تفسير الطبري = جامع البيانقَوْلُهُ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: 41] أَمَّا الْبَرُّ فَأَهْلُ الْعَمُودِ، وَأَمَّا الْبَحْرُ فَأَهْلُ الْقُرَى وَالرِّيفِ.

قَوْلُهُ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: 41] أَمَّا الْبَرُّ فَأَهْلُ الْعَمُودِ، وَأَمَّا الْبَحْرُ فَأَهْلُ الْقُرَى وَالرِّيفِ.

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: 41] قَالَ: الذُّنُوبُ، وَقَرَأَ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثَنَا قُرَّةُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ " ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41] قَالَ: أَفْسَدَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، فِي بَحْرِ الْأَرْضِ وَبَرِّهَا، بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِالْبَرِّ: ظَهْرَ الْأَرْضِ؛ الْأَمْصَارَ وَغَيْرَهَا، وَبِالْبَحْرِ: الْبَحْرَ الْمَعْرُوفَ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: 41] قَالَ: فِي الْبَرِّ: ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، وَفِي الْبَحْرِ: الَّذِي

كَانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: قَالَ أَبُو بِشْرٍ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ " ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41] قَالَ: بِقَتْلِ ابْنِ آدَمَ، وَالَّذِي كَانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، " ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: 41] قَالَ: قُلْتُ: هَذَا الْبَرُّ وَالْبَحْرُ، أَيُّ فَسَادٍ فِيهِ؟ قَالَ: فَقَالَ: إِذَا قَلَّ الْمَطَرُ قَلَّ الْغَوْثُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ﴾ [الروم: 41] قَالَ: قَتْلُ ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ، ﴿وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: 41] : قَالَ: أَخْذُ الْمَلِكِ السُّفُنَ غَصْبًا ". وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، أَخْبَرَ أَنَّ الْفَسَادَ قَدْ ظَهَرَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْأَرْضِ الْقِفَارِ، وَالْبَحْرُ بَحْرَانِ: بَحْرٌ مِلْحٌ، وَبَحْرٌ عَذْبٌ، فَهُمَا جَمِيعًا عِنْدَهُمْ بَحْرٌ، وَلَمْ يُخَصِّصْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْ ظُهُورِ ذَلِكَ فِي بَحْرٍ دُونَ بَحْرٍ، فَذَلِكَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ بَحْرٍ، عَذْبًا كَانَ أَوْ مِلْحًا.
إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، دَخَلَ الْقُرَى الَّتِي عَلَى الْأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ.

فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ؛ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْتُ، ظَهَرَتْ مَعَاصِي اللَّهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مِنْ بَرٍّ وَبَحْرٍ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41] أَيْ بِذُنُوبِ النَّاسِ، وَانْتَشَرَ الظُّلْمُ فِيهِمَا.

وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: 41] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لِيُصِيبَهُمْ بِعُقُوبَةِ بَعْضِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوا، وَمَعْصِيَتِهِمُ الَّتِي عَصَوْا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72] يَقُولُ: كَيْ يُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ، وَيَرْجِعُوا إِلَى التَّوْبَةِ، وَيَتْرُكُوا مَعَاصِيَ اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، " ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] قَالَ: يَتُوبُونَ "

قَالَ: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، " ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] يَوْمَ بَدْرٍ، لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ "

قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، " ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] قَالَ: إِلَى الْحَقِّ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] لَعَلَّ رَاجِعًا أَنْ يَرْجِعَ، لَعَلَّ تَائِبًا أَنْ يَتُوبَ، لَعَلَّ مُسْتَعْتِبًا أَنْ يَسْتَعْتِبَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثَنَا قُرَّةُ، عَنِ الْحَسَنِ، " ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] قَالَ: يَرْجِعُ مَنْ بَعْدَهُمْ ". وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ [الروم: 41] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ [الروم: 41] بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى: لِيُذِيقَهُمُ اللَّهُ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمِيَّ قَرَأَ ذَلِكَ بِالنُّونِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ، كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ: سِيرُوا فِي الْبِلَادِ، فَانْظُرُوا إِلَى مَسَاكِنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ قَبْلِكُمْ،

وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، كَيْفَ كَانَ آخِرُ أَمْرِهِمْ، وَعَاقِبَةُ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ وَكُفْرِهِمْ أَلَمْ نُهْلِكْهُمْ بِعَذَابٍ مِنَّا، وَنَجْعَلْهُمْ عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ؟ ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: 42] يَقُولُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِثْلَهُمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ، يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَوَجِّهْ وَجْهَكَ يَا مُحَمَّدُ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَّهَكَ إِلَيْهِ رَبُّكَ ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم: 43] لِطَاعَةِ رَبِّكَ، وَالْمِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ الَّتِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ

يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ لَا مَرَدَّ لَهُ لِمَجِيئِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَضَى بِمَجِيئِهِ , فَهُوَ لَا مَحَالَةَ جَاءٍ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] يَقُولُ: يَوْمَ يَجِيءُ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَصَّدَعُ النَّاسُ، يَقُولُ: يَتَفَرَّقُ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: صَدَعْتُ الْغَنَمَ صَدْعَتَيْنِ: إِذَا فَرَّقْتُهَا فِرْقَتَيْنِ: فَرِيقٍ فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٍ فِي السَّعِيرِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم: 43] الْإِسْلَامِ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ، يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ "

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] يَقُولُ: يَتَفَرَّقُونَ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] قَالَ: يَتَفَرَّقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِلَى النَّارِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ أَوْزَارُ كُفْرِهِ، وَآثَامُ جُحُودِهِ نِعَمَ رَبِّهِ، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [الروم: 44] يَقُولُ: وَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فِيهَا ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: 44] يَقُولُ: فَلِأَنْفُسِهِمْ يَسْتَعِدُّونَ، وَيُسَوُّونَ الْمَضْجَعَ لِيَسْلَمُوا مِنْ عِقَابِ رَبِّهِمْ، وَيَنْجُوا مِنْ عَذَابِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر البسيط] امْهَدْ لِنَفْسِكَ حَانَ السَّقْمُ وَالتَّلَفُ ... وَلَا تُضَيِّعْنَ نَفْسًا مَا لَهَا خَلَفُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: 44] قَالَ: يُسَوُّونَ الْمَضَاجِعَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَالْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الطَّحَّانُ، وَابْنُ وَكِيعٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَلَائِيُّ، قَالُوا: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: 44] قَالَ: فِي الْقَبْرِ "

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: 44] قَالَ: لِلْقَبْرِ "

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: فِي قَوْلِهِ " ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: 44] قَالَ: فِي الْقَبْرِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] ، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: 4] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ [البقرة: 90] الَّذِي وَعَدَ مَنْ أَطَاعَهُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَجْزِيَهُ يَوْمَ

الْقِيَامَةِ ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا خَصَّ بِجَزَائِهِ مِنْ فَضْلِهِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ دُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ.
وَاسْتَأْنَفَ الْخَبَرَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: 45] وَفِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ، وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ أَدِلَّتِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَحُجَجِهِ عَلَيْكُمْ عَلَى أَنَّهُ إِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46] بِالْغَيْثِ وَالرَّحْمَةِ ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: 46] يَقُولُ: وَلِيُنَزِّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَهِيَ الْغَيْثُ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ، وَلِتَجْرِيَ السُّفُنُ فِي الْبِحَارِ بِهَا بِأَمْرِهِ إِيَّاهَا ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: 14] يَقُولُ: وَلِتَلْتَمِسُوا مِنْ أَرْزَاقِهِ وَمَعَايِشِكُمُ الَّتِي قَسَمَهَا بَيْنَكُمْ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185] يَقُولُ: وَلِتَشْكُرُوا

رَبَّكُمْ عَلَى ذَلِكَ , أَرْسَلَ هَذِهِ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46] قَالَ: بِالْمَطَرِ ". وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: 46] مِثْلَ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: 46] قَالَ: الْمَطَرُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: 46] الْمَطَرُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلَكِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُسَلِّيًا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَلْقَى مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَذَى

فِيهِ بِمَا لَقِيَ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ رُسُلِهِ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَمُعَلِّمَهُ سُنَّتَهُ فِيهِمْ وَفِي قَوْمِهِمْ، وَأَنَّهُ سَالِكٌ بِهِ وَبِقَوْمِهِ سُنَّتَهُ فِيهِمْ، وَفِي أُمَمِهِمْ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمُ الْكَفَرَةِ، كَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَى قَوْمِكَ الْعَابِدِي الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: بِالْوَاضِحَاتِ مِنَ الْحُجَجِ عَلَى صِدْقِهِمْ , وَأَنَّهُمْ لِلَّهِ رُسُلٌ كَمَا جِئْتَ أَنْتَ قَوْمَكَ بِالْبَيِّنَاتِ , فَكَذَّبُوهُمْ كَمَا كَذَّبَكَ قَوْمُكَ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم: 47] يَقُولُ: فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا الْآثَامَ، وَاكْتَسَبُوا السَّيِّئَاتِ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَنَحْنُ فَاعِلُو ذَلِكَ كَذَلِكَ بِمُجْرِمِي قَوْمِكَ

﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47] يَقُولُ: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ، إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا، وَكَذَلِكَ نَفْعَلُ بِكَ وَبِمَنْ آمَنَ بِكَ مِنْ قَوْمِكَ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47] عَلَى الْكَافِرِينَ، وَنَحْنُ نَاصِرُوكَ وَمَنْ آمَنَ بِكَ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِكَ، وَمُظْفِرُوكَ بِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا، يَقُولُ: فَتُنْشِئُ الرِّيَاحُ سَحَابًا، وَهِيَ جَمْعُ سَحَابَةٍ، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم: 48] يَقُولُ:

فَيَنْشُرُهُ اللَّهُ، وَيَجْمَعُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ، وَقَالَ: فَيَبْسُطُهُ، فَوَحَّدَ الْهَاءَ،

وَأُخْرِجَ مَخْرَجَ كِنَايَةِ الْمُذَكِّرِ، وَالسَّحَابُ جَمْعٌ كَمَا وَصَفْتُ , رَدًّا عَلَى لَفْظِ السَّحَابِ، لَا عَلَى مَعْنَاهُ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا تَمٌّ جَيِّدٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ [الروم: 48] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم: 48] وَيَجْمَعُهُ "

جارٍ التحميل