وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 76] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَلَمَّا غَابَ وَذَهَبَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
شِرْكَ فِيهِ، فَوَفَّقْنَاهُمْ لَهُ.
﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ [الأنعام: 87] يَقُولُ: وَاخْتَرْنَاهُمْ لِدِينِنَا وَبَلَاغِ رِسَالَتِنَا إِلَى مَنْ أَرْسَلْنَاهُمْ إِلَيْهِ، كَالَّذِي اخْتَرْنَا مِمَّنْ سَمَّيْنَا، يُقَالُ مِنْهُ: اجْتَبَىَ فُلَانٌ لِنَفْسِهِ كَذَا: إِذَا اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ، يَجْتَبِيهِ اجْتِبَاءً.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ [الأنعام: 87] قَالَ: «أَخْلَصْنَاهُمْ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 87] يَقُولُ: وَسَدَّدْنَاهُمْ فَأَرْشَدْنَاهُمْ إِلَى طَرِيقٍ غَيْرِ مِعْوَجٍّ، وَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ رَبُّنَا لِأَنْبِيَائِهِ، وَأَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: 88] : هَذَا الْهُدَى الَّذِي هَدَيْتُ بِهِ مَنْ سَمَّيْتُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فَوَفَّقْتُهُمْ بِهِ لِإِصَابَةِ الدِّينِ الْحَقِّ، الَّذِي نَالُوا بِإِصَابَتِهِمْ إِيَّاهُ رِضَا
رَبِّهِمْ وَشَرَفَ الدُّنْيَا وَكَرَامَةَ الْآخِرَةِ، هُوَ هُدَى اللَّهِ، يَقُولُ: هُوَ تَوْفِيقُ اللَّهِ وَلُطْفِهِ، الَّذِي يُوَفِّقُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيُلَطِّفُ بِهِ لِمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ، حَتَّى يُنِيبَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لَهُ وَإِقْرَارِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَرَفْضِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ
﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88] يَقُولُ: وَلَوْ أَشْرَكَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ بِرَبِّهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَعَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 88] يَقُولُ: لَبَطَلَ فَذَهَبَ عَنْهُمْ أَجْرُ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ عَمَلًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: 5] : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ نُوحًا وَذُرِّيَّتَهُ الَّذِينَ هَدَاهُمْ لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَاخْتَارَهُمْ لِرِسَالَتِهِ إِلَى
خَلْقِهِ، هُمُ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 121] ، يَعْنِي بِذَلِكَ: صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَزَبُورَ دَاوُدَ، وَإِنْجِيلَ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
﴿وَالْحُكْمَ﴾ [آل عمران: 79] يَعْنِي: الْفَهْمَ بِالْكِتَابِ وَمَعْرِفَةَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا أَبَانُ، قَالَ: ثنا مَالِكُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: 89] قَالَ: " الْحُكْمَ: هُوَ اللُّبُّ " وَعَنَى بِذَلِكَ مُجَاهِدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا قُلْتُ، لِأَنَّ اللُّبَّ هُوَ الْعَقْلُ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ: أَنَّ اللَّهَ آتَاهُمُ الْعَقْلَ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا أَنَّهُ الْفَهْمُ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَالْحُكْمِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِمَا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنْ يُكْفَرْ يَا مُحَمَّدُ بِآيَاتِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْكَ، فَيَجْحَدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمْ
كَالَّذِي حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] يَقُولُ: «إِنْ يَكْفُرُوا بِالْقُرْآنِ» ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِهَؤُلَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] : الْأَنْصَارُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ، قَالَ: ثنا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] ، قَالَ: «أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] قَالَ: الْأَنْصَارُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] قَالَ: «إِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ الْأَنْصَارَ، لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] يَقُولُ: «إِنْ يَكْفُرْ بِهَا قُرَيْشٌ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا الْأَنْصَارَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] : " أَهْلُ مَكَّةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] : أَهْلُ الْمَدِينَةِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] ، قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدْ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ جَحَدَ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] قَالَ عَطِيَّةُ: وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ.
