الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 161]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 6] إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَّبُوا بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة: 161] يَعْنِي وَمَاتُوا وَهُمْ عَلَى جُحُودِهِمْ ذَلِكَ وَتَكْذِيبِهِمْ
مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ، يَعْنِي: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ؛ يَقُولُ: أَبْعَدَهُمُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 161] يَعْنِي وَلَعَنَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ.
وَلَعْنَةُ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ إِيَّاهُمْ قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى اللَّعْنَةِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ تَكُونُ عَلَى الَّذِي يَمُوتُ كَافِرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْنَافِ الْأُمَمِ، وَأَكْثَرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَيُصَدِّقُهُ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْبَشَرِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] يَعْنِي بِالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: الْمُؤْمِنِينَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، " ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] يَعْنِي بِالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: الْمُؤْمِنِينَ "
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُوقَفُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ الْكَافِرُ فَيَلْعَنُهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، «أَنَّ الْكَافِرَ، يُوقَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ كَائِنًا مَنْ كَانَ: لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمَ، فَيَلْحَقُ ذَلِكَ كُلَّ كَافِرٍ لِأَنَّهُ مِنَ الظَّلَمَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فَإِنَّهُ لَا يَتَلَاعَنُ اثْنَانِ مُؤْمِنَانِ وَلَا كَافِرَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمَ إِلَّا وَجَبَتْ تِلْكَ اللَّعْنَةُ عَلَى الْكَافِرِ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ، فَكُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ يَلْعَنُهُ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ جَمِيعَ النَّاسِ بِمَعْنَى لَعَنَهُمْ إِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِمْ: لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمَ أَوِ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَا يُمْنَعُ مِنْ قِيلِ ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَمَنْ أَيِّ أَهْلِ مِلَّةٍ كَانَ، فَيَدْخُلُ بِذَلِكَ فِي لَعْنَتِهِ كُلُّ كَافِرٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ
عَمَّنْ شَهِدَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَظْلِمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18] وَأَمَّا مَا قَالَهُ قَتَادَةُ مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ بَعْضَ النَّاسِ، فَقَوْلُ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ بِخِلَافِهِ، وَلَا بُرْهَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ خَبَرٍ وَلَا نَظَرَ.
فَإِنْ كَانَ ظَنٌّ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَلْعَنُونَ أَنْفُسَهُمْ وَلَا أَوْلِيَاءَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَمَعْلُومٌ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَ الظَّلَمَةَ، وَدَاخِلٌ فِي الظَّلَمَةِ كُلُّ كَافِرٍ بِظُلْمِهِ نَفْسِهِ، وَجُحُودِهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة: 162] إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: مَا الَّذِي نَصَبَ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] قِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي عَلَيْهِمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 161] أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ
خَالِدِينَ فِيهَا.
وَلِذَلِكَ قَرَأَ ذَلِكَ: «أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعُونَ» مَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ تَوْجِيهًا مِنْهُ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَغَيْرُ جَائِزَةٍ الْقِرَاءَةُ بِهِ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِمَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْقِرَاءَةِ مُسْتَفِيضًا فِيهَا، فَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِالشَّاذِّ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ.
وَأَمَّا الْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهَا﴾ [البقرة: 25] فَإِنَّهُمَا عَائِدَتَانِ عَلَى اللَّعْنَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ مَا صَارَ إِلَيْهِ الْكَافِرُ بِاللَّعْنَةِ مِنَ اللَّهِ وَمِنَ مَلَائِكَتِهِ وَمِنَ النَّاسِ وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ بِهَا نَارَ جَهَنَّمَ.
وَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى اللَّعْنَةِ وَالْمُرَادُ بِهَا مَا صَارَ إِلَيْهِ الْكَافِرُ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ
كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: خَالِدِينَ فِي جَهَنَّمَ فِي اللَّعْنَةِ "
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: 162] فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ دَوَامِ الْعَذَابِ أَبَدًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ وَلَا تَخْفِيفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36] وَكَمَا قَالَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] وَأَمَّا
قَوْلُهُ: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162] فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ بِمَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُونَ
كَمَا حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ لَا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] " قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةَ وَأَنَّهَا اعْتِبَادُ الْخَلْقِ.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] وَالَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الطَّاعَةَ لَهُ، وَيَسْتَوْجِبُ مِنْكُمُ الْعِبَادَةَ مَعْبُودٌ
وَاحِدٌ وَرَبٌّ وَاحِدٌ، فَلَا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ وَلَا تُشْرِكُوا مَعَهُ سِوَاهُ فَإِنَّ مَنْ تُشْرِكُونَهُ مَعَهُ فِي عِبَادِتِكُمْ إِيَّاهُ هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ إِلَهِكُمْ مِثْلُكُمْ، وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ مَعْنَى نَفْيِ الْأَشْبَاهِ وَالْأَمْثَالِ عَنْهُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ وَاحِدُ النَّاسِ وَهُوَ وَاحِدُ قَوْمِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي النَّاسِ مَثَلُ، وَلَا لَهُ فِي قَوْمِهِ شَبِيهٌ وَلَا نَظِيرٌ؛ فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَاحِدٌ﴾ [البقرة: 61] يَعْنِي بِهِ اللَّهُ لَا مَثَلَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ.
فَزَعَمُوا أَنَّ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَى صِحَّةِ تَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ وَاحِدٌ يُفْهِمُ لِمَعَانٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْ جِنْسٍ كَالْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ مِنَ الْإِنْسِ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَفَرِّقٍ كَالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ الْمَثَلُ وَالِاتِّفَاقُ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: هَذَانِ الشَّيْئَانِ وَاحِدٌ، يُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا مُتَشَابِهَانِ
حَتَّى صَارَا لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي الْمَعَانِي كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ نَفْي النَّظِيرِ عَنْهُ وَالشَّبِيهِ.
قَالُوا: فَلَمَّا كَانَتِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ مِنْ مَعَانِي الْوَاحِدِ مُنْتَفِيَةً عَنْهُ صَحَّ الْمَعْنَى الرَّابِعُ الَّذِي وَصَفْنَاهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَعْنَى انْفِرَادِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَانْفِرَادِ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا كَانَ مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي شَيْءٍ وَلَا دَاخِلٍ فِيهِ شَيْءٌ.
قَالُوا: وَلَا صِحَّةَ لِقَوْلِ الْقَائِلِ وَاحِدٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا ذَلِكَ.
وَأَنْكَرَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْمَعَانِيَ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي قَالَهَا الْآخَرُونَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَا رَبَّ لِلْعَالَمِينَ غَيْرَهُ، وَلَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى الْعِبَادِ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَهُمْ خَلْقُهُ، وَالْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ طَاعَتُهُ، وَالِانْقِيَادُ لَأَمْرِهِ وَتَرْكُ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ وَهَجْرِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، لِأَنَّ جَمِيعَ
ذَلِكَ خَلْقُهُ وَعَلَى جَمِيعِهِمُ الدَّيْنُونَةُ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ، وَلَا تَنْبَغِي الْأُلُوهِيَّةُ إِلَّا لَهُ، إِذْ كَانَ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ فِي الدُّنْيَا فَمِنْهُ دُونَ مَا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، وَيُشْرِكُونَ مَعَهُ مِنَ الْأَشْرَاكِ وَمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ فِي الْآخِرَةِ فَمِنْهُ، وَأَنَّ مَا أَشْرَكُوا مَعَهُ مِنَ الْأَشْرَاكِ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ فِي عَاجِلٍ وَلَا فِي آجِلٍ، وَلَا فِي دُنْيَا، وَلَا فِي آخِرَةٍ.
