وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45] إِلَّا عَلَى الْخَاضِعِينَ لِطَاعَتِهِ، الْخَائِفِينَ سَطَوَاتِهِ، الْمُصَدِّقِينَ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45] يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45] قَالَ: يَعْنِي الْخَائِفِينَ "
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45] قَالَ: الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا " وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الْخُشُوعُ: الْخَوْفُ وَالْخَشْيَةُ لِلَّهِ.
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: 45] قَالَ: قَدْ أَذَلَّهُمُ الْخَوْفُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَخَشَعُوا لَهُ " وَأَصْلُ الْخُشُوعِ: التَّوَاضُعُ وَالتَّذَلُّلُ وَالِاسْتِكَانَةُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ
يَعْنِي وَالْجِبَالُ خُشَّعٌ مُتَذَلِّلَةٌ لِعِظَمِ الْمُصِيبَةِ بِفَقْدِهِ.
فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَاسْتَعِينُوا أَيُّهَا الْأَحْبَارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِحَبْسِ أَنْفُسِكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَكَفِّهَا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، الْمُقِرِّ بِهِ مِنْ مَرَاضِي اللَّهِ، الْعَظِيمَةِ إِقَامَتُهَا إِلَّا عَلَى الْمُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ الْمُسْتَكِينِينَ لِطَاعَتِهِ الْمُتَذَلِّلِينَ مِنْ مَخَافَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّنْ قَدْ وَصَفَهُ بِالْخُشُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ أَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ مُلَاقِيهِ، وَالظَّنُّ: شَكٌّ، وَالشَّاكُّ فِي لِقَاءِ اللَّهِ عِنْدَكَ بِاللَّهِ كَافِرٌ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ
تُسَمِّي الْيَقِينَ ظَنًّا، وَالشَّكُّ ظَنًّا، نَظِيرَ تَسْمِيَتِهِمُ الظُّلْمَةَ سُدْفَةً وَالضِّيَاءَ سُدْفَةً، وَالْمُغِيثَ صَارِخًا، وَالْمُسْتَغِيثَ صَارِخًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تُسَمِّي بِهَا الشَّيْءَ وَضِدَّهُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى بِهِ الْيَقِينُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ
:
[البحر الطويل]
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ
يَعْنِي بِذَلِكَ: تَيَقَّنُوا أَلْفَيْ مُدَجَّجٍ تَأْتِيكُمْ.
وَقَوْلُ عَمِيرَةَ بْنِ طَارِقٍ:
بِأَنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وَأَقْعُدُ فِيكُمُ ... وَأَجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا
يَعْنِي: وَأَجْعَلُ مِنِّي الْيَقِينَ غَيْبًا مُرَجَّمًا.
وَالشَّوَاهِدُ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَكَلَامِهَا عَلَى أَنَّ الظَّنَّ فِي مَعْنَى الْيَقِينِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَفِيمَا ذَكَرْنَا لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ كِفَايَةٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: 53] وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ تَفْسِيرُ الْمُفَسِّرِينَ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46] قَالَ: إِنَّ الظَّنَّ هَهُنَا يَقِينٌ "
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ يَقِينٌ، إِنِّي ظَنَنْتُ وَظَنُّوا»
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عِلْمٌ»
وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46] أَمَّا يَظُنُّونَ فَيَسْتَيْقِنُونَ "
وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46] عَلِمُوا أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ، هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 20] يَقُولُ عَلِمْتُ "
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46] قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَايِنُوا، فَكَانَ ظَنُّهُمْ يَقِينًا، وَلَيْسَ ظَنًّا فِي شَكٍّ.
