تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 512-523

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

صفحات 512-523
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَا حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118] قَالَ: «يَأْمُرُ بِذِكْرِ اسْمِهِ عَلَى الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَالذَّبْحِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى ذِكْرِهِ يَأْمُرُ بِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَلَّ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ [الأنعام: 119] ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي

الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي أَنْ لَا تَأْكُلُوا؟ قَالَ: وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: 246] ، يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ لَنَا فِي تَرْكِ الْقِتَالِ؟ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لَا زَائِدَةً لَا يَقَعُ الْفِعْلُ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مَعْنَى: وَمَا لَنَا وَكَذَا، لَكَانَتْ: وَمَا لَنَا وَأَنْ لَا نُقَاتِلَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا دَخَلَتْ لَا لِلْمَنْعِ، لِأَنَّ تَأْوِيلَ (مَا لَكَ) ، و (مَا مَنَعَكَ) وَاحِدٌ، مَا مَنَعَكَ لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَمَا لَكَ لَا تَفْعَلُ، وَاحِدٌ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ (لَا) . قَالَ: وَهَذَا الْمَوْضِعُ تَكُونُ فِيهِ (لَا) وَتَكُونُ فِيهِ (أَنْ) ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] ، وَ (أَنْ لَا تَضِلُّوا) : يَمْنَعُكُمْ مِنَ الضَّلَالِ بِالْبَيَانِ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ [البقرة: 107] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَقَدَّمَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ بِتَحْلِيلِ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِبَاحَةِ أَكْلِ مَا

ذُبِحَ بِدِينِهِ أَوْ دِينِ مَنْ كَانَ يَدِينُ بِبَعْضِ شَرَائِعِ كُتُبِهِ الْمَعْرُوفَةِ، وَتَحْرِيمِ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَزَجَرَهُمْ عَنِ الْإِصْغَاءِ لِمَا يُوحِي الشَّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنْ زُخْرُفِ الْقَوْلِ فِي الْمَيْتَةِ، وَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَسَائِرِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ.
ثُمَّ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَكْلِ مَا ذُبِحَ بِدِينِي الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ، وَقَدْ فَصَّلْتُ لَكُمُ الْحَلَالَ مِنَ الْحَرَامِ فِيمَا تَطْعَمُونَ، وَبَيَّنْتُهُ لَكُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] فَلَا لَبْسَ عَلَيْكُمْ فِي حَرَامِ ذَلِكَ مِنْ حَلَالِهِ، فَتَمْتَنِعُوا مِنْ أَكْلِ حَلَالِهِ حَذَرًا مِنْ مُوَاقَعَةِ حَرَامِهِ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مُتَأَوِّلِي ذَلِكَ: وَأَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي أَنْ لَا تَأْكُلُوا، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُقَالُ كَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ كَفَّ عَنْ أَكْلِهِ رَجَاءَ ثَوَابٍ بِالْكَفِّ عَنْ أَكْلِهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ مِمَّنْ آمَنَ بِالْكَفِّ فَكَفَّ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَتَسْلِيمًا لِحُكْمِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَفَّ عَنْ أَكْلِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الذَّبَائِحِ رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ عَلَى تَرْكِهِ ذَلِكَ، وَاعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ عَلَيْهِ.
فَبَيَّنٌ بِذَلِكَ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا أَنَّ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا قُلْنَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَصَّلَ) ، وَ (فَصَّلْنَا) وَ (فُصِّلَ) : بَيَّنَ، أَوْ بُيِّنَ، بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 119] يَقُولُ: «قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، مِثْلَهُ

