الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْكَعْبِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: 10] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 39] وَالَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ , وَنَقَضُوا مِيثَاقَهُ وَعُقُودَهُ الَّتِي عَاقَدُوهَا إِيَّاهُ ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: 39] يَقُولُ: " وَكَذَّبُوا بِأَدِلَّةِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ الَّتِي جَاءَتْ
بِهَا الرُّسُلُ وَغَيْرِهَا ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: 10] يَقُولُ: " هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ أَهْلُ الْجَحِيمِ , يَعْنِي: أَهْلَ النَّارِ الَّذِينَ يُخَلَّدُونَ فِيهَا وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] أَقِرُّوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَرِسَالَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا
جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 20] اذْكُرُوا النِّعْمَةَ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ , فَاشْكُرُوهُ عَلَيْهَا بِالْوَفَاءِ لَهُ بِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , وَالْعُقُودِ الَّتِي عَاقَدْتُمْ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا.
ثُمَّ وَصَفَ نِعْمَتَهُ الَّتِي أَمَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا مَعَ سَائِرِ نِعَمِهِ , فَقَالَ: هِيَ كَفُّهُ عَنْكُمْ أَيْدِي الْقَوْمِ الَّذِينَ هَمُّوا بِالْبَطْشِ بِكُمْ , فَصَرَفَهُمْ عَنْكُمْ , وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَرَادُوهُ بِكُمْ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي ذَكَّرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَصْحَابَ
نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا وَأَمَرَهُمْ بِالشُّكْرِ لَهُ عَلَيْهَا.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْتِنْقَاذُ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مِمَّا كَانَتِ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ هَمُّوا بِهِ يَوْمَ أَتَوْهُمْ يِسْتَحْمِلُونَهُمْ دِيَةَ الْعَامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ , وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ , قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ لِيَسْتَعِينَهُمْ عَلَى دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ؛ فَلَمَّا جَاءَهُمْ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ , فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ , فَمُرُوا رَجُلًا يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحُنَا مِنْهُ.
فَقَامَ عَمْرُو بْنُ جَحَّاشِ بْنِ كَعْبٍ.
فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرُ , وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ فِيهِمْ وَفِيمَا أَرَادَ هُوَ وَقَوْمُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: 11] قَالَ الْيَهُودُ: دَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا لَهُمْ , وَأَصْحَابُهُ مِنْ وَرَاءِ جِدَارِهِ , فَاسْتَعَانَهُمْ فِي مَغْرَمِ دِيَةٍ غَرِمَهَا , ثُمَّ قَامَ مِنْ عِنْدِهِمْ , فَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ بِقَتْلِهِ , فَخَرَجَ يَمْشِي الْقَهْقَرَى يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ , ثُمَّ دَعَا أَصْحَابَهُ رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى تَتَامَّوْا إِلَيْهِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ يَهُودُ حِينَ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا لَهُمْ , وَأَصْحَابُهُ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ لَهُمْ , فَاسْتَعَانَهُمْ فِي مَغْرَمٍ فِي دِيَةٍ غَرِمَهَا , ثُمَّ قَامَ مِنْ عِنْدِهِمْ , فَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ بِقَتْلِهِ , فَخَرَجَ يَمْشِي مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ خِيفَتَهُمْ , ثُمَّ دَعَا أَصْحَابَهُ رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى تَتَامَّوْا إِلَيْهِ.
قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 11]
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , قَالَ: ثني أَبُو مَعْشَرٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي النَّضِيرَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي عَقْلٍ أَصَابَهُ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيُّ فَقَالَ: «أَعِينُونِي فِي عَقْلٍ أَصَابَنِي» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ , قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا وَتَسْأَلَنَا حَاجَةً , اجْلِسْ حَتَّى نُطْعِمَكَ وَنُعْطِيَكَ الَّذِي تَسْأَلُنَا.
فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَنْتَظِرُونَهُ , وَجَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَهُوَ رَأْسُ الْقَوْمِ , وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ , فَقَالَ حُيَيٌّ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَرَوْنَهُ أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ , اطْرَحُوا عَلَيْهِ حِجَارَةً فَاقْتُلُوهُ وَلَا تَرَوْنَ شَرًّا أَبَدًا.
