تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 669-682

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ

صفحات 669-682
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " وَكَانَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ يَعْنِي مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمْ يُوثِقُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي أَرْجَئُوا سَبْتَةً لَا يَدْرُونَ أَيُعَذَّبُونَ أَوْ يُتَابُ عَلَيْهِمْ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة: 117] . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَعْنِي مِنْ أَمْوَالِ أَبِي لُبَابَةَ وَصَاحِبَيْهِ فَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ، وَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خَالَفُوا أَبَا لُبَابَةَ، وَلَمْ يُوثِقُوا، وَلَمْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَنْزِلْ عُذْرُهُمْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ.
وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 106] فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَلَكُوا إِذْ لَمْ يَنْزِلْ لَهُمْ عُذْرًا وَجَعَلَ آخَرُونَ يَقُولُونَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ فَصَارُوا مُرْجَئِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ

الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إِلَى الشَّامِ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] يَعْنِي الْمُرْجَئِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةُ فَعُمُّوا بِهَا، فَقَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: 118] . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118] "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، " ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106] قَالَ: هُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106] قَالَ: هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106] هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106] هُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ يُرِيدُ غَيْرَ أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ وَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ عُذْرَهُمْ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ.
وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: هَلَكُوا حِينَ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ فِيهِمْ مَا أَنْزَلَ فِي أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَتَقُولُ فِرْقَةٌ أُخْرَى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانُوا مُرْجَئِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ.
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة: 117] . . الْآيَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] . . الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106] قَالَ: كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، رَهْطٌ مِنَ الْأَنْصَارِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106] قَالَ: هُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 106] وَهُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ حَتَّى أَتَتْهُمْ تَوْبَتُهُمْ مِنَ اللَّهِ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ [التوبة: 106] فَإِنَّهُ يَعْنِي: إِمَّا أَنْ يَحْجِزَهُمُ اللَّهُ عَنِ التَّوْبَةِ بِخُذْلَانِهِ إِيَّاهُمْ، فَيُعَذِّبُهُمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي مَاتُوا عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 106] يَقُولُ: وَإِمَّا يُوَفِقُهُمْ لِلتَّوْبَةِ، فَيَتُوبُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 106] يَقُولُ: وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِأَمْرِهِمْ، وَمَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ، وَالْمُقَامِ عَلَى الذَّنْبِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِمْ وَتَدْبِيرِ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ خَلْقِهِ، لَا يَدْخُلُ حُكْمَهُ خَلَلٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 107] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ ابْتَنُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا، وَهُمْ فِيمَا ذَكَرْنَا اثَنَا عَشَرَ نَفْسًا مِنَ الْأَنْصَارِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ

رُومَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: " أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي مِنْ تَبُوكَ حَتَّى نَزَلَ بِذِي أَوَانَ، بَلَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ.
وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ قَدْ كَانُوا أَتَوْهُ وَهُوَ يَتَجَهَّزُ إِلَى تَبُوكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلَّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَاللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، وَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَأْتِينَا فَتُصَلِّي لَنَا فِيهِ فَقَالَ: «إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ وَحَالِ شُغِلٍ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَلَوْ قَدْ قَدِمْنَا أَتَيْنَاكُمْ إِنَّ شَاءَ اللَّهُ فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ» . فَلَمَّا نَزَلَ بِذِي أَوَانَ أَتَاهُ خَبَرُ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أَوْ أَخَاهُ عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ: «انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ» فَخَرَجَا سَرِيعِينَ حَتَّى أَتَيَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَهُمْ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ، فَقَالَ مَالِكُ لِمَعْنٍ: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي فَدَخَلَ أَهْلَهُ فَأَخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ، فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا، ثُمَّ خَرَجَا يَشْتَدَّانِ حَتَّى دَخَلَا الْمَسْجِدَ وَفِيهِ أَهْلُهُ، فَحَرِّقَاهُ وَهَدَمَاهُ، وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ.
وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا نَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: 107] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
وَكَانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثَنِي عَشَرَ رَجُلًا: خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَمِنْ دَارِهِ أَخْرَجَ مَسْجِدَ الشِّقَاقِ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ وَهُو إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَمُعْتَبُ بْنُ قُشَيْرٍ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبُوحَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبَّادُ بْنُ حُنَيْفٍ أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو

بْنِ عَوْفٍ، وَجَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ وَابْنَاهُ: مُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ، وَزَيْدُ بْنُ جَارِيَةَ، وَنَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ وَهُمْ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَبَحْزَجُ وَهُو إِلَى بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَبِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ وَهُو مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُو إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ رَهْطِ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ " فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَالَّذِينَ ابْتَنُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُفْرًا بِاللَّهِ لِمُحَادَّتِهِمْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفَرِّقُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ بَعْضُهُمْ دُونَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْضُهُمْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَخْتَلِفُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيَفْتَرِقُوا.
﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 107] يَقُولُ: وَإِعْدَادًا لَهُ، لِأَبِي عَامِرِ الْكَافِرِ الَّذِي خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَفَرَ بِهِمَا وَقَاتَلَ رَسُولَ اللَّهِ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 25] يَعْنِي مِنْ قَبْلِ بِنَائِهِمْ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ.
وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَامِرٍ هُوَ الَّذِي كَانَ حَزَّبَ الْأَحْزَابَ، يَعْنِي حَزَّبَ الْأَحْزَابَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا خَذَلَهُ اللَّهُ، لَحِقَ بِالرُّومِ يَطْلُبُ النَّصْرَ مِنْ مَلِكِهِمْ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ يَأْمُرُهُمْ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانُوا بَنَوْهُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ فِيمَا يَزْعُمُ إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِمْ؛ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ

وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} [التوبة: 107] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَيَحْلِفُنَّ بَانُوهُ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى بِبِنَائِنَا إِلَّا الرِّفْقَ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْمَنْفَعَةَ وَالتَّوْسِعَةَ عَلَى أَهْلِ الضَّعْفِ وَالْعِلَّةَ وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ.
وَتِلْكَ هِيَ الْفَعْلَةُ الْحَسَنَةُ.
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 107] فِي حَلِفِهِمْ ذَلِكَ، وَقِيلِهِمْ مَا بَنَيْنَاهُ إِلَّا وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحُسْنَى، وَلَكِنَّهُمْ بَنَوْهُ يُرِيدُونَ بِبِنَائِهِ السُّوأَى ضِرَارًا لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُفْرًا بِاللَّهِ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِرْصَادًا لِأَبِي عَامِرٍ الْفَاسِقِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: 107] وَهُمْ أُنَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرٍ: ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ، وَاسْتَعِدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ سِلَاحٍ، فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرِ مَلَكِ الرُّومِ فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْجِدِهِمْ أَتَوْا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالُوا: قَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا، فَنُحِبُّ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ وَتَدْعُو لَنَا بِالْبَرَكَةِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 109] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 107] قَالَ: لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ، خَرَجَ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْهُمْ بَخْدَجُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَوَدِيعَةَ بْنِ حِزَامٍ، وَمُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ النِّفَاقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَخْدَجٍ: «وَيْلَكَ مَا أَرَدْتَ إِلَى مَا أَرَى؟» فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا الْحُسْنَى وَهُو كَاذِبٌ.
فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَرَادَ أَنْ يَعْذِرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 107] يَعْنِي رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ كَانَ مُحَارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ قَدِ انْطَلَقَ إِلَى هِرَقْلِ، فَكَانُوا يَرْصُدُونَ أَبَا عَامِرٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 107] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 107] قَالَ: أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ انْطَلَقَ إِلَى قَيْصَرِ، فَقَالُوا: إِذَا جَاءَ يُصَلِّي فِيهِ.
كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَى

مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: 107] قَالَ الْمُنَافِقُونَ لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لِأَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقَ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 107] قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 107] قَالَ: هُوَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: 107] قَالَ: هُمْ بَنُو غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ،

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: 107] قَالَ: هُمْ حَيُّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو غَنْمٍ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: 107] قَالَ: هُمْ حَيُّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو غَنْمٍ "

قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 107] أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ انْطَلَقَ إِلَى الشَّأْمِ، فَقَالَ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرَارِ: إِنَّمَا بَنَيْنَاهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أَبُو عَامِرٍ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: 107] . . الْآيَةَ، عَمَدَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، فَابْتَنُوا مَسْجِدًا بِقُبَاءٍ لِيُضَاهُوا بِهِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ.
ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ دَعَا بِقَمِيصِهِ لِيَأْتِيَهُمْ حَتَّى أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 107] فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ، فَرَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ فَقَتَلُوهُ بِإِسْلَامِهِ، قَالَ: إِذَا جَاءَ صَلَّى فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: 108] . . الْآيَةَ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: 107] هُمْ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا بِقُبَاءٍ يُضَارُّونَ بِهِ نَبِيَّ اللَّهِ وَالْمُسْلِمِينَ.
﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 107] كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا رَجَعَ أَبُو عَامِرٍ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ مِنَ الرُّومِ صَلَّى فِيهِ.
وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا قَدِمَ ظَهَرَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 107] قَالَ: مَسْجِدَ قُبَاءٍ، كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهِ كُلُّهُمْ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُنَافِقِينَ، يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ أَبُو حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، وَصَيفِيِّ وَأَخِيهِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.
فَخَرَجَ أَبُو عَامِرٍ هَارِبًا هُوَ وَابْنُ بَالِينَ مِنْ ثَقِيفٍ وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ مِنْ قَيْسٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى لَحِقُوا بِصَاحِبِ الرُّومِ.
فَأَمَّا عَلْقَمَةُ وَابْنُ بَالِينَ فَرَجَعَا فَبَايَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمَا، وَأَمَّا أَبُو عَامِرٍ فَتَنَصَّرَ وَأَقَامَ.
قَالَ: وَبَنَى نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ

لِأَبِي عَامِرٍ، قَالُوا: حَتَّى يَأْتِي أَبُو عَامِرٍ يُصَلِّي فِيهِ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعًا فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ.
وَجَاءُوا يَخْدَعُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رُبَّمَا جَاءَ السَّيْلُ يَقْطَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْوَادِي وَيَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ فَنُصَلِّي فِي مَسْجِدِنَا فَإِذَا ذَهَبَ السَّيْلُ صَلَّيْنَا مَعَهُمْ قَالَ: وَبْنَوْهُ عَلَى النِّفَاقِ.
قَالَ: وَانْهَارَ مَسْجِدُهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: وَأَلْقَى النَّاسُ عَلَيْهِ النَّتِنَ وَالْقِمَامَةَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 107] لِئَلَّا يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 107] أَبِي عَامِرٍ، ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 107] "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا هَارُونُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ لَيْثٍ: " أَنَّ شَقِيقًا، لَمْ يُدْرِكْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ بَنِي عَامِرٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ لَمْ يُصَلُّوا بَعْدُ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَإِنَّهُ بُنِيَ عَلَى ضِرَارٍ، وَكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ ضِرَارًا أَوْ رِيَاءً أَوْ سُمْعَةً فَإِنَّ أَصْلَهُ يَنْتَهِي إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ عَلَى ضِرَارٍ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقُمْ يَا مُحَمَّدُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بَنَاهُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ ضِرَارًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ

الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
ثُمَّ أَقْسَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَقَالَ: ﴿لِمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ﴾ [التوبة: 108] أَنْتَ فِيهِ.
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: 108] ابْتُدِئَ أَسَاسُهُ وَأَصْلُهُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ابْتُدِئَ فِي بِنَائِهِ ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108] يَقُولُ: أَوْلَى أَنْ تَقُومَ فِيهِ مُصَلِّيًا.
وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: 108] مَبْدَأُ أَوَّلِ يَوْمٍ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: لَمْ أَرَهُ مِنْ يَوْمِ كَذَا، بِمَعْنَى مَبْدَؤُهُ، وَمِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يُرَادُ بِهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَيَّامِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَقِيتُ كُلَّ رَجُلٍ، بِمَعْنَى كُلِّ الرِّجَالِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي عَنَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: 108] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي فِيهِ مِنْبَرُهُ وَقَبْرُهُ الْيَوْمَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ

عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَرْسَلَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي، أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، أَيُّ مَسْجِدٍ هُوَ؟ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، أَوْ مَسْجِدُ قُبَاءٍ؟ قَالَ: «لَا، مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ»

قَالَ: ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَمْرٍو الْعَنْقَزِيُّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، قَالُوا: " الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى: مَسْجِدُ الرَّسُولِ "

قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُ الرَّسُولِ»

قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدٍ، قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدٍ، قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُ الرَّسُولِ»

جارٍ التحميل