سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَدَنِيَّةٌ وَآيَاتُهَا ثَمَانٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: 1] لَقِيَامِ السَّاعَةِ ﴿زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1] فَرُجِّتْ رَجًّا؛ وَالزِّلْزَالُ: مَصْدَرٌ إِذَا كَسَرْتَ الزَّايَ، وَإِذَا فُتِحَتْ كَانَ اسْمًا؛ وَأُضِيفَ الزِّلْزَالُ إِلَى الْأَرْضِ وَهُوَ صِفَتُهَا، كَمَا يُقَالُ: لَأُكْرِمَنَّكَ كَرَامَتَكَ، بِمَعْنَى: لَأُكْرِمَنَّكَ كَرَامَةً.
وَحَسُنَ ذَلِكَ فِي ﴿زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1] لِمُوَافَقَتِهَا رُءُوسَ الْآيَاتِ الَّتِي بَعْدَهَا
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ عَلَى عَهْدِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ: مَا لَكِ؟ أَمَا إِنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ قَامَتِ السَّاعَةُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] يَقُولُ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: 2] مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْمَوْتَى أَحْيَاءً، وَالْمَيِّتُ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ ثُقْلٌ لَهَا، وَهُوَ فَوْقَ ظَهْرِهَا حَيًّا ثُقْلٌ عَلَيْهَا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] قَالَ: «الْمَوْتَى»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] قَالَ: «يَعْنِي الْمَوْتَى»
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبَى نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] «مَنْ فِي الْقُبُورِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ النَّاسُ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: 1] لَقِيَامِ السَّاعَةِ: مَا لِلْأَرْضِ وَمَا قِصَّتُهَا ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4] . كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنِي ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 3] قَالَ: «الْكَافِرُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4] يَقُولُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ﴾ [الزلزلة: 4] الْأَرْضُ ﴿أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4] .
وَتَحْدِيثُهَا أَخْبَارَهَا، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنْ تَتَكَلَّمَ فَتَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَأَوْحَى إِلَيَّ بِهِ، وَأَذِنَ لِي فِيهِ وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ مَرَّةً: (يَوْمَئِذٍ تُنَبِّئُ أَخْبَارَهَا) وَمَرَّةً: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4] فَكَأَنَّ مَعْنَى تُحَدِّثُ كَانَ عِنْدَ سَعِيدٍ: تُنَبِّئُ، وَتَنْبِيئُهَا أَخْبَارَهَا: إِخْرَاجُهَا أَثْقَالَهَا مِنْ بَطْنِهَا إِلَى ظَهْرِهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ عِنْدِي صَحِيحُ الْمَعْنَى، وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى: يَوْمَئِذٍ تُبَيِّنُ الْأَرْضُ أَخْبَارَهَا بِالزَّلْزَلَةِ وَالرَّجَّةِ، وَإِخْرَاجِ الْمَوْتَى مِنْ بُطُونِهَا إِلَى ظُهُورِهَا، بِوَحْيِ اللَّهِ إِلَيْهَا، وَإِذْنِهِ لَهَا بِذَلِكَ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5]
قَالَ: «أَمَرَهَا، فَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ»
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] قَالَ: «أَمَرَهَا» وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: «يَوْمَئِذٍ تُنَبِّئُ أَخْبَارَهَا» وَقِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا مَنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ وَالْمَعَاصِي، وَمَا عَمِلُوا عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4] قَالَ: " مَا عَمِلَ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا، قَالَ: أَعْلَمَهَا ذَلِكَ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4] قَالَ: «مَا كَانَ فِيهَا، وَعَلَى ظَهْرِهَا مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4] قَالَ: " تُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا عَمِلُوا عَلَيْهَا، وَقِيلَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] أَوْحَى إِلَيْهَا "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] قَالَ: أَوْحَى إِلَيْهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: 6] قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ التَّأْخِيرُ بَعْدُ ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: 6] قَالُوا: وَوَجْهُ الْكَلَامِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: 6] ، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: 6] . قَالُوا: وَلَكِنَّهُ اعْتَرَضَ بَيْنَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: 6] عَنْ مَوْقِفِ الْحِسَابِ فِرَقًا مُتَفَرِّقِينَ، فَآخِذٌ ذَاتَ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَآخِذٌ ذَاتَ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: 6] يَقُولُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: 6] مُتَفَرِّقِينَ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ، ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: 6] ، فَيَرَى الْمُحْسِنُ فِي الدُّنْيَا، الْمُطِيعُ لِلَّهِ عَمَلَهُ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْكَرَامَةِ، عَلَى طَاعَتِهِ إِيَّاهُ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، وَيَرَى الْمُسِيءُ الْعَاصِي لِلَّهِ عَمَلَهُ.
وَجَزَاءَ عَمَلِهِ،
وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْهَوَانِ وَالْخِزْيِ فِي جَهَنَّمَ، عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، وَكُفْرِهِ بِهِ