فَجَاءُوا إِلَى رَحًى لَهُمْ عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحُوهًا عَلَيْهِ , فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْدِيَهُمْ , حَتَّى جَاءَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَأَقَامَهُ مِنْ ثَمَّ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادُوا بِهِ "
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةُ , قَالَ: يَهُودُ دَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا , فَاسْتَعَانَهُمْ فِي مَغْرَمٍ غَرِمَهُ , فَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ بِقَتْلِهِ , فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِمْ , فَخَرَجَ مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ خِيفَتَهُمْ , ثُمَّ دَعَا أَصْحَابَهُ رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى تَتَامَّوْا إِلَيْهِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ أَحَدَ بَنِي النَّجَّارِ وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ , فَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
فَخَرَجُوا , فَلَقَوْا عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى بِئْرِ مَعُونَةَ , وَهِيَ مِنْ مِيَاهِ بَنِي عَامِرٍ , فَاقْتَتَلُوا , فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ كَانُوا فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ لَهُمْ , فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَالطَّيْرُ تَحُومُ فِي السَّمَاءِ , يَسْقُطُ مِنْ بَيْنِ خَرَاطِيمِهَا عَلَقُ الدَّمِ , فَقَالَ أَحَدُ النَّفَرِ: قُتِلَ أَصْحَابُنَا وَالرَّحْمَنِ.
ثُمَّ تَوَلَّى يَشْتَدُّ حَتَّى لَقِيَ رَجُلًا , فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ , فَلَمَّا خَالَطَتْهُ الضَّرْبَةُ , رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ , ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ , الْجَنَّةُ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَكَانَ يُدْعَى: أَعْنَقَ لَيَمُوتَ.
وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ , فَلَقِيَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ , وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قَوْمِهِمَا مُوَادَعَةٌ , فَانْتَسَبَا لَهُمَا إِلَى بَنِي عَامِرٍ , فَقَتَلَاهُمَا.
وقَدِمَ قَوْمُهُمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُبُونَ الدِّيَةَ , فَخَرَجَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ , حَتَّى دَخَلُوا عَلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَيَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ , فَاسْتَعَانَهُمْ فِي عَقْلِهِمَا.
قَالَ: فَاجْتَمَعَتِ الْيَهُودُ لَقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ , وَاعْتَلُّوا بِصَنِيعِهِ الطَّعَامَ , فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ يَهُودُ مِنَ الْغَدْرِ , فَخَرَجَ ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا , فَقَالَ: «لَا تَبْرَحْ مَقَامَكَ , فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْكَ مِنْ أَصْحَابِي فَسَأَلَكَ عَنِّي فَقُلْ وَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَدْرِكُوهُ» قَالَ: فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ عَلَى عَلِيٍّ , فَيَأْمُرُهُمْ بِالَّذِي أَمَرَهُ حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ آخِرُهُمْ , ثُمَّ تَبِعَهُمْ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 13]
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , عَنِ السُّدِّيِّ , عَنْ أَبِي مَالِكٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ قَالَ: «نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ , حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَغْدُرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ النِّعْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ بِالشُّكْرِ لَهُ عَلَيْهَا , أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ هَمَّتْ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَعَامٍ دَعَوْهُ إِلَيْهِ , فَأَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَمُّوا بِهِ , فَانْتَهَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ إِجَابَتِهِمْ إِلَيْهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: 9] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: 11] وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ صَنَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ طَعَامًا لِيَقْتُلُوهُ إِذَا أَتَى الطَّعَامُ , فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ , فَلَمْ يَأْتِ الطَّعَامُ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَبَوْهُ "
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ النِّعْمَةَ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِاطِّلَاعِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا هَمَّ بِهِ عَدُوُّهُ وَعَدُوُّهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَطْنِ نَخْلٍ مِنِ اغْتِرَارِهِمْ إِيَّاهُمْ , وَالْإِيقَاعِ بِهِمْ إِذَا هُمُ اشْتَغَلُوا عَنْهُمْ بِصَلَاتِهِمْ , فَسَجَدُوا فِيهَا , وَتَعْرِيفِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَذَارِ مِنْ عَدُوِّهِ فِي صَلَاتِهِ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةُ , ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِبَطْنِ نَخْلٍ فِي الْغَزْوَةِ السَّابِعَةِ , فَأَرَادَ بَنُو ثَعْلَبَةَ وَبَنُو مُحَارِبٍ أَنْ يَفْتِكُوا بِهِ , فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا انْتَدَبَ لِقَتْلِهِ , فَأَتَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَيْفُهُ مَوْضُوعٌ , فَقَالَ: آخُذُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «خُذْهُ» قَالَ: أَسْتَلُّهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَسَلَّهُ , فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ» فَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَغْلَظُوا لَهُ الْقَوْلَ , فَشَامَ السَّيْفُ , وَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِالرَّحِيلِ , فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ عِنْدَ ذَلِكَ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ مَنْزِلًا , وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا , فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِلَاحَهُ بِشَجَرَةٍ , فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى سَيْفِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ فَسَلَّهُ , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُ» فَشَامَ الْأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ , فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ , فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ لَمْ يُعَاقِبْهُ.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا , وَذَكَرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ أَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلُوا هَذَا الْأَعْرَابِيَّ.
وتَأَوَّلَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةُ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نِعْمَتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ , الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي اسْتِنْقَاذِهِ نَبِيَّهُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِمَّا كَانَتْ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ هَمَّتْ بِهِ مِنْ قَتْلِهِ وَقَتْلِ مَنْ مَعَهُ يَوْمَ سَارَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّيَةِ الَّتِي كَانَ تَحَمَّلَهَا عَنْ قَتِيلَيْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّهَ عَقِبَ ذِكْرِ ذَلِكَ بِرَمْيِ الْيَهُودِ بِصَنَائِعِهَا وَقَبِيحِ أَفْعَالِهَا وَخِيَانَتِهَا رَبَّهَا وَأَنْبِيَاءَهَا.
ثُمَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَالصَّفْحِ عَنْ عَظِيمِ جَهْلِهِمْ , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَالصَّفْحِ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: 11] وَمَنْ غَيْرُهُمْ كَانَ يَبْسُطُ الْأَيْدِي إِلَيْهِمْ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ الْأَيْدِي إِلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ لَكَانَ حَرِيًّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُمْ لَا عَمَّنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمْ بِذَلِكَ ذِكْرٌ , وَلَكَانَ الْوَصْفُ بِالْخِيَانَةِ فِي وَصْفِهِمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا فِي وَصْفِ مَنْ لَمْ يَجْرِ لِخِيَانَتِهِ ذِكْرٌ , فَفِي ذَلِكَ مَا يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قَضَيْنَا لَهُ بِالصِّحَّةِ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ دُونَ مَا خَالَفَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 11] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاحْذَرُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تُخَالِفُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ أَنْ تَنْقُضُوا الْمِيثَاقَ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ فَتَسْتَوْجِبُوا مِنْهُ الْعِقَابَ الَّذِي لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122] يَقُولُ: " وَإِلَى
اللَّهِ فَلْيُلْقِ أَزِمَّةَ أُمُورِهِمْ , وَيَسْتَسْلِمْ لِقَضَائِهِ , وَيَثِقْ بِنُصْرَتِهِ وَعَوْنِهِ , الْمَقْرُونِ بِوَحْدَانِيِّةِ اللَّهِ وَرِسَالَةِ رَسُولِهِ , الْعَامِلُونَ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ دِينِهِمْ وَتَمَامِ إِيمَانِهِمْ , وَأَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَلَأَهُمْ وَرَعَاهُمْ وَحَفِظَهُمْ مِمَّنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ , كَمَا حَفِظَكُمْ وَدَافَعَ عَنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْيَهُودَ الَّذِينَ هَمُّوا بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكُمْ , كَلَاءَةً مِنْهُ لَكُمْ , إِذْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ دُونَ غَيْرِهِ , فَإِنَّ غَيْرَهُ لَا يُطِيقُ دَفْعَ سُوءٍ أَرَادَ بِكُمْ رَبُّكُمْ وَلَا اجْتِلَابَ نَفْعٍ لَكُمْ لَمْ يَقْضِهِ لَكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيِ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 12] وَهَذِهِ الْآيَةُ أُنْزِلَتْ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَخْلَاقَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ.