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 119] ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ أَوَّلِ الْحَرْفَيْنِ مِنْ (فَصَّلَ) وَ (حَرَّمَ) : أَيْ فَصَّلَ مَا حَرَّمَهُ مِنْ مَطَاعِمِكُمْ، فَبَيَّنَهُ لَكُمْ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: وَقَدْ فَصَلِّ بِفَتْحِ فَاءِ فَصَّلَ وَتَشْدِيدِ صَادِهِ، (مَا حُرِّمَ) بِضَمِّ حَائِهِ وَتَشْدِيدِ رَائِهِ، بِمَعْنَى: وَقَدْ فَصَّلَ اللَّهُ لَكُمُ الْمُحَرَّمَ عَلَيْكُمْ مِنْ مَطَاعِمِكُمْ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: (وَقَدْ فُصِّلَ لَكُمْ) بِضَمِّ فَائِهِ وَتَشْدِيدِ صَادِهِ، (مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) بِضَمِّ حَائِهِ وَتَشْدِيدِ رَائِهِ، عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (وَقَدْ فَصَلَ) بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، بِمَعْنَى: وَقَدْ أَتَاكُمْ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، سِوَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ عَطِيَّةَ، قِرَاءَاتٌ مَعْرُوفَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ الْقِرَاءَةُ بِهَا فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، وَهُنَّ مُتَّفِقَاتُ الْمَعَانِي غَيْرُ مُخْتَلِفَاتٍ، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ فِيهِ الصَّوَابَ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119] فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَنَّ مَا اضْطُرِرْنَا

إِلَيْهِ مِنَ الْمَطَاعِمِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي بُيِّنَ تَحْرِيمُهَا لَنَا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ لَنَا حَلَالٌ مَا كُنَّا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ، حَتَّى تَزُولَ الضَّرُورَةُ

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119] «مِنَ الْمَيْتَةِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا﴾ [المائدة: 49] مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَكُمْ فِي أَكْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مِنَ الْمَيْتَةِ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ [الأنعام: 119] أَتْبَاعَهُمْ ﴿بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 119] مِنْهُمْ بِصِحَّةِ مَا يَقُولُونَ، وَلَا

بُرْهَانَ عِنْدَهُمْ بِمَا فِيهِ يُجَادِلُونَ، إِلَّا رُكُوبًا مِنْهُمْ لِأَهْوَائِهِمْ، وَاتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِدَوَاعِي نُفُوسِهِمْ، اعْتِدَاءً وَخِلَافًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَطَاعَةً لِلشَّيَاطِينِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119] يَقُولُ: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِي أَحَلَّ لَكَ مَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ عَلَيْكَ مَا حَرَّمَ، هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اعْتَدَى حُدُودَهُ فَتَجَاوَزَهَا إِلَى خِلَافِهَا، وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ [الأنعام: 119] ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: لَيُضِلُّونَ بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُضِلُّونَ غَيْرَهُمْ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ وَالْحِجَازِيِّينَ: (لَيَضِلُّونَ) بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنِ الْحَقِّ فَيَجُورُونَ عَنْهُ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 119] بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُضِلُّونَ غَيْرَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عَنْ إِضْلَالِهِمْ مَنْ تَبِعَهُمْ، وَنَهَاهُ عَنْ طَاعَتِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمْ إِلَى مَا يَدْعُونَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116] ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ عَنْهُمْ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْهُمْ، وَنَهَاهُمْ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِمْ عَنْ مِثْلِ الَّذِي نَهَاهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا﴾ [المائدة: 49] مِنْهُمْ ﴿لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 119] ، نَظِيرُ الَّذِي قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 120] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَدَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَانِيَةَ الْإِثْمِ، وَذَلِكَ ظَاهِرُهُ، وَسِرَّهُ، وَذَلِكَ بَاطِنُهُ

كَذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] : «أَيْ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَسِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] قَالَ: «سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] يَقُولُ: «سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ» ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151] ، قَالَ: «سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] قَالَ: «نَهَى اللَّهُ عَنْ ظَاهِرِ الْإِثْمِ وَبَاطِنِهِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ سِرًّا، أَوْ عَلَانِيَةً، وَذَلِكَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] : «مَعْصِيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] قَالَ: «هُوَ مَا يَنْوِي مِمَّا هُوَ عَامِلٌ» ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالظَّاهِرِ مِنَ الْإِثْمِ وَالْبَاطِنِ مِنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الظَّاهِرُ مِنْهُ: مَا حَرَّمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] ، قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الْآيَةَ، وَالْبَاطِنُ مِنْهُ الزِّنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] قَالَ: الظَّاهِرُ مِنْهُ: ﴿لَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22] ، وَالْأُمُّهَاتِ، وَالْبَنَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ.
وَالْبَاطِنُ: الزِّنَا وَقَالَ آخَرُونَ: الظَّاهِرُ: أُولَاتِ الرَّايَاتِ مِنَ الزَّوَانِي، وَالْبَاطِنُ: ذَوَاتُ الْأَخْدَانِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] " أَمَا ظَاهِرُهُ: فَالزَّوَانِي فِي الْحَوَانِيتِ.
وَأَمَّا بَاطِنُهُ: فَالصَّدِيقَةُ يَتَّخِذُهَا الرَّجُلُ فَيَأْتِيهَا سِرًّا "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثني عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151] ، " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَسِرُّونَ بِالزِّنَا، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ حَلَالًا مَا كَانَ سِرًّا، فَحَرَّمَ اللَّهُ السِّرَّ مِنْهُ وَالْعَلَانِيَةَ.
مَا ظَهَرَ مِنْهَا: يَعْنِي الْعَلَانِيَةَ، وَمَا بَطَنَ: يَعْنِي السِّرَّ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي مَكِينٍ، وَأَبِيهِ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151] قَالَ: " مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَتَزْوِيجِ الرَّجُلِ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ.
وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا " وَقَالَ آخَرُونَ: الظَّاهِرُ: التَّعَرِّي وَالتَّجَرُّدِ مِنَ الثِّيَابِ وَمَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فِي الطَّوَافِ، وَالْبَاطِنُ: الزِّنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَلَا

تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] ، قَالَ: " ظَاهِرُهُ الْعُرْيَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهَا حِينَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَبَاطِنُهُ: الزِّنَا وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَقَدَّمَ إِلَى خَلْقِهِ بِتَرْكِ ظَاهِرِ الْإِثْمِ وَبَاطِنِهِ وَذَلِكَ سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ، وَالْإِثْمُ: كُلُّ مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَحَارِمِهِ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ سِرُّ الزِّنَا وَعَلَانِيَتُهُ، وَمُعَاهَرَةُ أَهْلِ الرَّايَاتِ وَأُولَاتِ الْأَخْدَانِ مِنْهُنَّ، وَنِكَاحُ حَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ ظَهَرَتْ أَوْ بَطَنَتْ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ إِثْمًا، وَكَانَ اللَّهُ عَمَّ بَقَوْلِهِ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] جَمِيعَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْإِثْمِ وَجَمِيعَ مَا بَطَنَ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ إِلَّا بِحُجَّةٍ لِلْعُذْرِ قَاطِعَةً.
غَيْرَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُوَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى الْخُصُوصِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، كَانَ تَوْجِيهُهُ إِلَى أَنَّهُ عُنِيَ بِظَاهِرِ الْإِثْمِ وَبَاطِنِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَآكِلِ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، أَوْلَى، إِذْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْآيَاتِ قَبْلَهَا بِذِكْرِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ جَرَى وَهَذِهِ فِي سِيَاقِهَا، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهَا ذَلِكَ، وَأَدْخَلَ فِيهَا الْأَمْرَ بِاجْتِنَابِ كُلِّ مَا جَانَسَهُ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، فَخَرَجَ الْأَمْرُ عَامًّا بِالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مَا ظَهَرَ أَوْ بَطَنَ مِنَ الْإِثْمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 120] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، وَيَرْكَبُونَ مَعَاصِيَ اللَّهِ،

وَيَأْتُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ [الأنعام: 120] يَقُولُ: سَيُثِيبُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ مِنْ مَعَاصِيهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] : لَا تَأْكُلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِمَّا مَاتَ فَلَمْ تَذْبَحُوهُ أَنْتُمْ

أَوْ يَذْبَحُهُ مُوَحِّدٌ يَدِينُ لِلَّهِ بِشَرَائِعَ شَرَعَهَا لَهُ فِي كِتَابٍ مُنَزَّلٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، وَلَا مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا ذَبَحَهُ الْمُشْرِكُونَ لِأَوْثَانِهِمْ، فَإِنَّ أَكْلَ ذَلِكَ فِسْقٌ، يَعْنِي: مَعْصِيَةُ كُفْرٍ.
فَكَنَّى بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّهُ) عَنِ (الْأَكْلِ) ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفِعْلَ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: 173] ، يُرَادُ بِهِ: فَزَادَ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ إِيمَانًا، فَكَنَّى عَنِ الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُهُ بِفِعْلٍ.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] ، اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ: شَيَاطِينَ فَارِسَ، وَمَنْ عَلَى دِينِهِمْ مِنَ 0 الْمَجُوسِ 0 ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] مِنْ مَرَدَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، يُوحُونَ إِلَيْهِمْ زُخْرُفَ الْقَوْلِ بِجِدَالِ نَبِيِّ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقِنْبَارِيُّ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ قَالَ: أَوْحَتْ فَارِسُ إِلَى أَوْلِيَائِهَا مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ خَاصِمُوا مُحَمَّدًا وَكَانَتْ

أَوْلِيَاءَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقُولُوا لَهُ: إِنَّ مَا ذَبَحْتَ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا ذَبَحَ اللَّهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِشِمْشَارٍ مِنْ ذَهَبٍ فَهُوَ حَرَامٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: الشَّيَاطِينُ: فَارِسُ، وَأَوْلِيَاؤُهُمْ: قُرَيْشٌ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، " أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَاتَبُوا فَارِسَ عَلَى الرُّومِ، وَكَاتَبَتْهُمْ فَارِسُ، وَكَتَبَتْ فَارِسُ إِلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ، فَمَا ذَبَحَ اللَّهُ بِسِكِّينٍ مِنْ ذَهَبٍ فَلَا يَأْكُلُهُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ لِلْمَيْتَةِ، وَأَمَّا مَا ذَبَحُوا هُمْ يَأْكُلُونَ.
وَكَتَبَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَوَقَعَ فِي أَنْفُسِ نَاسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ [الأنعام: 121] الْآيَةَ، وَنَزَلَتْ: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112] وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عُنِيَ بِالشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يَغُرُّونَ بَنِي آدَمَ أَنَّهُمْ أَوْحَوْا إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " كَانَ مِمَّا أَوْحَى الشَّيَاطِينُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ: كَيْفَ تَعْبُدُونَ شَيْئًا لَا

تَأْكُلُونَ مِمَّا قَتَلَ، وَتَأْكُلُونَ أَنْتُمْ مَا قَتَلْتُمْ؟ فَرُوِيَ الْحَدِيثُ حَتَّى بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: «إِبْلِيسُ الَّذِي يُوحِي إِلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «شَيَاطِينُ الْجِنِّ يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، يُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يُوحُونَ إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ يَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: مَا الَّذِي يَمُوتُ وَمَا الَّذِي تَذْبَحُونَ إِلَّا سَوَاءٌ، يَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يُخَاصِمُوا بِذَلِكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ: أَمَّا مَا ذَبَحَ اللَّهُ لِلْمَيْتَةِ فَلَا تَأْكُلُونَ، وَأَمَّا مَا ذَبَحْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَحَلَالٌ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " أَنَّ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: مَا قَتَلَ رَبُّكُمْ فَلَا تَأْكُلُونَ، وَمَا قَتَلْتُمْ أَنْتُمْ تَأْكُلُونَهُ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ أَمَرَ الشَّيْطَانُ أَوْلِيَاءَهُ فَقَالَ لَهُمْ: مَا قَتَلَ اللَّهُ لَكُمْ خَيْرٌ مِمَّا تَذْبَحُونَ أَنْتُمْ بِسَكَاكِينِكُمْ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " جَادَلَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: مَا بَالُ مَا قَتَلَ اللَّهُ لَا تَأْكُلُونَهُ، وَمَا قَتَلْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ، وَأَنْتُمْ تَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] يَقُولُونَ: " مَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ فَكُلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ نَاسًا، مِنَ الْمُشْرِكِينَ دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّاةِ إِذَا مَاتَتْ مَنْ قَتَلَهَا؟ فَقَالَ: «اللَّهُ قَتَلَهَا» ، قَالُوا: فَتَزْعُمُ أَنَّ مَا قَتَلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ حَلَالٌ، وَمَا قَتَلَهُ اللَّهُ حَرَامٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّ نَاسًا، مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: أَمَّا مَا قَتَلَ الصَّقْرُ وَالْكَلْبُ فَتَأْكُلُونَهُ، وَأَمَّا مَا قَتَلَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَهُ؟ ‍‍‍

جارٍ التحميل