وَقَرَأَ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 20] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ فَأُضِيفَ الْمُلَاقُونَ إِلَى الرَّبِّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعْنَاهُ: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ؟ وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ، فَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ تَرْكُ الْإِضَافَةِ وَإِثْبَاتُ النُّونِ،
وَإِنَّمَا تَسْقُطُ
النُّونُ وَتُضِيفُ فِي الْأَسْمَاءِ الْمَبْنِيَّةِ مِنَ الْأَفْعَالِ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى فَعَلَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى يَفْعَلُ وَفَاعِلٌ، فَشَأْنُهَا إِثْبَاتُ النُّونِ، وَتَرْكُ الْإِضَافَةِ.
قِيلَ: لَا تَدَافُعَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ وَأَلْسُنِهَا فِي إِجَازَةِ إِضَافَةِ الِاسْمِ الْمَبْنِيِّ مِنْ فَعَلَ وَيَفْعَلُ، وَإِسْقَاطِ النُّونِ وَهُوَ بِمَعْنَى يَفْعَلُ وَفَاعِلٌ، أَعْنِي بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ وَحَالِ الْفِعْلِ وَلَمَّا يَنْقَضِ، فَلَا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ السَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ: لِمَ قِيلَ؟ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُضِيفَ وَأُسْقِطَتِ النُّونُ.
فَقَالَ نَحْوِيُّو الْبَصْرَةِ: أُسْقِطَتِ النُّونُ مِنْ: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46] وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي فِي لَفْظِ الْأَسْمَاءِ وَهِيَ فِي مَعْنَى يَفْعَلُ وَفِي مَعْنَى مَا لَمْ يَنْقَضِ اسْتِثْقَالًا لَهَا، وَهِيَ مُرَادَةٌ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185] وَكَمَا قَالَ: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: 27] وَلَمَّا يُرْسِلُهَا بَعْدُ؛ وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
هَلْ أَنْتَ بَاعِثُ دِينَارٍ لِحَاجَتِنَا ... أَوْ عَبْدَ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بْنِ مِخْرَاقِ
فَأَضَافَ بَاعِثًا إِلَى الدِّينَارِ، وَلَمَّا يُبْعَثْ، وَنَصَبَ عَبْدَ رَبٍّ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ دِينَارٍ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَإِنْ خُفِضَ وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر المنسرح]
الْحَافِظُو عَوْرَةِ الْعَشِيرَةِ لَا ... يَأْتِيهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ نَطَفُ
بِنَصْبِ الْعَوْرَةِ وَخَفْضِهَا.
فَالْخَفْضُ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَالنَّصْبُ عَلَى حَذْفِ النُّونِ اسْتِثْقَالًا، وَهِيَ مُرَادَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ.
وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: جَائِزٌ فِي ﴿مُلَاقُو﴾ [البقرة: 46] الْإِضَافَةُ، وَهِيَ فِي مَعْنَى يَلْقَوْنَ، وَإِسْقَاطُ النُّونِ مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي لَفْظِ الْأَسْمَاءِ، فَلَهُ فِي الْإِضَافَةِ إِلَى الْأَسْمَاءِ حَظٌّ الْأَسْمَاءِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ اسْمٍ لَهُ كَانَ نَظِيرًا.
قَالُوا: وَإِذَا أَثْبَتَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ النُّونَ وَتَرَكْتَ الْإِضَافَةَ، فَإِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ لِأَنَّ لَهُ مَعْنَى يَفْعَلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَجِبْ بَعْدُ.
قَالُوا: فَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلَفْظٍ، وَتَرْكُ الْإِضَافَةِ لِلْمَعْنَى.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَاسْتَعِينُوا عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِي بِالصَّبِرِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنَّ الصَّلَاةَ لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَائِفِينَ عِقَابِي، الْمُتَوَاضِعِينَ لِأَمْرِي، الْمُوقِنِينَ بِلِقَائِي وَالرُّجُوعِ إِلَيَّ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ.