وَهَذَا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَهْلَ الشِّرْكِ بِهِ عَلَى ضَلَالِهِمْ، وَدُعَاءٌ مِنْهُ لَهُمْ إِلَى الْأَوْبَةِ مِنْ كُفْرِهِمْ، وَالْإِنَابَةِ مِنْ شِرْكِهِمْ.
ثُمَّ عَرَّفَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالْآيَةِ الَّتِي تَتْلُوهَا مَوْضِعَ اسْتِدْلَالِ ذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْهُمْ
عَلَى حَقِيقَةِ مَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ وَحُجَجِهِ الْوَاضِحَةِ الْقَاطِعَةِ عُذْرَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: " أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ إِنْ جَهِلْتُمْ أَوْ شَكَكْتُمْ فِي حَقِيقَةِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ مِنَ الْخَبَرِ مِنْ أَنَّ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ دُونَ مَا تَدَّعُونَ أُلُوهِيَّتَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ فَتَدَبَّرُوا حُجَجِي وَفَكِّرُوا فِيهَا، فَإِنَّ مِنْ حُجَجِي: خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْفُلْكُ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَمَا أَنْزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَيْتُ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَمَا بَثَثْتُ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، " وَالسَّحَابُ الَّذِي سَخَّرْتُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
فَإِنْ كَانَ مَا تعَبُدُونَهُ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ وَسَائِرِ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِذَا اجْتَمَعَ جَمِيعُهُ فَتَظَاهَرَ أَوِ انْفَرَدَ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ نَظِيرَ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِي الَّذِي سَمَّيْتُ لَكُمْ، فَلَكُمْ بِعِبَادَتِكُمْ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي حِينَئِذٍ عُذْرٌ، وَإِلَّا فَلَا عُذْرَ لَكُمْ فِي اتِّخَاذِّ إِلَهٍ سِوَايَ، وَلَا إِلَهَ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ غَيْرِي.
فَلْيَتَدَبَّرْ أُولُو الْأَلْبَابِ إِيجَازَ اللَّهِ احْتِجَاجَهُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ وَالْمُلْحِدِينَ فِي تَوْحِيدِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا بِأَوْجَزِ كَلَامٍ وَأَبْلَغِ حُجَّةٍ وَأَلْطَفِ مَعْنًى يُشْرِفُ بِهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ فَضْلِ حِكْمَةِ اللَّهِ وَبَيَانِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ " اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ احْتِجَاجًا لَهُ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمَّا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] فَتَلَا ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَسَمِعَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَمَا الْحُجَّةُ، وَالْبُرْهَانُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَنَحْنُ نُنْكِرُ ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَزْعُمُ أَنَّ لَنَا آلِهَةً كَثِيرَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ احْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِينَ قَالُوا مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ " نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: كَيْفَ يَسَعُ النَّاسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إِلَى
قَوْلِهِ: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164] فَبِهَذَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ إِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا أَنَّ لَهُمُ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسَائِرِ مَا ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ آيَةً بَيِّنَةً عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، " وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ لِمَنْ عَقَلَ وَتَدَبَّرَ ذَلِكَ بِفَهْمٍ صَحِيحٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ . الْآيَةَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ، ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الْآيَةَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ
الْآيَةُ جَعَلَ الْمُشْرِكُونَ يَعْجَبُونَ وَيَقُولُونَ: تَقُولُ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَلْتَأْتِنَا بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ . الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبَى رَبَاحٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرِنَا آيَةً فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ " سَأَلَتْ قُرَيْشٌ، الْيَهُودَ، فَقَالُوا: حَدِّثُونَا عَمَّا، جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى، مِنَ الْآيَاتِ فَحَدَّثُوهُمْ بِالْعَصَا، وَبِيَدِهِ الْبَيْضَاءِ، لِلنَّاظِرِينَ، وَسَأَلُوا النَّصَارَى عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ عِيسَى، مِنَ الْآيَاتِ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ.
فَقَالَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا فَنَزْدَادَ يَقِينًا، وَنَتَقَوَّى بِهِ عَلَى عَدُوُّنَا فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ: إِنِّي مُعْطِيهُمْ، فَأَجْعَلُ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَلَكِنْ إِنْ كَذَّبُوا عَذَّبْتُهُمْ عَذَابًا لَمْ أُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَرْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الْآيَةَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَهُمْ، إِنْ كَانُوا إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ أَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا
ذَهَبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَاخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ أَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا لِيَزْدَادُوا يَقِينًا "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: غَيِّرْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا إِنْ كُنْتَ صَادِقًا أَنَّهُ مِنْهُ فَقَالَ اللَّهُ: إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
وَقَالَ: قَدْ سَأَلَ الْآيَاتِ قَوْمٌ قَبْلَكُمْ، ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبَّهَ عِبَادَهُ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِيمَا قَالَهُ عَطَاءٌ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِيمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الضُّحَى، وَلَا خَبَرَ عِنْدَنَا بِتَصْحِيحِ قَوْلِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ يَقْطَعُ الْعُذْرَ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ أَحَدٌ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِصِحَّةِ قَوْلٍ عَلَى الْآخَرِ.
وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ صَحِيحًا فَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ مَا قُلْتُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِنَّ فِي إِنْشَاءِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَابْتِدَاعِهِمَا.
وَمَعْنَى خَلْقِ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ: ابْتِدَاعُهُ وَإِيجَادُهُ إِيَّاهَا بَعْدِ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ «الْأَرْضِ» وَلَمْ تُجْمَعْ كَمَا جُمِعَتِ السَّمَوَاتُ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَهَلْ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا فَيُقَالُ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهَا خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا، وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِالَّتِي فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وَقَالُوا: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَاللَّهُ لَهُ مُرِيدٌ.
قَالُوا: فَالْأَشْيَاءُ كَانَتْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ، وَالْإِرَادَةُ خَلْقٌ لَهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: خَلْقُ الشَّيْءِ صِفَةٌ لَهُ، لَا هِيَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مَوْصُوفًا.
قَالُوا: وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ غَيْرًهُ وَأَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَهُ صِفَةٌ هِيَ لَهُ خَلْقٌ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ نِهَايَةٌ.
قَالُوا: فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلشَّيْءِ.
قَالُوا: فَخَلْقُ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضِ صِفَةٌ لَهُمَا عَلَى مَا وَصَفْنَا وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ لِلشَّيْءِ خَلْقًا لَيْسَ هُوَ بِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِنَحْوِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقُ كُلِّ مَخْلُوقٍ، هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرِهِ.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: 164]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: 164] وَتَعَاقُبِ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ.
وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الِافْتِعَالُ مِنْ خُلُوفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ، وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شَكُورًا﴾ [الفرقان: 62] بِمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْلُفُ مَكَانَ صَاحِبِهِ إِذَا ذَهَبَ اللَّيْلُ جَاءَ النَّهَارُ بَعْدَهُ، وَإِذَا ذَهَبَ النَّهَارُ جَاءَ اللَّيْلُ خَلْفَهُ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي أَهْلِهِ بِسُوءٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
[البحر الطويل]
بِهَا الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ
وَأَمَّا اللَّيْلُ فَإِنَّهُ جَمْعُ لَيْلَةٍ، نَظِيرُ التَّمْرِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ تَمْرَةٍ، وَقَدْ يُجْمَعُ لَيَالٍ فَيَزِيدُونَ فِي جَمْعِهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدَتِهَا.
وَزِيَادِتُهُمُ الْيَاءُ فِي ذَلِكَ نَظِيرُ زِيَادِتُهُمُ إِيَّاهَا فِي رُبَاعِيَّةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَكَرَاهِيَةٍ.
وَأَمَّا النَّهَارُ فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَجْمَعُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الضَّوْءِ، وَقَدْ سُمِعَ فِيَ جَمْعِهِ «النُّهُرُ» قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
لَوْلَا الثَّرِيدَانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ ... ثَرِيدُ لَيْلٍ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ،
وَلَوْ قِيلَ فِي جَمْعِ قَلِيلِهِ أَنْهِرَةٌ كَانَ قِيَاسًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: 164] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ.
وَالْفُلْكُ هُوَ السُّفُنُ، وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَذْكِيرِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلَنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: 41] فَذَكَّرَهُ،
وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: 164] وَهِيَ مَجْرَاةُُ؛ لِأَنَّهَا إِذَا أُجْرِيَتْ فَهِيَ الْجَارِيَةُ، فَأُضِيفَ إِلَيْهَا مِنَ الصِّفَةِ مَا هُوَ لَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: 164] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْبَحْرِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 164] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ [البقرة: 164] وَفِيمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 164] وَإِحْيَاؤُهَا: عِمَارَتُهَا وَإِخْرَاجُ نَبَاتِهَا،
وَالْهَاءُ الَّتِي فِي «بِهِ» عَائِدَةٌ عَلَى الْمَاءِ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 164] عَلَى الْأَرْضِ، وَمَوْتُ الْأَرْضِ: خَرَابُهَا وَدُثُورُ عِمَارَتِهَا، وَانْقِطَاعُ نَبَاتِهَا الَّذِي هُوَ لِلْعِبَادِ أَقْوَاتٌ، وَلِلْأَنَامِ أَرْزَاقٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: 164] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: 164] وَإِنَّ فِيمَا بَثَّ فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ، ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ [البقرة: 164] وَفَرَّقَ فِيهَا، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: بَثَّ الْأَمِيرُ سَرَايَاهُ: يَعْنِي فَرَّقَ.
وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: «فِيهَا» عَائِدَتَانِ عَلَى الْأَرْضِ.
وَالدَّابَّةُ الْفَاعِلَةُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدُبُّ دَبِيبًا فَهِيَ دَابَّةٌ، وَالدَّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ كَانَ غَيْرَ طَائِرٍ بِجَنَاحَيْهِ لِدَبِيبِهِ عَلَى الْأَرْضِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: 164] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: 164] وَفِي تَصْرِيفِهِ الرِّيَاحَ، فَأَسْقَطَ ذِكْرَ الْفَاعِلَ وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ، كَمَا قَالَ: يُعْجِبُنِي إِكْرَامُ أَخِيكَ، يُرِيدُ إِكْرَامَكَ أَخَاكَ وَتَصْرِيفُ اللَّهِ إِيَّاهَا: أَنْ يُرْسِلَهَا مَرَّةً لَوَاقِحَ، وَمَرَّةً يَجْعَلُهَا عَقِيمًا،
وَيَبْعَثُهَا عَذَابًا تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ [البقرة: 164] قَالَ «قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبِّنَا عَلَى ذَلِكَ، إِذَا شَاءَ جَعَلَهَا عَذَابًا رِيحًا عَقِيمًا لَا تُلْقِحُ، إِنَّمَا هِيَ عَذَابٌ عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ» وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: 164] أَنَّهَا تَأْتِي مَرَّةً جَنُوبًا وَشِمَالًا وَقُبُولًا وَدُبُورًا، ثُمَّ قَالَ: وَذَلِكَ تَصْرِيفُهَا.
وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفَ الرِّيَاحَ بِهَا صِفَةُ تَصَرُّفِهَا لَا صِفَةُ تَصْرِيفِهَا؛ لِأَنَّ تَصْرِيفَهَا تَصْرِيفُ اللَّهِ لَهَا، وَتَصَرُّفُهَا اخْتِلَافُ هُبُوبُهَا.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: 164] تَصْرِيفُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ هُبُوبَ الرِّيَاحِ بِاخْتِلَافِ مَهَابِّهَا