كَالَّذِي:
حَدَّثَنَا الْحَرْثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا مُبَارَكٌ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: 12] قَالَ: " الْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأَنَّ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مِنْ صِفَاتِهِمْ وَصِفَاتِ أَوَائِلِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَخْلَاقِ أَسْلَافِهِمْ قَدِيمًا , وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَانَ عَلِمَهُ عِنْدَهُمْ دُونَ الْعَرَبِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِهِمْ وَمَكْنُونِ عُلُومِهِمْ , وَتَوْبِيخًا لِلْيَهُودِ فِي تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيِّ , وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ مَعَ
عِلْمِهِمْ بِخَطَإِ مَا هُمْ عَلَيْهِمْ مُقِيمُونَ.
يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَسْتَعْظِمُوا أَمْرَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ بِمَا هَمُّوا بِهِ لَكُمْ , وَلَا أَمْرَ الْغَدْرِ الَّذِي حَاوَلُوهُ وَأَرَادُوهُ بِكُمْ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ , لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ وَطَرِيقِ سَلَفِهِمْ.
ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَزَّ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ غَدَرَاتِهِمْ وَخِيَانَاتِهِمْ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ بَارِئُهُمْ , مَعَ نِعَمِهِ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا , وَكَرَامَاتِهِ الَّتِي طَوَّقَهُمْ شُكْرَهَا , فَقَالَ: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ مَنْ سَلَفَ مِمَّنْ هَمَّ بِبَسْطِ يَدِهِ إِلَيْكُمْ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُ بِعُهُودِهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ كَمَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ , عَنِ الرَّبِيعِ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: 12] قَالَ: " أَخَذَ اللَّهُ مَوَاثِيقَهُمْ أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ وَلَا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ﴿وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ﴾ [المائدة: 12] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ كَفِيلًا , كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ لِلَّهِ بِمَا وَاثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُهُودِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ.
وَالنَّقِيبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , كَالْعَرِيفِ عَلَى الْقَوْمِ , غَيْرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرِيفِ , يُقَالَ مِنْهُ: نَقَبَ فُلَانٌ عَلَى بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ يَنْقُبُ نَقَبًا , فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَقِيبًا فَصَارَ نَقِيبًا , قِيلَ: قَدْ نَقَبَ فَهُوَ يَنْقَبُ نَقَابَةً , وَمِنَ الْعَرِيفِ: عَرَفَ عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ عِرَافَةً.
فَأَمَّا الْمَنَاكِبُ فَإِنَّهُمْ كَالْأَعْوَانِ يَكُونُونَ مَعَ الْعُرَفَاءِ , وَاحِدُهُمْ مَنْكِبٌ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: هُوَ الْأَمِينُ الضَّامِنُ عَلَى الْقَوْمِ.
فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى قَوْمِهِ "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ شَاهِدٌ عَلَى قَوْمِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: النَّقِيبُ: الْأَمِينُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ , قَالَ: " النُّقَبَاءُ: الْأَمَنَاءُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ , مِثْلَهُ وَإِنَّمَا كَانَ اللَّهُ أَمَرَ مُوسَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْثِهِ النُّقَبَاءَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الْجَبَابِرَةِ بِالشَّامِ لِيَتَجَسَّسُوا لِمُوسَى أَخْبَارَهُمْ إِذْ أَرَادَ هَلَاكَهُمْ , وَأَنْ يُورِثَ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ مُوسَى وَقَوْمَهُ , وَأَنْ يَجْعَلَهَا مَسَاكِنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ , وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ , فَبَعَثَ مُوسَى الَّذِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ
بِبَعْثِهِمْ إِلَيْهَا مِنَ النُّقَبَاءِ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَاءَ , وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ , فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ بَعَثَ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ , فَسَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْجَبَابِرَةِ , فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ يُقَالَ لَهُ عَاجٌ , فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَتِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ , فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ , فَقَالَ: انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَاتِلُونَا.
فطَرَحَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهَا , فَقَالَ: أَلَا أَطْحَنُهُمْ بِرِجْلِي؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا.
فَفَعَلَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْمُ , قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمُ إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَبَرَ الْقَوْمِ , ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَكِنِ اكْتُمُوهُ وَأَخْبِرُوا نَبِيَّي اللَّهِ , فَيَكُونَانِ فِيمَا يَرَيَانِ رَأْيَهُمَا , فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْمِيثَاقَ بِذَلِكَ لِيَكْتُمُوهُ.
ثُمَّ رَجَعُوا فَانْطَلَقَ عَشْرَةٌ مِنْهُمْ فَنَكَثُوا الْعَهْدَ , فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أَخَاهُ وَأَبَاهُ بِمَا رَأَى مِنْ عَاجٍ , وَكَتَمَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ , فَأَتَوْا مُوسَى وَهَارُونَ , فَأَخْبَرُوهُمَا الْخَبَرَ , فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ أَرْسَلَهُمْ مُوسَى إِلَى الْجَبَّارِينَ , فَوَجَدُوهُمْ يَدْخُلُ فِي كُمِّ
أَحَدِهِمُ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَلُفُّونَهُمْ لَفًّا , وَلَا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إِلَّا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ بَيْنَهُمْ فِي خَشَبَةٍ , وَيَدْخُلُ فِي شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إِذَا نُزِعَ حُبُّهَا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ أَوْ أَرْبَعٌ.
فَرَجَعَ النُّقَبَاءُ كُلٌّ مِنْهُمْ يَنْهَى سِبْطَهُ عَنْ قِتَالِهِمْ إِلَّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَكَالِبَ بْنَ يُوقَنَا يَأْمُرَانِ الْأَسْبَاطَ بِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ وَبِجِهَادِهِمْ , فَعَصَوْا هَذَيْنِ وَأَطَاعُوا الْآخَرِينَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ , وَقَالَ أَيْضًا: يَلْقَوْنَهُمَا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , قَالَ: أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَسِيرَ , بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ , وَقَالَ: إِنِّي قَدْ كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا , فَاخْرُجْ إِلَيْهَا وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ , فَإِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ , وَخُذْ مِنْ قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ عَلَى قَوْمِهِ بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ , وَقُلْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مَعَكُمْ ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: 12] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108] وَأَخَذَ مُوسَى مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا اخْتَارَهُمْ مِنْ أَسْبَاطٍ كُفَلَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ , وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ خَيْرَهُمْ وَأَوْفَاهُمْ رَجُلًا.
يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إِلَى الْأَرْضِ
الْمُقَدَّسَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ , حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيهَ بَيْنَ مِصْرَ وَالشَّامِ , وَهِيَ بِلَادٌ لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلَا ظِلٌّ , دَعَا مُوسَى رَبُّهُ حِينَ آذَاهُمُ الْحَرُّ , فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ , وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
وأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى فَقَالَ: أَرْسِلْ رِجَالًا يَتَجَسَّسُونَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي وُهِبَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ , مَنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا.
فَأَرْسَلَ مُوسَى الرُّءُوسَ كُلَّهُمُ الَّذِينَ فِيهِمْ , وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الرَّهْطِ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ , فِيمَا يَذْكُرُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ لِيَجُوسُوهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: مِنْ سِبْطِ رُوبِيلَ: شَامُونُ بْنُ رَكُونَ , وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ سَافَاطُ بْنُ حَرْبِيٍّ , وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا كَالِبُ بْنُ يُوقَنَا , وَمِنْ سِبْطِ كَاذَ مِيخَائِيلُ بْنُ يُوسُفَ , وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ وَهُوَ سِبْطُ إِفْرَائِيمَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ , وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ فلط بن ذنون ,
وَمِنْ سِبْطِ رَبَالُونَ كَرَابِيلُ بْنُ سُودِيٍّ , وَمِنْ سِبْطِ مَنْشَا بْنِ يُوسُفَ حَدِّيُّ بْنُ سُوشَا , وَمِنْ سِبْطِ دَانَ حَمَلَائِلُ بْنُ حَمَلٍ , وَمِنْ سِبْطِ أَشَارَ سَابُورُ بْنُ مَلْكَيْلَ , وَمِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي محر بن وقسي , وَمِنْ سِبْطِ يساخر حولَايل بن منكد.