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ كَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ غَيْرَ مُوقِنٍ بِمَعَادٍ وَلَا مُصَدِّقٍ بِمَرْجِعٍ وَلَا ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ، فَالصَّلَاةُ عِنْدَهُ عَنَاءٌ وَضَلَالٌ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجُو بِإِقَامَتِهَا إِدْرَاكَ نَفْعٍ وَلَا دَفْعَ ضَرٍّ، وَحَقٌّ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ صِفَتَهُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَبِيرَةً، وَإِقَامَتُهَا عَلَيْهِ ثَقِيلَةً، وَلَهُ فَادِحَةً.
وَإِنَّمَا خَفَّتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِلِقَاءِ اللَّهِ، الرَّاجِينَ عَلَيْهَا جَزِيلَ ثَوَابِهِ، الْخَائِفِينَ بِتَضْيِيعِهَا أَلِيمَ عِقَابِهِ، لِمَا يَرْجُونَ بِإِقَامَتِهَا فِي مَعَادِهِمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَهْلَهَا، وَلِمَا يَحْذَرُونَ بِتَضْيِيعِهَا مَا أَوْعَدَ مُضَيِّعَهَا.
فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَحْبَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ مُقِيمِيهَا الرَّاجِينَ ثَوَابَهَا إِذَا كَانُوا أَهْلَ يَقِينٍ بِأَنَّهُمْ إِلَى اللَّهِ رَاجِعُونَ وَإِيَّاهُ فِي الْقِيَامَةِ مُلَاقُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ [البقرة: 46] مِنْ ذِكْرِ الْخَاشِعِينِ، وَالْهَاءُ فِي إِلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46] فَتَأْوِيلُ الْكَلِمَةِ: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الْمُوقِنِينَ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ الرُّجُوعِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46] قَالَ: يَسْتَيْقِنُونَ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ بِمَوْتِهِمْ.
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28] فَأَخْبَرَ اللَّهُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مَرْجِعَهُمْ، إِلَيْهِ بَعْدَ نَشْرِهِمْ وَإِحْيَائِهِمْ مِنْ مَمَاتِهِمْ، وَذَلِكَ لَا شَكَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَظِيرُ تَأْوِيلِهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: 40] وَقَدْ ذَكَرْتُهُ
هُنَالِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا ذَكَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ آلَائِهِ وَنِعَمِهِ عِنْدَهُمْ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] أَنِّي فَضَّلْتُ أَسْلَافَكُمْ، فَنَسَبَ نِعَمَهُ عَلَى آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ إِلَى أَنَّهَا نِعَمٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانَتْ مَآثِرُ الْآبَاءِ
مَآثِرَ لِلْأَبْنَاءِ، وَالنِّعَمُ عِنْدَ الْآبَاءِ نِعَمًا عِنْدَ الْأَبْنَاءِ، لِكَوْنِ الْأَبْنَاءِ مِنَ الْآبَاءِ، وَأَخْرَجَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَوْلَهُ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] مَخْرَجَ الْعُمُومِ، وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ خُصُوصًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى عَالَمِ مَنْ كُنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ وَفِي زَمَانِهِ
كَالَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] قَالَ: فَضَّلَهُمْ عَلَى عَالِمِ ذَلِكَ الزَّمَانِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] قَالَ: بِمَا أُعْطُوا مِنَ الْمُلْكِ وَالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ عَلَى عَالِمِ مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَإِنَّ لِكُلِّ زَمَانٍ عَالِمًا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] قَالَ: عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ " وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ»
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] قَالَ: عَالَمِ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: 32] قَالَ: هَذِهِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمُ الْقِرَدَةُ وَهُمْ أَبْغَضُ خَلْقِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] قَالَ: هَذِهِ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ الَّذِي وَصَفْنَا
مَا حَدَّثَنِي بِهِ، يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَلَا إِنَّكُمْ وَفَّيْتُمْ سَبْعِينَ أُمَّةً» قَالَ يَعْقُوبُ فِي حَدِيثِهِ: «أَنْتُمْ آخِرُهَا» وَقَالَ الْحَسَنُ: «أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» فَقَدْ أَنْبَأَ هَذَا الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُونُوا مُفَضَّلِينَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: 16] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ تَأْوِيلِهِ.
