تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] يَعْنِي: فِي ظُلْمَةِ الْبَطْنِ، وَظُلْمَةِ الرَّحِمِ، وَظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] يَعْنِي: فِي ظُلْمَةِ الْبَطْنِ، وَظُلْمَةِ الرَّحِمِ، وَظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] قَالَ: " الظُّلُمَاتُ الثَّلَاثُ: الْبَطْنُ، وَالرَّحِمُ، وَالْمَشِيمَةُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ

عِكْرِمَةَ ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] قَالَ: «الْبَطْنُ، وَالْمَشِيمَةُ، وَالرَّحِمُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] قَالَ: " يَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ: بَطْنَ أُمِّهِ، وَالرَّحِمَ، وَالْمَشِيمَةَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] قَالَ: «الْبَطْنُ، وَالرَّحِمُ، وَالْمَشِيمَةُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] «الْمَشِيمَةُ، وَالرَّحِمُ، وَالْبَطْنُ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] قَالَ: «ظُلْمَةُ الْمَشِيمَةِ، وَظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وَظُلْمَةُ الْبَطْنِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] قَالَ: «الْمَشِيمَةُ فِي الرَّحِمِ، وَالرَّحِمُ فِي الْبَطْنِ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6] : «الرَّحِمُ، وَالْمَشِيمَةُ، وَالْبَطْنُ، وَالْمَشِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى الْوَلَدِ إِذَا خَرَجَ، وَهِيَ مِنَ الدَّوَابِّ السَّلَى»

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ أَيُّهَا النَّاسُ هُوَ رَبُّكُمْ، لَا مَنْ لَا يُجْلِبُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرًّا، وَلَا يَسُوقُ إِلَيْكُمْ خَيْرًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْكُمْ سُوءًا مِنْ أَوْثَانِكُمْ وَآلِهَتِكُمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ [البقرة: 247] يَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ: لِرَبِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ لَكُمْ، وَقُدْرَتُهُ مَا بَيَّنَ لَكُمُ الْمُلْكُ، مُلْكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَسُلْطَانُهُمَا لَا لِغَيْرِهِ؛ فَأَمَّا مُلُوكُ الدُّنْيَا فَإِنَّمَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، فَإِنَّمَا لَهُ خَاصٌّ مِنَ الْمُلْكِ وَأَمَّا الْمُلْكُ التَّامُّ الَّذِي هُوَ الْمُلْكُ بِالْإِطْلَاقِ فَلِلَّهِ

الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْبُودٌ سِوَاهُ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ أَيُّهَا النَّاسُ فَتَذْهَبُونَ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّكُمْ، الَّذِي هَذِهِ الصِّفَةُ صِفَتُهُ، إِلَى عِبَادَةِ مَنْ لَا ضَرَّ عِنْدَهُ لَكُمْ وَلَا نَفَعَ وَبِنَحْوِ الَّذِي

قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: 6] قَالَ: «كَقَوْلِهِ» : ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: 6] " قَالَ لِلْمُشْرِكِينَ: أَنَّى تُصْرَفُ عُقُولُكُمْ عَنْ هَذَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: 7] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ لِخَاصٍّ مِنَ النَّاسِ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّ تَكْفُرُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمْ لِعِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ الْكُفْرَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7] " يَعْنِي الْكُفَّارَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، فَيَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7] وَهُمْ عِبَادُهُ الْمُخْلَصُونَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42] فَأَلْزَمَهُمْ شَهَادَةَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحَبَّبَهَا إِلَيْهِمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7] قَالَ: «لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكْفُرُوا»

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ عَامٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَمَعْنَاهُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ تَكْفُرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، وَلَا يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَكْفُرُوا بِهِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: إِنْ تَكْفُرُوا بِاللَّهِ أَيُّهَا الْكُفَّارُ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ إِيمَانِكُمْ وَعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، بِمَعْنَى: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، كَمَا يُقَالُ: لَسْتُ أُحِبُّ الظُّلْمَ، وَإِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَظْلِمَ فُلَانٌ فُلَانًا فَيُعَاقَبْ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7] يَقُولُ: وَإِنْ تُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَتُطِيعُوهُ يَرْضَ شُكْرَكُمْ لَهُ، وَذَلِكَ هُوَ إِيمَانُهُمْ بِهِ وَطَاعَتُهُمْ إِيَّاهُ، فَكَنَى عَنِ الشُّكْرِ وَلَمْ يُذْكَرْ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: 173] بِمَعْنَى:

فَزَادَهُمْ قَوْلُ النَّاسِ لَهُمْ ذَلِكَ إِيمَانًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7] قَالَ: «إِنْ تُطِيعُوا يَرْضَهُ لَكُمْ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] يَقُولُ: لَا تَأْثَمُ آثِمَةٌ إِثْمَ آثِمَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا، وَلَا تُؤَاخَذُ إِلَّا بِإِثْمِ نَفْسِهَا، يُعْلِمُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ أَنَّ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مَا جَنَتْ، وَأَنَّهَا لَا تُؤَاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: 7] قَالَ: «لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِذَنْبِ أَحَدٍ»

