهِ، وَبِحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ، وَفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

إِيَّاهُمْ، بِمَا أَمِنَ عَلَيْهِمْ مَعَهُ عَظِيمَ الْبَلَاءِ فِي الدِّينِ، مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، وَحَرْفٍ وَاحِدٍ، وَحَرَقَ مَا عَدَا الْمُصْحَفِ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَعَزَمَ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مُصْحَفٌ مُخَالِفٌ الْمُصْحَفَ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِقَهُ، فَاسْتَوْثَقَتْ لَهُ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِالطَّاعَةِ، وَرَأَتْ أَنَّ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ الرُّشْدَ وَالْهِدَايَةَ، فَتَرَكَتِ الْقِرَاءَةَ بِالْأَحْرُفِ السِّتَّةِ، الَّتِي عَزَمَ عَلَيْهَا أَمَامُهَا الْعَادِلُ فِي تَرْكِهَا، طَاعَةً مِنْهَا لَهُ، وَنَظَرًا مِنْهَا لِأَنْفُسِهَا، وَلِمَنْ بَعْدَهَا مِنْ سَائِرِ أَهْلِ مِلَّتِهَا، حَتَّى دَرَسَتْ مِنَ الْأُمَّةِ مَعْرِفَتُهَا، وَتَعَفَّتْ آثَارُهَا، فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ إِلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا لِدُثُورِهَا، وَعَفْوِ آثَارِهَا، وَتَتَابُعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَفْضِ الْقِرَاءَةِ بِهَا، مِنْ غَيْرِ جُحُودٍ مِنْهَا صِحَّتَهَا وَصِحَّةَ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَكِنْ نَظَرًا مِنْهَا لِأَنْفُسِهَا وَلِسَائِرِ أَهْلِ دِينِهَا، فَلَا قِرَاءَةَ الْيَوْمَ لِلْمُسْلِمِينَ أَلَا بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، الَّذِي اخْتَارَهُ لَهُمْ أَمَامُهُمُ الشَّفِيقُ النَّاصِحُ، دُونَ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَحْرُفِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ.
فَإِنْ قَالَ بَعْضُ مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ: وَكَيْفَ جَازَ لَهُمْ تَرْكُ قِرَاءَةٍ أَقْرَأَهُمُوهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَهُمْ بِقِرَاءَتِهَا؟ قِيلَ: إِنَّ أَمْرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ أَمْرَ إِيجَابٍ وَفَرْضٍ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرَ إِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ تِلْكِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، عِنْدَ مَنْ يَقُومُ بِنَقْلِهِ الْحُجَّةَ، وَيَقْطَعُ خَبَرَهُ الْعُذْرُ،

وَيُزِيلُ الشَّكَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْأُمَّةِ، وَفِي تَرْكِهِمْ نَقْلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ بِهَا مُخَيَّرِينَ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي نَقَلَةِ الْقُرْآنَ مِنَ الْأُمَّةِ، مَنْ تَجِبِ بِنَقْلِهِ الْحُجَّةَ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ بِتَرْكِهِمْ نَقْلَ جَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ تَارِكِينَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ نَقْلُهُ، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفِعْلِ مَا فَعَلُوا، إِذْ كَانَ الَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ، كَانَ هُوَ النَّظَرَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَكَانَ الْقِيَامُ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ بِهِمْ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ مَا لَوْ فَعَلُوهُ، كَانُوا إِلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ أَقْرَبَ، مِنْهُمْ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ، فِي رَفْعِ حَرْفٍ وَجَرِّهِ وَنَصْبِهِ، وَتَسْكِينِ حَرْفٍ وَتَحْرِيكِهِ وَنَقْلِ حَرْفٍ إِلَى آخَرَ، مَعَ اتِّفَاقِ الصُّورَةِ، فَمِنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» بِمَعْزِلٍ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَرْفَ مِنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ، مِمَّا اخْتَلَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قِرَاءَتِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ الْمِرَاءُ بِهِ كُفْرَ الْمُمَارِي بِهِ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ.
وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْمِرَاءِ فِيهِ الْكُفْرَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَنَازِعُونَ إِلَيْهِ، وَتَظَاهَرَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ الرِّوَايَةُ، عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا فِي أَوَّلِّ هَذَا الْبَابِ.

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَهَلْ لَكَ مِنْ عِلْمٍ بِالْأَلْسُنِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَأَيُّ الْأَلْسُنِ هِيَ مِنْ أَلْسُنِ الْعَرَبِ؟ قُلْنَا: أَمَّا الْأَلْسُنُ السِّتَّةُ الَّتِي قَدْ نَزَلَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَتِهَا، لِأَنَّا لَوْ عَرَفْنَاهَا، لَمْ نَقْرَأِ الْيَوْمَ بِهَا، مَعَ الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ خَمْسَةً مِنْهَا لَعَجْزِ هَوَازِنَ، وَاثْنَيْنِ مِنْهَا لِقُرَيْشٍ وَخُزَاعَةَ.
وَرُوِيَ جَمِيعُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِنَقْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ رَوَى عَنْهُ أَنَّ خَمْسَةً مِنْهَا مِنْ لِسَانِ الْعَجْزِ مِنْ هَوَازِنَ: الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَأَنَّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَنَّ اللِّسَانَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِسَانُ قُرَيْشٍ وَخُزَاعَةَ: قَتَادَةُ، وَقَتَادَةُ لَمْ يَلُقْهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ

حَدَّثَنِي بِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَلِسَانِ خُزَاعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّارَ وَاحِدَةٌ»

وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، قَالَ: " نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ الْكَعْبَيْنِ: كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ.
فَقَالَ خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ لِسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: أَلَا تَعْجَبُ مِنْ هَذَا

الْأَعْمَى يَزْعُمُ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْكَعْبَيْنِ وَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ؟ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْعَجْزُ مِنْ هَوَازِنَ: سَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَجُشَمُ بْنُ بَكْرٍ، وَنَصْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَثَقِيفُ وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ ذَكَرَ نُزُولَ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، أَنَّ كُلَّهَا شَافٍ كَافٍّ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي وَصَفِهِ الْقُرْآنَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57] جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ شِفَاءً يَسْتَشْفُونَ بِمَوَاعِظِهِ، مِنَ الْأَدْوَاءِ الْعَارِضَةِ لِصُدُورِهِمْ، مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ وَخَطَرَاتِهِ، فَيَكْفِيهِمْ وَيُغْنِيهِمْ عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ مِنَ الْمَوَاعِظِ بِبَيَانِ آيَاتِهِ

الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» ، وَذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَتِ النَّقَلَةُ فِي أَلْفَاظِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ نَزَلَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ، وَعَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: زَجْرٍ، وَأَمْرٍ، وَحَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ؛ فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَافْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ، وَانْتَهُوا عَمَّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ،

وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَأَمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَقُولُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا " حَدَّثَنِي بِذَلِكَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُرْسَلًا غَيْرَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: أَمْرٍ، وَزَجْرٍ، وتَرْغِيبٍ، وَتَرْهِيبٍ، وَجَدَلٍ، وَقَصَصٍ، وَمُثُلٍ "

وَرُوِي عَنْ أُبَيٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍّ "

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قِيلِهِ خِلَافُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ، فَأَحِلَّ الْحَلَالَ وَحَرِّمِ الْحَرَامَ، وَاعْمَلْ بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنْ بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرْ بِالْأَمْثَالِ " وَكُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِيِ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: فُلَانٌ مُقِيمٌ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ هَذَا الْأَمْرِ؛ وَفُلَانٌ مُقِيمٌ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وجُوهِ هَذَا الْأَمْرِ، وَفُلَانٌ مُقِيمٌ عَلَى حَرْفٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، سَوَاءٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ قَوْمًا عَبَدُوهُ، عَلَى وَجْهٍ مِنْ وجُوهِ الْعِبَادَاتِ فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11] يَعْنِي أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ، لَا عَلَى الْيَقِينِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ؛ فَكَذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ، وَنَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ سَوَاءٌ، مَعْنَاهُمَا مُؤْتَلِفٌ، وَتَأْوِيلُهُمَا غَيْرُ مُخْتَلِفٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ: الْخَبَرُ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَمَّا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ وَأُمَّتِهِ، مِنَ الْفَضِيلَةِ وَالْكَرَامَةِ

الَّتِي لَمْ يُؤْتِهَا أَحَدًا فِي تَنْزِيلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كِتَابٍ تَقَدَّمَ كِتَابَنَا نُزُولُهُ، عَلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ، مَتَى حُوِّلَ إِلَى غَيْرِ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ تَرْجَمَةً وَتَفْسِيرًا، لَا تِلَاوَةً لَهُ عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَأَنْزَلَ كِتَابَنَا بِأَلْسُنٍ سَبْعَةٍ، بِأَيِّ تِلْكَ الْأَلْسُنِ السَّبْعَةِ تَلَاهُ التَّالِي، كَانَ لَهُ تَالِيًا عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ، لَا مُتَرْجَمًا وَلَا مُفَسَّرًا، حَتَّى يُحَوِّلَهُ عَنْ تِلْكِ الْأَلْسُنِ السَّبْعَةِ إِلَى غَيْرِهَا، فَيَصِيرُ فَاعِلُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ إِذَا أَصَابَ مَعْنَاهُ مُتَرْجِمًا لَهُ، كَمَا كَانَ التَّالِي لِبَعْضِ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ، إِذَا تَلَاهُ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، لَهُ مُتَرْجِمًا لَا تَالِيًا عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِ.
فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ نَزَلَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ نَزَلَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ» فَإِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنَى بِقَوْلِهِ: نَزَلَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا نَزَلَ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ، عَلَى مَنْ أَنْزَلَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ خَالِيًا مِنَ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، كَزَبُورِ دَاوُدَ، الَّذِي إِنَّمَا هُوَ تَذْكِيرٌ وَمَوَاعِظٌ، وَإِنْجِيلَ عِيسَى، الَّذِي هُوَ تَمْجِيدٌ وَمَحَامِدُ وَحَضٌّ عَلَى الصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ، دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ بِبَعْضِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ الَّتِي يَحْوِي جَمِيعَهَا كِتَابُنَا الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُمَّتَهُ.
فَلَمْ يَكُنِ الْمُتَعَبِّدُونَ بِإِقَامَتِهِ، يَجِدُونَ لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَطْلَبًا يَنَالُونَ بِهِ الْجَنَّةَ،

جارٍ التحميل