يَقُولُ: إِنْ يَكْفُرُوا بِالْقُرْآنِ ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] ، يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَالْأَنْصَارَ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا الْمَلَائِكَةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] قَالَ: «هُمُ الْمَلَائِكَةُ» حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] يَعْنِي قُرَيْشًا، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام: 89] الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ فِي الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] : وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] قَالَ: يَعْنِي قَوْمَ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] يَعْنِي: النَّبِيِّينَ الَّذِينَ قَصَّ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ قَصَصَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] كُفَّارَ قُرَيْشٍ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] يَعْنِي بِهِ: الْأَنْبِيَاءَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ،
وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ فِي الْآيَاتِ قَبْلَهَا عَنْهُمْ مَضَى، وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا عَنْهُمْ ذِكْرٌ، فَمَا بَيْنَهَا بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِمْ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: فَإِنْ يَكْفُرْ قَوْمُكَ مِنْ قُرَيْشٍ يَا مُحَمَّدُ بِآيَاتِنَا، وَكَذَّبُوا وَجَحَدُوا حَقِيقَتَهَا، فَقَدِ اسْتَحْفَظْنَاهَا وَاسْتَرْعَيْنَا الْقِيَامَ بِهَا رُسُلَنَا وَأَنْبِيَاءَنَا مِنْ قَبْلِكَ الَّذِينَ لَا يَجْحَدُونَ حَقِيقَتَهَا وَلَا يُكَذِّبُونَ بِهَا، وَلَكِنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ بِهَا وَيُؤْمِنُونَ بِصِحَّتِهَا.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام: 89] : رَزَقْنَاهَا قَوْمًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: 5] هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ وَكَّلْنَا بِآيَاتِنَا وَلَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ، هُمُ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ لِدِينِهِ الْحَقِّ، وَحَفِظَ مَا وَكِّلُوا بِحِفْظِهِ مِنْ آيَاتِ كِتَابِهِ،
وَالْقِيَامِ بِحُدُودِهِ، وَاتِّبَاعِ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا فِيهِ مِنْ نَهْيِهِ، فَوَفَّقَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِذَلِكَ.
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَبِالْعَمَلِ الَّذِي عَمِلُوا، وَالْمِنْهَاجِ الَّذِي سَلَكُوا، وَبِالْهُدَى الَّذِي هَدَيْنَاهُمْ، وَالتَّوْفِيقِ الَّذِي وَفَّقْنَاهُمْ، اقْتَدِهْ يَا مُحَمَّدُ: أَيْ فَاعْمَلْ وَخُذْ بِهِ وَاسْلُكْهُ، فَإِنَّهُ عَمَلٌ لِلَّهِ فِيهِ رِضًا، وَمِنْهَاجٌ مَنْ سَلَكَهُ اهْتَدَى.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] أَنَّهُمُ الْأَنْبِيَاءُ الْمُسَمَّوْنَ فِي الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِهَا هُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، أَوْ أَنَّهُمْ هُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] اعْتِرَاضًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، ثُمَّ رَدُّوا قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: 89]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: 84] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] يَا مُحَمَّدُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: 90] يَا مُحَمَّدُ، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] ، وَلَا تَقْتَدِ بِهَؤُلَاءِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثني أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " ثُمَّ قَالَ فِي الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] وَمَعْنَى الِاقْتِدَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِالرَّجُلِ: اتِّبَاعُ أَثَرِهِ وَالْأَخْذِ بِهَدْيهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَقْدُو فُلَانًا، إِذَا نَحَا نَحْوَهُ وَاتَّبَعَ أَثَرَهُ، قِدَةً وَقُدْوَةً وَقِدْوَةً وَقِدْيَةً
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ أَنْ تُذَكِّرَهُمْ بِآيَاتِي أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى تَذْكِيرِي إِيَّاكُمْ، وَالْهُدَى الَّذِي أَدْعُوكُمْ
إِلَيْهِ، وَالْقُرْآنِ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ، عِوَضًا أَعْتَاضُهُ مِنْكُمْ عَلَيْهِ، وَأَجْرًا آخُذُهُ مِنْكُمْ، وَمَا ذَلِكَ مِنِّي إِلَّا تَذْكِيرٌ لَكُمْ وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ مِثْلَكُمْ مِمَّنْ هُوَ مُقِيمٌ عَلَى بَاطِلٍ، بَأْسَ اللَّهِ أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ، وَسَخَطَهُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ عَلَى شِرْكِكُمْ بِهِ وَكُفْرِكُمْ، وَإِنْذَارٌ لِجَمِيعِكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، لِتَذَّكَّرُوا وَتَنْزَجِرُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91] يَقُولُ تَعَالَى
ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91] : وَمَا أَجَلُّوا اللَّهَ حَقَّ إِجْلَالِهِ، وَلَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ.
﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] يَقُولُ: حِينَ قَالُوا: لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ عَلَى آدَمَيٍّ كِتَابًا وَلَا وَحْيًا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ اسْمُهُ مَالِكَ بْنَ الصَّيْفِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ اسْمُهُ فَنْحَاصَ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ ذَلِكَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ مَالِكَ بْنَ الصَّيْفِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ
بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ يُخَاصِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ؟» وَكَانَ حَبْرًا سَمِينًا، فَغَضِبَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ: وَيْحَكَ، وَلَا مُوسَى؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: 91] الْآيَةَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] قَالَ: نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، كَانَ مِنْ قُرَيْظَةَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91] الْآيَةَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ الْيَهُودِيِّ
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] قَالَ: قَالَ فِنْحَاصُ الْيَهُودِيُّ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ شَيْءٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَاتٍ مِثْلَ آيَاتِ مُوسَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا يُونُسُ، قَالَ: ثنا أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: " جَاءَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْتَبٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا تَأْتِينَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى أَلْوَاحًا يَحْمِلُهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: 153] الْآيَةَ، فَجَثَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَقَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَا عَلَى مُوسَى، وَلَا عَلَى عِيسَى، وَلَا عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: مَا عَلِمُوا كَيْفَ اللَّهُ ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾ [الأنعام: 91] ، فَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبْوَتَهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: «وَلَا عَلَى أَحَدٍ؟»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91] : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَوْمٌ آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، وَلَمْ يَأْخُذُوا بِهِ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَكْثَرِ مَا أَنَا مُخَاصَمٌ بِهِ غَدًا أَنْ يُقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] يَعْنِي: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ، أَنَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتَابًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ﴾ [الأنعام: 91] يَا مُحَمَّدُ ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91] قَالَ: «اللَّهُ أَنْزَلَهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: إِنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] ، قَالَهَا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: 91] ، قَالَ: هُمْ يَهُودُ الَّذِينَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91] ، قَالَ: هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91] قَالَ: «هُمُ الْكُفَّارُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ آمَنَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَقَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدُرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91] يَقُولُ: «مُشْرِكُو قُرَيْشٍ» وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91] مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ أَوَّلًا، فَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا خَبَرًا عَنْهُمْ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ، وَلَمَّا يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ يَكُونُ هَذَا بِهِ مُتَّصِلًا، مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ إِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا تَدِينُ بِهِ الْيَهُودُ، بَلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ الْإِقْرَارُ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَزَبُورِ دَاوُدَ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِمَا رُوِيَ مِنَ الْخَبَرِ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَانَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ خَبَرٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلُ السِّنْدِ، وَلَا كَانَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ إِجْمَاعٌ، وَكَانَ الْخَبَرُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ وَمُبْتَدَئِهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، خَبَرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَكَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91] مَوْصُولًا بِذَلِكَ غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْهُ، لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنَّ نَدَّعِيَ أَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ عَمَّا هُوَ بِهِ مَوْصُولٌ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ، وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ تَأَوَّلُوا ذَلِكَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ وَجَدُوا قَوْلَهُ: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91] ، فَوَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ، فَقَرَءُوهُ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لَهُمْ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91] ، فَجَعَلُوا ابْتِدَاءَ الْآيَةِ خَبَرًا عَنْهُمْ، إِذْ كَانَتْ خَاتِمَتُهَا خِطَابًا لَهُمْ عِنْدَهُمْ.
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالْقِرَاءَةِ أَشْبَهُ بِالتَّنْزِيلِ لِمَا وَصَفْتُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91] فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُوَ بِهِ مُتَّصِلٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْهُمْ.
وَالْأَصْوَبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) أَنْ يَكُونَ بِالْيَاءِ لَا بِالتَّاءِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْيَهُودَ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا، وَيَكُونُ الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: 91] لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ مُجَاهِدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