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ بَعْدَ اجْتِرَاحِكُمْ فِي الدُّنْيَا مَا اجْتَرَحْتُمْ مِنْ صَالِحٍ وَسَيِّئٍ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَى رَبِّكُمْ مَصِيرُكُمْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِكُمْ، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ [المائدة: 48] يَقُولُ: فَيُخْبِرُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَى

كُلِّ ذَلِكَ جَزَاءَكُمْ، الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءُ بِمَا يَسْتَحِقَّهُ؛ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ: فَاتَّقُوا أَنْ تَلَقَوْا رَبَّكُمْ وَقَدْ عَمِلْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا لَا يَرْضَاهُ مِنْكُمْ فَتَهْلَكُوا، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَمَلُ عَامَلٍ مِنْكُمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا أَضْمَرَتْهُ صُدُورُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِمَّا لَا تُدْرِكُهُ أَعْيُنُكُمْ، فَكَيْفَ بِمَا أَدْرَكَتْهُ الْعُيُونُ وَرَأَتْهُ الْأَبْصَارُ وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ وَعَزَّ بِذَلِكَ الْخَبَرِ عَنْ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ مُحْصٍ عَلَى عِبَادِهِ أَعْمَالَهُمْ، لِيُجَازِيهِمْ بِهَا كَيْ

يَتَّقُوهُ فِي سِرِّ أُمُورِهِمْ وَعَلَانِيَتِهَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضَرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانُ بَلَاءٌ فِي جَسَدِهِ مِنْ مَرِضٍ، أَوْ عَاهَةٍ، أَوْ

شِدَّةٍ فِي مَعِيشَتِهِ، وَجَهْدٌ وَضِيقٌ ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ [الزمر: 8] يَقُولُ: اسْتَغَاثَ بِرَبِّهِ الَّذِي خَلْقَهُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ، وَرَغَّبَ إِلَيْهِ فِي كَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ

وَقَوْلُهُ: ﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: 8] يَقُولُ: تَائِبًا إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ، وَإِشْرَاكِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ بِهِ فِي عِبَادَتِهِ، رَاجِعًا إِلَى طَاعَتِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر: 8] قَالَ: " الْوَجَعُ وَالْبَلَاءُ وَالشِّدَّةُ ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: 8] قَالَ: مُسْتَغِيثًا بِهِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ [الزمر: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ إِذَا مَنَحَهُ رَبُّهُ نِعْمَةً مِنْهُ، يَعْنِي عَافِيَةً، فَكَشَفَ عَنْهُ ضُرَّهُ، وَأَبْدَلَهُ بِالسَّقَمِ صِحَّةً، وَبِالشِّدَّةِ رَخَاءً وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ أَعْطَى غَيْرَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ: قَدْ خَوَّلَهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ الْعِجْلِيِّ: [البحر الرجز] أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ ... كُومَ الذُّرَا مِنْ خَوَلِ الْمُخَوَّلِ وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو يَقُولُ فِي بَيْتِ زُهَيْرٍ: [البحر الطويل] هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَالَ يُخْوِلُوا ... وَإِنْ يَسْأَلُوا يُعْطَوْا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ يُونُسُ: إِنَّمَا سَمِعْنَاهُ: هُنَالِكَ إِنْ يَسْتَخْبَلُوا الْمَالَ يُخْبِلُوا

قَالَ: وَهِيَ بِمَعْنَاهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ [الزمر: 8] : «إِذَا أَصَابَتْهُ عَافِيَةٌ أَوْ خَيْرٌ»

وَقَوْلُهُ: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: 8] يَقُولُ: تَرَكَ دُعَاءَهُ الَّذِي كَانَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُكْشَفَ مَا كَانَ بِهِ مِنْ ضُرٍّ ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: 8] يَعْنِي: شُرَكَاءَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿نَسِيَ﴾ [الزمر: 8] يَقُولُ: «تَرَكَ، هَذَا فِي الْكَافِرِ خَاصَّةً» وَلِ «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ﴾ [الزمر: 8] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: تَرَكَ الَّذِي كَانَ يَدْعُوهُ فِي حَالِ الضُّرِّ الَّذِي كَانَ بِهِ، يَعْنِي بِهِ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَتَكُونُ «مَا» مَوْضُوعَةً عِنْدَ ذَلِكَ مَوْضِعَ «مِنْ» كَمَا قِيلَ: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: 3] يَعْنِي بِهِ اللَّهَ، وَكَمَا قِيلَ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَانَ فِي الْهَاءِ الَّتِي فِي

قَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ﴾ [الزمر: 8] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ مَا وَالْآخَرُ: مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: 8] يَقُولُ: وَجَعَلَ لِلَّهِ أَمْثَالًا وَأَشْبَاهًا ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلُوهَا فِيهِ لَهُ أَنْدَادًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلُوهَا لَهُ أَنْدَادًا فِي طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: 8] قَالَ: " الْأَنْدَادُ مِنَ الرِّجَالِ: يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ عَبَدَ الْأَوْثَانَ، فَجَعَلَهَا لِلَّهِ أَنْدَادًا فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ أَنَّهُ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَعَلَ لَهُ الْأَوْثَانَ أَنْدَادًا، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ عَتَّابِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لَهُ عَلَى عِبَادَتِهَا

جارٍ التحميل