فَهَذِهِ أَسْمَاءُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مُوسَى يَتَجَسَّسُونَ لَهُ الْأَرْضَ , وَيَوْمَئِذٍ سَمَّى يُوشَعَ بْنَ نُونٍ: يُوشَعَ بْنَ نُونٍ , فَأَرْسَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمُ: ارْتَفِعُوا قَبْلَ الشَّمْسِ , فَارْقَوُا الْجَبَلَ , وَانْظُرُوا مَا فِي الْأَرْضِ , وَمَا الشِّعْبُ الَّذِي يَسْكُنُونَهُ , أَقْوِيَاءُ هُمْ أَمْ ضُعَفَاءُ؟ أَقَلِيلٌ هُمْ أَمْ هُمْ كَثِيرٌ؟ وَانْظُرُوا أَرْضَهُمُ الَّتِي يَسْكُنُونَ أَشَمِسَةٌ هِيَ أَمْ ذَاتُ شَجَرٍ؟ وَاحْمِلُوا إِلَيْنَا مِنْ ثَمَرَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ.
وَكَانَ فِي أَوَّلِ
مَا سَمَّى لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ثَمَرَةُ الْعِنَبِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] فَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ , بَعَثَهُمْ مُوسَى لِيَنْظُرُوا لَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ , فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ , فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتِهِمْ وِقْرَ رَجُلٍ , فَقَالُوا: قَدِّرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وَبَأْسَهُمْ هَذِهِ فَاكِهَتُهُمْ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ فُتِنُوا , فَقَالُوا: لَا نَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24] "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ الْمَرْوَزِيِّ , قَالَ: سَمِعَ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مَعَ نَبِيِّهِمْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ , قَالَ لَهُمْ مُوسَى: ادْخُلُوهَا.
فَأَبَوْا وَجَبُنُوا , وَبَعَثُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ.
فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا , فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتِهِمْ بِوِقْرِ الرَّجُلِ , فَقَالُوا: قَدِّرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وَبَأْسَهُمْ , هَذِهِ فَاكِهَتُهُمْ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا لِمُوسَى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: 12]
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 12] لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: 12] يَقُولُ: " إِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّي الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِمْ إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَوَفَيْتُمْ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ.
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى , بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: إِنِّي مَعَكُمْ , فَتَرَكَ ذِكْرَ لَهُمْ , اسْتِغْنَاءً بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: 12] إِذْ كَانَ مُتَقَدِّمُ الْخَبَرِ عَنْ قَوْمٍ مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ سِيَاقَ مَا فِي الْكَلَامِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ , إِذْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ.
ثُمَّ ابْتَدَأَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَسَمَ , فَقَالَ: قَسَمٌ ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ﴾ [المائدة: 12] مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: 12] أَيْ " أَعْطَيْتُمُوهَا مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِإِعْطَائِهَا ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ [المائدة: 12] يَقُولُ: «وَصَدَّقْتُمْ بِمَا آتَاكُمْ بِهِ رُسُلِي مِنْ شَرَائِعِ دِينِي» وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ مُوسَى , صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ سِيرُوا إِلَيْهِمْ يَعْنِي إِلَى الْجَبَّارِينَ فَحَدِّثُونِي حَدِيثَهُمْ , وَمَا أَمْرُهُمْ , وَلَا تَخَافُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا "
وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيعُ فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ , غَيْرَ أَنَّ مِنَ قَضَاءِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ نَاصِرٌ مَنْ أَطَاعَهُ , وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ وَتَجَنَّبَ مَعْصِيَتَهُ وَجَافَى ذُنُوبَهُ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مِنْ طَاعَتِهِ: إِقَامُ الصَّلَاةِ , وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ , وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ , وَسَائِرِ مَا نَدَبَ الْقَوْمَ إِلَيْهِ؛ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ بِذَلِكَ وَإِدْخَالَ الْجَنَّاتِ بِهِ لَمْ يُخَصَّصُ بِهِ النُّقَبَاءُ دُونَ سَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرِهِمْ , فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِلْقَوْمِ جَمِيعًا وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ , أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِبَعْضٍ وَحَضًّا لِخَاصٍّ دُونَ عَامٍّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: 12] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَنَصَرْتُمُوهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: 12] قَالَ: «نَصَرْتُمُوهُمْ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