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى بَيَانِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ
إِعَادَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: 48] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.
وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِيهُ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
قَدْ صَبَحَتْ صَبَّحَهَا السَّلَامُ ... بِكَبِدٍ خَالَطَهَا سَنَامُ
فِي سَاعَةٍ يُحَبُّهَا الطَّعَامُ
وَهُوَ يَعْنِي: يُحَبُّ فِيهَا الطَّعَامُ، فَحُذِفَتِ الْهَاءُ الرَّاجِعَةُ عَلَى الْيَوْمِ، إِذْ فِيهِ اجْتِزَاءٌ بِمَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: 48] الدَّالُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْهُ عَمَّا حُذِفَ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ.
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَّا الْهَاءَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ إِلَّا فِيهِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى جَوَازِ حَذْفِ كُلِّ مَا دَلَّ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] فَإِنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ عُقُوبَتَهُ أَنْ تَحِلَّ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، وَلَا يَجْزِي فِيهِ وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: 48] فَإِنَّهُ يَعْنِي: لَاتُغْنِي
كَمَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: 48] أَمَّا تَجْزِي: فَتُغْنِي " وَأَصْلُ الْجَزَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْقَضَاءُ وَالتَّعْوِيضُ يُقَالُ: جَزَيْتُهُ قَرْضَهُ وَدَيْنَهُ أَجْزِيهِ جَزَاءً، بِمَعْنَى: قَضَيْتُهُ دَيْنَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: جَزَى اللَّهُ فُلَانًا عَنِّي خَيْرًا أَوْ شَرًّا، بِمَعْنَى: أَثَابَهُ عَنِّي وَقَضَاهُ عَنِّي مَا لَزِمَنِي لَهُ بِفِعْلِهِ الَّذِي سَلَفَ مِنْهُ إِلَيَّ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ: يُقَالُ: أَجْزَيْتُ عَنْهُ كَذَا: إِذَا أَعَنْتُهُ عَلَيْهِ، وَجَزَيْتُ عَنْكَ فُلَانًا: إِذَا كَافَأْتُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ جَزَيْتُ عَنْكَ: قَضَيْتُ عَنْكَ، وَأَجْزَيْتُ: كَفَيْتُ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ هُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، يُقَالُ: جَزَتْ عَنْكَ شَاةٌ وَأَجْزَتْ، وَجَزَى عَنْكَ دِرْهَمٌ وَأَجْزَى، وَلَا تَجْزِي عَنْكَ شَاةٌ وَلَا تَجْزِي بِمَعْنَى وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ جَزَتْ عَنْكَ وَلَا تَجْزِي عَنْكَ مِنْ لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَنَّ أَجْزَأَ وَتُجْزِئُ مِنْ لُغَةِ غَيْرِهِمْ.
وَزَعَمُوا أَنَّ تَمِيمًا خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ تَقُولُ: أَجْزَأَتْ عَنْكَ شَاةٌ، وَهِيَ تُجْزِئُ عَنْكَ.
وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّ جُزِيَ بِلَا هَمْزٍ: قَضَى، وَأَجْزَأَ بِالْهَمْزِ: كَافَأَ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنًى.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى: لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ، وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنًى؟ قِيلَ: هُوَ أَنَّ أَحَدَنَا الْيَوْمَ رُبَّمَا قَضَى عَنْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ ذِي الصَّدَاقَةِ وَالْقَرَابَةِ دَيْنَهُ؛ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ فِيمَا أَتَتْنَا بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْهَا يَسُرُّ الرَّجُلَ أَنْ يَبْرُدَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ، وَذَلِكَ أَنَّ قَضَاءَ الْحُقُوقِ فِي الْقِيَامَةِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ
كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَنَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدُّولَابِيِّ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: «أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ، فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ»
حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنَّمَا يَقْتَسِمُونَ هُنَالِكَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ: حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ قَآدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ هَاشِمُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] يَعْنِي أَنَّهَا
لَا تَقْضِي عَنْهَا شَيْئًا لَزِمَهَا لِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَالِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ عَلَى مَا وَصَفْنَا.
وَكَيْفَ يَقْضِي عَنْ غَيْرِهِ مَا لَزِمَهُ مَنْ كَانَ يَسُرُّهُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ، فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ وَلَا يَتَجَافَى لَهُ عَنْهُ؟ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] لَا تَجْزِي مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مَكَانَهَا.
وَهَذَا قَوْلٌ يَشْهَدُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ عَلَى فَسَادِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: مَا أَغْنَيْتَ عَنِّي شَيْئًا، بِمَعْنَى: مَا أَغْنَيْتَ مِنِّي أَنْ تَكُونَ مَكَانِي، بَلْ إِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يَجْزِي مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا: لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا شَيْئًا.
فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ لَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: 48] كَمَا يُقَالُ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ مِنْ نَفْسٍ، وَلَمْ يَقُلْ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا: وَفِي صِحَّةِ التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 48] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالشَّفَاعَةُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ: شَفَعَ لِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ شَفَاعَةً، وَهُوَ طَلَبُهُ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشَّفِيعِ شَفِيعٌ وَشَافِعٌ لِأَنَّهُ ثَنَّى الْمُسْتَشْفَعُ بِهِ فَصَارَ لَهُ شَفْعًا، فَكَانَ ذُو الْحَاجَةِ قَبْلَ اسْتِشْفَاعِهِ بِهِ فِي حَاجَتِهِ
فَرْدًا،
فَصَارَ صَاحِبُهُ لَهُ فِيهَا شَافِعًا، وَطَلَبُهُ فِيهِ وَفِي حَاجَتِهِ شَفَاعَةً؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّفِيعُ فِي الدَّارِ وَفِي الْأَرْضِ شَفِيعًا لِمَصِيرِ الْبَائِعِ بِهِ شَفْعًا.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ حَقًّا لَزِمَهَا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهَا شَفَاعَةَ شَافِعٍ، فَيَتْرُكُ لَهَا مَا لَزِمَهَا مِنْ حَقٍّ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَاطَبَ أَهْلَ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ فِيهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَوْلَادُ أَنْبِيَائِهِ، وَسَيَشْفَعُ لَنَا عِنْدَهُ آبَاؤُنَا.
فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ نَفْسًا لَا تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا فِي الْقِيَامَةِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةُ أَحَدٍ فِيهَا حَتَّى يُسْتَوْفَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ مِنْهَا حَقُّهُ
كَمَا حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ مُزَاحِمٍ رَجُلٍ مِنْ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِنَ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47] الْآيَةُ " فَآيَسَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ مِمَّا كَانُوا أَطْمَعُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِمَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ بِشَفَاعَةِ آبَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ نَافِعِهِمْ عِنْدَهُ إِلَّا التَّوْبَةُ إِلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَالْإِنَابَةُ مِنْ ضَلَالِهِمْ، وَجَعَلَ مَا سَنَّ فِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِمَامًا لِكُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِهِمْ لِئَلَّا يَطْمَعُ ذُو إِلْحَادٍ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهَا عَامًّا فِي التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا خَاصٌّ فِي التَّأْوِيلِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» وَأَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً، وَإِنِّي خَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ يَصْفَحُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ عُقُوبَةِ إِجْرَامِهِمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 48] إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ غَيْرَ تَائِبٍ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاضِعِ الْإِطَالَةِ فِي الْقَوْلِ فِي الشَّفَاعَةِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَنَسْتَقْصِي الْحِجَاجَ فِي ذَلِكَ، وَسَنَأْتِي عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فِي مَوَاضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى