يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: 205] وَإِذَا أَدْبَرَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ مُنْصَرِفًا عَنْكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: 205] قَالَ: يَعْنِي: وَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ سَعَى " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا غَضِبَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: 205] قَالَ: إِذَا غَضِبَ " فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَإِذَا خَرَجَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ غَضْبَانَ عَمِلَ فِي الْأَرْضِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَحَاوَلَ فِيهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ، وَقَطْعَ الطَّرِيقِ، وَإِفْسَادَ السَّبِيلِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ فِعْلِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ الَّذِي ذَكَرَ السُّدِّيُّ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ إِحْرَاقِهِ زَرْعَ الْمُسْلِمِينَ وَقَتْلِهِ حُمُرَهُمْ، وَالسَّعْي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْعَمَلُ، يُقَالُ مِنْهُ: فُلَانٌ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ، يَعْنِي بِهِ يَعْمَلُ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ نَفْعُهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
[البحر الكامل]
وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ ... غَيْرِ مُوَاكِلٍ قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّهَا وَبَنَى لَهَا
يَعْنِي بِذَلِكَ: عَمِلَ لَهُمْ فِي الْمَكَارِمِ.
وَكَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ " ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾ [البقرة: 205] قَالَ: عَمِلَ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْإِفْسَادِ الَّذِي أَضَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ، وَإِخَافَتِهِ السَّبِيلَ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا
قَبْلُ مِنْ فِعْلِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ قَطْعُ الرَّحِمِ، وَسَفْكُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 205] قَطَعَ الرَّحِمَ، وَسَفَكَ الدِّمَاءَ، دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا قِيلَ: لِمَ تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَ هَذَا الْمُنَافِقَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَلَّى مُدْبِرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَ فِي أَرْضِ اللَّهِ بِالْفَسَادِ.
وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْإِفْسَادِ جَمِيعُ الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَعَاصِي إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ، فَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ وَصْفَهُ بِبَعْضِ مَعَانِي الْإِفْسَادِ دُونَ بَعْضٍ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِفْسَادُ مِنْهُ كَانَ بِمَعْنَى قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ " مِنْهُ فَقَدْ كَانَ إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْصِيَةٌ.
غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَيُخِيفُ السَّبِيلَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفَهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ، وَالنَّسْلَ، وَذَلِكَ بِفِعْلٍ مُخِيفِ السَّبِيلِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِفِعْلِ قُطَّاعِ الرَّحِمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي وَجْهِ إِهْلَاكِ هَذَا الْمُنَافِقِ، الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ
مِنْ صِفَةِ إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ
«كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إِحْرَاقًا لِزَرْعِ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَقْرًا لِحُمُرِهِمْ» حَدَّثَنِي بِذَلِكَ، مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثني عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَثَّامٌ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] الْآيَةَ، قَالَ: إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ بِالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَطْرَ، فَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.
قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُجَاهِدٌ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبِرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بَحْرُكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى مَاءٍ جَارٍ فَهُوَ بَحْرٌ " وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنَ التَّأْوِيلِ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ، فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْنَا عَنِ السُّدِّيِّ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَاهُ.
وَأَمَّا الْحَرْثُ، فَإِنَّهُ الزَّرْعُ، وَالنَّسْلُ: الْعَقِبُ، وَالْوَلَدُ وَإِهْلَاكُهُ الزَّرْعَ: إِحْرَاقُهُ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ، بِاحْتِبَاسِ الْقَطْرِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ وَسَعْيِهِ بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِقَتْلِهِ الْقَوَّامَ بِهِ، وَالْمُتَعَاهِدِينَ لَهُ حَتَّى
فَسَدَ فَهَلَكَ.
وَكَذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَعْنَى إِهْلَاكِهِ النَّسْلَ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِقَتْلِهِ أُمَّهَاتِهِ أَوْ آبَاءَهُ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ النَّسْلُ، فَيَكُونُ فِي قَتْلِهِ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ انْقِطَاعُ نَسْلِهِمَا.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ، غَيْرِ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِهَا مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ، غَيْرَ أَنَّ السُّدِّيَّ، ذَكَرَ أَنَّ الَّذِيَ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قَتْلِهِ حُمُرَ الْقَوْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِحْرَاقِهِ زَرْعًا لَهُمْ.
وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ فَاسِدٍ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِهَا كُلُّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي قَتْلِ كُلِّ مَا قُتِلَ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بِحَالٍ وَالَّذِي يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عِنْدِي، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُخَصِّصْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ بَلْ عَمَّهُ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي عُمُومِ ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ.
ثنا يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: " ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] قَالَ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قُلْتُ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ ﴿الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] قَالَ: الْحَرْثُ: حَرْثُكُمْ، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْحَرْثِ، وَالنَّسْلِ، فَقَالَ: " الْحَرْثُ: مِمَّا تَحْرُثُونَ، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ " حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ.
ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ تَمِيمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
" ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] فَنَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ، وَالنَّاسُ أَيْضًا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثني عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ﴾ [البقرة: 205] قَالَ: نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴿وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ تَمْشِي مِنَ الْحَيَوَانِ مِنَ النَّاسِ، وَالدَّوَابِّ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾ [البقرة: 205] قَالَ: نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴿وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: " الْحَرْثُ.
النَّبَاتُ، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ "
حَدَّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾ [البقرة: 205] قَالَ: " الْحَرْثُ الَّذِي يَحْرُثُهُ النَّاسُ: نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴿وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: " ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] قَالَ: الْحَرْثُ: الزَّرْعُ، وَالنَّسْلُ مِنَ النَّاسِ، وَالْأَنْعَامِ، قَالَ: يَقْتُلُ نَسْلَ النَّاسِ، وَالْأَنْعَامِ "
قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: " يَبْتَغِي فِي الْأَرْضِ هَلَاكَ الْحَرْثِ: نَبَاتُ الْأَرْضِ، وَالنَّسْلُ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ "
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] قَالَ: الْحَرْثُ: الْأَصْلُ، وَالنَّسْلُ: كُلُّ دَابَّةٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُمْ "
حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ فَسَادِ الْحَرْثِ، وَالنَّسْلِ، وَمَا هُمَا أَيُّ حَرْثٍ وَأَيُّ نَسْلٍ؟ قَالَ سَعِيدٌ: قَالَ مَكْحُولٌ: " الْحَرْثُ: مَا تَحْرُثُونَ، وَأَمَّا النَّسْلُ: فَنَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ "
وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: (وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) بِرَفْعِ «يُهْلِكُ» عَلَى مَعْنَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَاللَّهُ لَا يَجِبُ الْفَسَادَ.
فَيَرُدُّ «وَيُهْلِكُ» عَلَى «وَيَشْهَدُ اللَّهَ» عَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ عِنْدِي غَيْرُ جَائِزَةٍ وَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةَ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205] وَأَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُصْحَفِهِ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: لِيُفْسِدَ فِيهَا وَلِيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ "، وَذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ ﴿وَيُهْلِكَ﴾ [البقرة: 205] بِالنَّصْبِ عَطْفًا بِهِ عَلَى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 205]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَعَاصِيَ، وَقَطْعَ السَّبِيلِ، وَإِخَافَةَ الطَّرِيقِ.
وَالْفَسَادُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسَدُ، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ: ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا، وَمَنِ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ مَصْدَرَ فَسَدَ فُسُودًا، وَمَصْدَرُ ذَهَبَ يَذْهَبُ ذُهُوبًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمَ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِذَا قِيلَ لِهَذَا الْمُنَافِقِ الَّذِي نَعَتَ نَعْتَهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا: اتَّقِ اللَّهَ، وَخَفْهُ فِي إِفْسَادِكَ فِي أَرْضِ اللَّهِ، وَسَعْيِكَ فِيهَا بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ مَعَاصِيهِ، وَإِهْلَاكِكَ حُرُوثَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَسْلِهِمْ؛ اسْتَكْبَرَ وَدَخَلَتْهُ عَزَّةٌ، وَحَمِيَّةٌ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَتَمَادَى فِي غَيِّهِ وَضَلَالِهِ.
قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَكَفَاهُ عُقُوبَةً مِنْ غَيِّهِ وَضَلَالِهِ صِلِيُّ نَارِ جَهَنَّمَ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ لِصَالِيهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا كُلَّ فَاسِقٍ، وَمُنَافِقٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثنا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 204] إِلَى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ قَالَ عَلِيٌّ: اقْتَتَلَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: 206] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا صَلَّى السُّبْحَةَ وَفَرَغَ دَخَلَ
مِرْبَدًا لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى فَتَيَانٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ، مِنْهُمِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ أَخِي عُيَيْنَةَ، قَالَ: فَيَأْتُونَ فَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَهُ، فَإِذَا كَانَتِ الْقَائِلَةُ انْصَرَفَ.
قَالَ فَمَرُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: 206] ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَهَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، لِبَعْضِ مَنْ كَانَ إِلَى جَنْبِهِ: اقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ.
فَسَمِعَ عُمَرُ، مَا قَالَ، فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ قُلْتَ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: مَاذَا قُلْتَ؟ اقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ؟ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَرَى هَاهُنَا مَنْ إِذَا أُمِرَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، وَأَرَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ؛ يَقُومُ هَذَا فَيَأْمُرُ هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، قَالَ هَذَا: وَأَنَا أَشْتَرِي نَفْسِي فَقَاتِلْهُ، فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ.
فَقَالَ عُمَرُ: لِلَّهِ بِلَادُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ الْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206] فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلَبِئْسَ الْفِرَاشُ وَالْوِطَاءُ: جَهَنَّمُ الَّتِي أَوْعَدَ بِهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَذَا الْمُنَافِقَ، وَوَطَّأَهَا لِنَفْسِهِ بِنِفَاقِهِ، وَفُجُورِهِ، وَتَمُرُّدِهِ عَلَى رَبِّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مِنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ نَفْسَهُ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي
سَبِيلِهِ وَابْتَاعَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111] وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَى بَاعَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الشَّارِيَ يَشْرِي إِذَا اشْتَرَى طَلَبَ مَرْضَاةِ اللَّهِ.
وَنَصَبَ «ابْتِغَاءَ» بِقَوْلِهِ «يَشْرِي» ، فَكَأَنَّهُ قَالَ.
«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي مِنْ أَجْلِ ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، ثُمَّ تَرَكَ» مِنْ أَجْلِ " وَعَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ نَصَبَ ذَلِكَ عَلَى
الْفِعْلِ عَلَى يَشْرِي كَأَنَّهُ قَالَ: لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَلَمَّا نَزَعَ اللَّامَ عَمِلَ الْفِعْلُ.
قَالَ: وَمِثْلُهُ: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 19] وَقَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ حَاتِمٌ:
وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الْكَرِيمِ ادِّخَارَهُ ... وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا
وَقَالَ: لَمَّا أَذْهَبَ اللَّامَ أَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْلَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيُّمَا مَصْدَرٍ وُضِعَ مَوْضِعَ الشَّرْطِ وَمَوْضِعَ «أَنْ» فَتَحْسُنُ فِيهَا الْبَاءُ وَاللَّامُ، فَتَقُولُ: أَتَيْتُكَ مِنْ خَوْفِ الشَّرِّ، وَلِخَوْفِ الشَّرِّ، وَبِأَنْ خِفْتُ الشَّرَّ؛ فَالصِّفَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَحُذِفَتْ وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهَا.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتِ الصِّفَةُ حَرْفًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ حَذْفُهَا كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَالَ: فَعَلْتُ هَذَا لَكَ
وَلِفُلَانٍ، أَنْ يُسْقِطَ اللَّامَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ وَمَنْ عَنَى بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَعُنِيَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] قَالَ: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِأَعْيَانِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] قَالَ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ جُنْدُبِ بْنِ السَّكَنِ؛ أَخَذَ أَهْلُ أَبِي ذَرٍّ، أَبَا ذَرٍّ، فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ، فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَجَعَ مُهَاجِرًا عَرَضُوا لَهُ، وَكَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَانْفَلَتَ أَيْضًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَأَمَّا صُهَيْبٌ فَأَخَذَهُ أَهْلُهُ، فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَأَدْرَكَهُ مُنْقِذُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ جُدْعَانَ، فَخَرَّجَ لَهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلِهِ: " ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمَ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنَعُوهُ، وَحَبَسُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أُعْطِيكُمْ دَارِي، وَمَالِي وَمَا كَانَ لِي مِنْ شَيْءٍ فَخَلُّوا عَنِّي فَأَلْحَقَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَبَوْا.
ثُمَّ إِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ لَهُمْ: خُذُوا مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ وَخَلُّوا عَنْهُ فَفَعَلُوا، فَأَعْطَاهُمْ دَارَهُ وَمَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] الْآيَةَ؛ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ تَلَقَّاهُ عُمَرُ، فِي رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: رَبِحَ الْبَيْعُ، قَالَ: وَبَيْعُكَ فَلَا يَخْسَرُ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أُنْزِلَ فِيكَ كَذَا وَكَذَا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ كُلَّ شارٍ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: " حَمَلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الصَّفِّ حَتَّى خَرَقَهُ، فَقَالُوا: أَلْقَى بِيَدِهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ
طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: " بَعَثَ عُمَرُ جَيْشًا فَحَاصَرُوا أَهْلَ حِصْنٍ، وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ، فَقَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ يَقُولُونَ: أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: كَذَبُوا، أَلَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ "