تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 462-476

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِي جَعَلْنَا حَوْلَهُ الْبَرَكَةَ لِسُكَّانِهِ فِي مَعَايِشِهِمْ وَأَقْوَاتِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ وَغُرُوسِهِمْ

صفحات 462-476
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

صَدِيقَةَ الْمَلِكَ أَنَّ رَبَّهُ قَدِ اسْتَجَابَ لَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ وَرَحِمَهُ، وَقَدْ رَأَى بُكَاءَهُ، وَقَدْ أَخَّرَ أَجَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَنْجَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ سَنْحَارِيبَ مَلِكَ بَابِلَ وَجُنُودِهِ، فَأَتَى شِعْيَاءُ النَّبِيُّ إِلَى ذَلِكَ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ ذَهَبَ عَنْهُ الْوَجَعُ، وَانْقَطَعَ عَنْهُ الشَّرُّ وَالْحَزَنُ، وَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ: يَا إِلَهِي وَآلِهَ آبَائِي، لَكَ سَجَدْتُ وَسَبَّحْتُ وَكَرَّمْتُ وَعَظَّمْتُ، أَنْتَ الَّذِي تُعْطِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزِعُهُ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَأَنْتَ تَرْحَمُ وَتَسْتَجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ، أَنْتَ الَّذِي أَحْبَبْتَ دَعْوَتِي وَرَحِمْتَ تَضَرُّعِي، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى شِعْيَاءَ أَنْ قُلْ لِلْمَلِكِ صَدِيقَةَ فَيَأْمُرَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ بِالتِّينَةِ، فَيَأْتِيهِ بِمَاءِ التِّينِ فَيَجْعَلُهُ عَلَى قُرْحَتِهِ فَيُشْفَى، وَيُصْبِحُ وَقَدْ بَرَأَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فَشُفِيَ.
وَقَالَ الْمَلِكُ لِشِعْيَاءَ النَّبِيِّ: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا عِلْمًا بِمَا هُوَ صَانِعٌ بِعَدُوِّنَا هَذَا.
قَالَ: فَقَالَ اللَّهُ لِشِعْيَاءَ النَّبِيِّ: قُلْ لَهُ: إِنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ عَدُوَّكَ، وَأَنْجَيْتُكَ مِنْهُ، وَإِنَّهُمْ سَيُصْبِحُونَ مَوْتَى كُلُّهُمْ إِلَّا سَنْحَارِيبَ وَخَمْسَةً مِنْ كُتَّابِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَاءَهُمْ صَارِخٌ يُنَبِّئُهُمْ، فَصَرَخَ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ: يَا مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَاكَ عَدُوَّكَ، فَاخْرُجْ، فَإِنَّ سَنْحَارِيبَ وَمَنْ مَعَهُ قَدْ هَلَكُوا، فَلَمَّا خَرَجَ الْمَلِكُ الْتَمَسَ سَنْحَارِيبَ، فَلَمْ يُوجَدْ فِي الْمَوْتَى، فَبَعَثَ الْمَلِكُ فِي طَلَبِهِ، فَأَدْرَكَهُ الطَّلَبُ فِي مَغَارَةٍ وَخَمْسَةً مِنْ كُتَّابِهِ، أَحَدُهُمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَجَعَلُوهُمْ فِي الْجَوَامِعِ، ثُمَّ أَتَوْا بِهِمْ مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا رَآهُمْ خَرَّ سَاجِدًا مِنْ حِينِ طَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتَّى كَانَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ قَالَ لِسَنْحَارِيبَ: كَيْفَ تَرَى فِعْلَ رَبِّنَا بِكُمْ؟ أَلَمْ يَقْتُلْكُمْ

بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَنَحْنُ وَأَنْتُمْ غَافِلُونَ؟ فَقَالَ سَنْحَارِيبُ لَهُ: قَدْ أَتَانِي خَبَرُ رَبِّكُمْ، وَنَصْرُهُ إِيَّاكُمْ، وَرَحْمَتُهُ الَّتِي رَحِمَكُمْ بِهَا قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ بِلَادِي، فَلَمْ أَطِعْ مُرْشِدًا، وَلَمْ يُلْقِنِي فِي الشِّقْوَةِ إِلَّا قِلَّةُ عَقْلِي، وَلَوْ سَمِعْتُ أَوْ عَقَلْتُ مَا غَزَوْتُكُمْ، وَلَكِنَّ الشِّقْوَةَ غَلَبَتْ عَلَيَّ وَعَلَى مَنْ مَعِيَ، فَقَالَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعِزَّةِ الَّذِي كَفَانَاكُمْ بِمَا شَاءَ، إِنَّ رَبَّنَا لَمْ يُبْقِكَ وَمَنْ مَعَكَ لِكَرَامَةٍ بِكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا أَبْقَاكَ وَمَنْ مَعَكَ لِمَّا هُوَ شَرٌّ لَكَ، لِتَزْدَادُوا شِقْوَةً فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابًا فِي الْآخِرَةِ، وَلْتُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ بِمَا لَقِيتُمْ مِنْ فِعْلِ رَبِّنَا، وَلِتُنْذِرَ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَبْقَاكُمْ، فَلَدَمُكَ وَدَمُ مَنْ مَعَكَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ قُرَادٍ لَوْ قَتَلْتُهُ.
ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَمَرَ أَمِيرَ حَرَسِهِ، فَقَذَفَ فِي رِقَابِهِمُ الْجَوَامِعَ، وَطَافَ بِهِمْ سَبْعِينَ يَوْمًا حَوْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِيلِيَا، وَكَانَ يَرْزُقُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَبْزَتَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمٍ، فَقَالَ سَنْحَارِيبُ لِمَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: الْقَتْلُ خَيْرُ مَا يُفْعَلُ بِنَا، فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ، فَنَقَلَ بِهِمُ الْمَلِكُ إِلَى سِجْنِ الْقَتْلِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شِعْيَاءَ النَّبِيِّ أَنْ قُلْ لِمَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرْسِلُ سَنْحَارِيبَ وَمَنْ مَعَهُ لِيُنْذِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ، وَلْيُكْرِمْهُمْ وَيَحْمِلْهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا بِلَادَهُمْ، فَبَلَّغَ النَّبِيُّ شِعْيَاءُ الْمَلِكَ ذَلِكَ، فَفَعَلَ، فَخَرَجَ سَنْحَارِيبُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى قَدِمُوا بَابِلَ، فَلَمَّا قَدِمُوا جَمَعَ النَّاسَ فَأَخْبَرَهُمْ كَيْفَ فَعَلَ اللَّهُ بِجُنُودِهِ، فَقَالَ لَهُ كُهَّانُهُ وَسَحَرَتُهُ: يَا مَلِكَ بَابِلَ قَدْ كُنَّا نَقُصُّ عَلَيْكَ خَبَرَ رَبِّهِمْ وَخَبَرَ نَبِيِّهِمْ، وَوَحْيَ اللَّهِ إِلَى نَبِيِّهِمْ، فَلَمْ تُطِعْنَا، وَهِيَ أُمَّةٌ لَا يَسْتَطِيعُهَا أَحَدٌ مَعَ رَبِّهِمْ، فَكَانَ أَمْرُ سَنْحَارِيبَ مِمَّا خُوِّفُوا، ثُمَّ

كَفَاهُمُ اللَّهُ تَذْكِرَةً وَعِبْرَةً، ثُمَّ لَبِثَ سَنْحَارِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَاتَ.

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ سَنْحَارِيبُ اسْتَخْلَفَ بُخْتَنَصَّرَ ابْنَ ابْنِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ جَدُّهُ يَعْمَلُ بِعَمَلِهِ، وَيَقْضِي بِقَضَائِهِ، فَلَبِثَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ صَدِيقَةَ، فَمَرَجَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَنَافَسُوا الْمُلْكَ، حَتَّى قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، وَنَبِيُّهُمْ شِعْيَاءُ مَعَهُمْ لَا يُذْعِنُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ فِيمَا بَلَغَنَا لِشِعْيَاءَ: قُمْ فِي قَوْمِكَ أُوحِ عَلَى لِسَانِكَ، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ أَنْطَقَ اللَّهُ لِسَانَهُ بِالْوَحْي فَقَالَ: يَا سَمَاءُ اسْتَمِعِي، وَيَا أَرْضُ أَنْصِتِي، فَإِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يَقُصَّ شَأْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ رَبَّاهُمْ بِنِعْمَتِهِ، وَاصْطَفَاهُمْ لِنَفْسِهِ، وَخَصَّهُمْ بِكَرَامَتِهِ، وَفَضَّلَهُمْ عَلَى عِبَادِهِ، وَفَضَّلَهُمْ بِالْكَرَامَةِ، وَهُمْ كَالْغَنَمِ الضَّائِعَةِ الَّتِي لَا رَاعِيَ لَهَا، فَآوَى شَارِدَتَهَا، وَجَمَعَ ضَالَّتَهَا، وَجَبَرَ كَسِيرَهَا، وَدَاوَى مَرِيضَهَا، وَأَسْمَنَ مَهْزُولَهَا، وَحَفِظَ سَمِينَهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بَطِرَتْ، فَتَنَاطَحَتْ كِبَاشُهَا فَقَتَلَ بَعْضُهَا بَعْضًا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا عَظْمٌ صَحِيحٌ يُجْبَرُ إِلَيْهِ آخَرُ كَسِيرٌ، فَوَيْلٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، وَوَيْلٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْخَاطِئِينَ الَّذِينَ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ جَاءَهُمُ الْحِينُ، إِنَّ الْبَعِيرَ رُبَّمَا يَذْكُرُ وَطَنَهُ فَيَنْتَابُهُ، وَإِنَّ الْحِمَارَ رُبَّمَا يَذْكُرُ الآرِيَّ الَّذِي شَبِعَ عَلَيْهِ فَيُرَاجِعُهُ، وَإِنَّ الثَّوْرَ رُبَّمَا يَذْكُرُ الْمَرْجَ الَّذِي سَمِنَ

فِيهِ فَيَنْتَابُهُ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا يَدْرُونَ مِنْ حَيْثُ جَاءَهُمُ الْحِينُ، وَهُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ وَالْعُقُولِ، لَيْسُوا بِبَقَرٍ وَلَا حِمْيَرٍ، وَإِنِّي ضَارِبٌ لَهُمْ مَثَلًا فَلْيَسْمَعُوهُ: قُلْ لَهُمْ: كَيْفَ تَرَوْنَ فِي أَرْضٍ كَانَتْ خَوَاءَ زَمَانًا، خَرِبَةً مَوَاتًا لَا عُمْرَانَ فِيهَا، وَكَانَ لَهَا رَبٌّ حَكِيمٌ قَوِيُّ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا بِالْعِمَارَةِ، وَكَرِهَ أَنْ تُخَرَّبَ أَرْضُهُ وَهُوَ قَوِيُّ، أَوْ يُقَالُ ضَيَّعَ وَهُوَ حَكِيمٌ، فَأَحَاطَ عَلَيْهَا جِدَارًا، وَشَيَّدَ فِيهَا قَصْرًا، وَأَنْبَطَ فِيهَا نَهْرًا، وَصَفَّ فِيهَا غِرَاسًا مِنَ الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ وَالنَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ، وَأَلْوَانِ الثِّمَارِ كُلِّهَا، وَوَلَّى ذَلِكَ وَاسْتَحْفَظَهُ قَيِّمًا ذَا رَأْي وَهِمَّةٍ، حَفِيظًا قَوِيًّا أَمِينًا، وَتَأَنَّى طَلْعَهَا وَانْتَظَرَهَا، فَلَمَّا أَطَلَعَتْ جَاءَ طَلْعُهَا خَرُّوبًا، قَالُوا: بِئْسَتِ الْأَرْضُ هَذِهِ، نَرَى أَنْ يُهْدَمَ جُدْرَانُهَا وَقَصْرُهَا، وَيُدْفَنَ نَهْرُهَا، وَيُقْبَضَ قَيِّمُهَا، وَيُحْرَقَ غِرَاسُهَا حَتَّى تَصِيرَ كَمَا كَانَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، خَرِبَةً مَوَاتًا لَا عُمْرَانَ فِيهَا.
قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: فَإِنَّ الْجِدَارَ ذِمَّتِي، وَإِنَّ الْقَصْرَ شَرِيعَتِي، وَإِنَّ النَّهْرَ كِتَابِي، وَإِنَّ الْقَيِّمَ نَبِيِّي، وَإِنَّ الْغِرَاسَ هُمْ، وَإِنَّ الْخَرُّوبَ الَّذِي أَطْلَعَ الْغِرَاسُ أَعْمَالُهُمُ الْخَبِيثَةُ، وَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ عَلَيْهِمْ قَضَاءَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيَّ بِذِبْحِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَلَيْسَ يَنَالُنِي اللَّحْمُ وَلَا آكُلُهُ، وَيَدَعُونَ أَنْ يَتَقَرَّبُوا بِالتَّقْوَى وَالْكَفِّ عَنْ ذَبْحِ الْأَنْفُسِ الَّتِي حَرَّمْتُهَا، فَأَيْدِيهِمْ مَخْضُوبَةٌ مِنْهَا، وَثِيَابُهُمْ مُتَزَمِّلَةٌ بِدِمَائِهَا، يُشَيِّدُونَ لِي الْبُيُوتَ مَسَاجِدَ، وَيُطَهِّرُونَ أَجْوَافَهَا، وَيُنَجِّسُونَ قُلُوبَهُمْ وَأَجْسَامَهُمْ وَيُدَنِّسُونَهَا، وَيُزَوِّقُونَ لِيَ الْبُيُوتَ وَالْمَسَاجِدِ وَيُزَيِّنُونَهَا، وَيُخْرِبُونَ عُقُولَهُمْ وَأَحْلَامَهُمْ وَيُفْسِدُونَهَا، فَأَيُّ حَاجَةٍ لِي إِلَى تَشْيِيدِ الْبُيُوتِ وَلَسْتُ أَسْكُنُهَا، وَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى تَزْوِيقِ الْمَسَاجِدِ وَلَسْتُ أَدْخَلُهَا، إِنَّمَا

أَمَرْتُ بِرَفْعِهَا لَأُذْكَرَ فِيهَا وَأُسَبِّحَ فِيهَا، وَلِتَكُونَ مُعَلِّمًا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا، يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ اللَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ أُلْفَتَنَا لَجَمَعَهَا، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُفَقِّهَ قُلُوبَنَا لَأَفْقَهَهَا، فَاعْمَدْ إِلَى عُودَيْنِ يَابِسَيْنِ، ثُمَّ ائْتِ بِهِمَا نَادِيهِمَا فِي أَجْمَعِ مَا يَكُونُونَ، فَقُلْ لِلْعُودَيْنِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَكُونَا عُودًا وَاحِدًا، فَلَمَّا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ، اخْتَلَطَا فَصَارَا وَاحِدًا، فَقَالَ اللَّهُ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي قَدَرْتُ عَلَى أُلْفَةِ الْعِيدَانِ الْيَابِسَةِ وَعَلَى أَنْ أُوَلِّفَ بَيْنَهَا، فَكَيْفَ لَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَجْمَعَ أُلْفَتَهُمْ إِنْ شِئْتُ، أَمْ كَيْفَ لَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أُفَقِّهَ قُلُوبَهُمْ، وَأَنَا الَّذِي صَوَّرْتُهَا، يَقُولُونَ: صُمْنَا فَلَمْ يُرْفَعْ صِيَامُنَا، وَصَلَّيْنَا فَلَمْ تُنَوِّرْ صَلَاتُنَا، وَتَصَدَّقْنَا فَلَمْ تَزْكُ صَدَقَاتُنَا، وَدَعَوْنَا بِمِثْلِ حَنِينِ الْحَمَّامِ، وَبَكَيْنَا بِمِثْلِ عُوَاءِ الذِّئْبِ، فِي كُلِّ ذَلِكَ لَا نُسْمَعُ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَنَا، قَالَ اللَّهُ: فَسَلْهُمْ مَا الَّذِي يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْتَجِيبَ لَهُمْ، أَلَسْتُ أَسْمَعُ السَّامِعِينَ، وَأُبْصَرُ النَّاظِرِينَ، وَأَقْرَبُ الْمُجِيبِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؟ أَلِأَنَّ ذَاتَ يَدِي قَلَّتْ كَيْفَ وَيَدَايَ مَبْسُوطَتَانِ بِالْخَيْرِ، أُنْفِقُ كَيْفَ أَشَاءُ، وَمَفَاتِيحُ الْخَزَائِنِ عِنْدِي لَا يَفْتَحُهَا وَلَا يُغْلِقُهَا غَيْرِي أَلَا وَإِنَّ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، إِنَّمَا يَتَرَاحَمُ الْمُتَرَاحِمُونَ بِفَضْلِهَا، أَوْ لِأَنَّ الْبُخْلَ يَعْتَرِينِي أَوَلَسْتُ أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ وَالْفَتَّاحُ بِالْخَيْرَاتِ، أَجْوَدُ مَنْ أَعْطَى، وَأَكْرَمُ مَنْ سُئِلَ لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي نُوِّرَتْ فِي قُلُوبِهِمْ فَنَبَذُوهَا، وَاشْتَرُوا بِهَا الدُّنْيَا، إِذَنْ لَأَبْصَرُوا مِنْ حَيْثُ أَتَوْا، وَإِذَنْ لَأَيْقَنُوا أَنَّ أَنْفُسَهُمْ هِيَ أَعْدَى الْعُدَاةِ لَهُمْ، فَكَيْفَ أَرْفَعُ صِيَامَهُمْ وَهُمْ يُلْبِسُونَهُ بِقَوْلِ الزُّورِ، وَيَتَقَوَّوْنَ عَلَيْهِ بِطُعْمَةِ الْحَرَامِ؟ وَكَيْفَ أُنَوِّرُ صَلَاتَهُمْ، وَقُلُوبُهُمْ صَاغِيَةٌ إِلَى مَنْ يُحَارِبُنِي وَيُحَادُّنِي، وَيَنْتَهِكُ مَحَارِمِي؟ أَمْ كَيْفَ تَزْكُو عِنْدِي صَدَقَاتُهُمْ وَهُمْ يَتَصَدَّقُونَ بِأَمْوَالِ غَيْرِهِمْ؟ وَإِنَّمَا أُوجِرُ عَلَيْهَا أَهْلَهَا

الْمَغْصُوبِينَ، أَمْ كَيْفَ أَسْتَجِيبُ لَهُمْ دُعَاءَهُمْ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالْفِعْلُ مِنْ ذَلِكَ بَعِيدٌ؟ وَإِنَّمَا أَسْتَجِيبُ لِلدَّاعِي اللِّيِّنِ، وَإِنَّمَا أَسْمَعُ مِنْ قَوْلِ الْمُسْتَضْعَفِ الْمِسْكِينِ، وَإِنَّ مِنْ عَلَامَةِ رِضَايَ رِضَا الْمَسَاكِينِ، فَلَوْ رَحِمُوا الْمَسَاكِينَ، وَقَرَّبُوا الضُّعَفَاءَ، وَأَنْصَفُوا الْمَظْلُومَ، وَنَصَرُوا الْمَغْصُوبَ، وَعَدَلُوا لِلْغَائِبِ، وَأَدَّوْا إِلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ، وَكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ثُمَّ لَوْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أُكَلِّمَ الْبَشَرَ إِذَنْ لَكَلَّمْتُهُمْ، وَإِذَنْ لَكُنْتُ نُورَ أَبْصَارِهِمْ، وَسَمْعَ آذَانِهِمْ، وَمَعْقُولَ قُلُوبِهِمْ، وَإِذَنْ لَدَعَّمْتُ أَرْكَانَهُمْ، فَكُنْتُ قُوَّةَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَإِذَنْ لَثَبَّتُّ أَلْسِنَتَهُمْ وَعُقُولَهُمْ.
يَقُولُونَ لَمَّا سَمِعُوا كَلَامِي، وَبَلَّغْتُهُمْ رِسَالَاتِي بِأَنَّهَا أَقَاوِيلُ مَنْقُولَةٌ، وَأَحَادِيثُ مُتَوَارَثَةٌ، وَتَآلِيفُ مِمَّا تُؤَلِّفُ السَّحَرَةُ وَالْكَهَنَةُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَوْ شَاءُوا أَنْ يَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ فَعَلُوا، وَأَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى الْغَيْبِ بِمَا تُوحِي إِلَيْهِمُ الشَّيَاطِينُ اطَّلَعُوا، وَكُلُّهُمْ يَسْتَخْفِي بِالَّذِي يَقُولُ وَيُسِّرْ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْلَمُ مَا يُبْدُونَ وَمَا يَكْتُمُونَ، وَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَضَاءً أُثْبِتُهُ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُ دُونَهُ أَجَلًا مُؤَجَّلًا، لَا بُدُّ أَنَّهُ وَاقِعٌ، فَإِنْ صَدَقُوا بِمَا يَنْتَحِلُونَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، فَلْيُخْبِرُوكَ مَتَى أَنْفَذَهُ، أَوْ فِي أَيِّ زَمَانٍ يَكُونُ، وَإِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَشَاءُونَ، فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِ الْقُدْرَةِ الَّتِي بِهَا أَمْضَيْتُ، فَإِنِّي مُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونِ، وَإِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَقُولُوا مَا يَشَاءُونَ فَلْيُؤَلِّفُوا مِثْلَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَدْبَرَ بِهَا أَمْرُ ذَلِكَ الْقَضَاءِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، فَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ

وَالْأَرْضَ أَنْ أَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِي الْأُجَرَاءِ، وَإِنْ أُحَوِّلَ الْمُلْكَ فِي الرِّعَاءِ، وَالْعِزَّ فِي الْأَذِلَّاءِ، وَالْقُوَّةَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَالْغِنَى فِي الْفُقَرَاءِ، وَالثَّرْوَةَ فِي الْأَقِلَّاءِ، وَالْمَدَائِنَ فِي الْفَلَوَاتِ، وَالْآجَامَ فِي الْمَفَاوِزِ، وَالْبَرْدِيَّ فِي الْغِيطَانِ، وَالْعِلْمَ فِي الْجَهَلَةِ، وَالْحُكْمَ فِي الْأُمِّيِّينَ، فَسَلْهُمْ مَتَى هَذَا، وَمَنِ الْقَائِمُ بِهَذَا، وَعَلَى يَدِ مَنْ أَسُنُّهُ، وَمَنْ أَعْوَانُ هَذِهِ الْأَمْرِ وَأَنْصَارِهِ إِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، فَإِنِّي بَاعِثٌ لِذَلِكَ نَبِيًّا أَمِّيًّا، لَيْسَ أَعْمَى مِنْ عُمْيَانٍ، وَلَا ضَالًّا مِنْ ضَالِّينَ، وَلَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا مُتَزَيِّنٍ بِالْفُحْشِ، وَلَا قَوَّالٍ لِلْخَنَا، أُسَدِّدُهُ لِكُلِّ جَمِيلٍ، أَهَبُ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، أَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولهً، وَالصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْعَرْفُ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ وَالْمَعْرُوفَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أُهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وَأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الْجَهَالَةِ، وَأَرْفَعُ بِهِ بَعْدَ الْخَمَالَةِ، وَأُشْهِّرُ بِهِ بَعْدَ النَّكِرَةِ، وَأُكَثِّرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأُغْنِي بِهِ بَعْدَ الْعَيْلَةِ، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ قُلُوبًا مُخْتَلِفَةً، وَأَهْوَاءً مُشَتَّتَةً، وَأُمَمًا مُتَفَرِّقَةً، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، تَوْحِيدًا لِي، وَإِيمَانًا وَإِخْلَاصًا بِي، يُصَلُّونَ لِي قِيَامًا

وَقُعُودًا، وَرُكُوعًا وَسُجُودًا، يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِي صُفُوفًا وَزُحُوفًا، وَيَخْرُجُونَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِي، أُلْهِمُهُمُ التَّكْبِيرَ وَالتَّوْحِيدَ، وَالتَّسْبِيحَ وَالْحَمْدَ وَالْمِدْحَةَ وَالتَّمْجِيدَ لِي فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ وَمَضَاجِعِهِمْ وَمُتَقَلَّبِهِمْ وَمَثْوَاهُمْ، يُكَبِّرُونَ وَيُهَلِّلُونَ، وَيُقَدِّسُونَ عَلَى رُءُوسِ الْأَسْوَاقِ، وَيُطَهِّرُونَ لِيَ الْوُجُوهَ وَالْأَطْرَافَ، وَيَعْقِدُونَ الثِّيَابَ فِي الْأَنْصَافِ، قُرْبَانُهُمْ دِمَاؤُهُمْ، وَأَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، رَهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، لِيُوثٌ بِالنَّهَارِ، ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ، وَأَنَا ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّهُمْ شِعْيَاءُ إِلَيْهِمْ مِنْ مَقَالَتِهِ عَدَوْا عَلَيْهِ فِيمَا بَلَغَنِي لِيَقْتُلُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَلَقِيَتْهُ شَجَرَةٌ، فَانْفَلَقَتْ فَدَخَلَ فِيهَا، وَأَدْرَكَهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَ بِهِدْبَةٍ مِنْ ثَوْبِهِ فَأَرَاهُمْ إِيَّاهَا، فَوَضَعُوا الْمِنْشَارَ فِي وَسَطِهَا فَنَشَرُوهَا حَتَّى قَطَعُوهَا، وَقَطَعُوهُ فِي وَسَطِهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ السُّدِّيِّ وَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ، كَانَ إِفْسَادُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْأَرْضِ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَتَلَهُمْ زَكَرِيَّا نَبِيُّ اللَّهِ، مَعَ مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ، إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ أَحَلَّ عَلَى يَدِهِ بِهِمْ نِقْمَتَهُ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَعُتُوِّهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ الَّذِي رَوِينَا عَنْهُ، فَكَانَ إِفْسَادُهُمُ الْمَرَّةَ الْأُولَى مَا وُصِفَ مِنْ قَتْلِهِمْ شِعْيَاءَ بْنِ أَمْصِيَا نَبِيَّ اللَّهِ

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَكَرِيَّا مَاتَ مَوْتًا وَلَمْ يُقْتَلْ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ إِنَّمَا هُوَ شِعْيَاءُ، وَإِنَّ بُخْتَنَصَّرَ هُوَ الَّذِي سُلِّطَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى بَعْدَ قَتْلِهِمْ شِعْيَاءَ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ عَنْهُ.
وَأَمَّا إِفْسَادُهُمْ فِي الْأَرْضِ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ، فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ قَتْلَهُمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُنْتَقِمًا بِهِ مِنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، وَأَنَا ذَاكِرٌ اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4] فَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: يَعْنِي بِهِ: اسْتِكْبَارَهُمْ عَلَى اللَّهِ بِالْجَرَاءَةِ عَلَيْهِ، وَخِلَافُهُمْ أَمْرَهُ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ:

مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4] قَالَ: وَلَتَعْلُنَّ النَّاسَ عُلُوًّا كَبِيرًا حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا﴾ [الإسراء: 5] يَعْنِي: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَى الْمَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ

يُفْسِدُونَ بِهِمَا فِي الْأَرْضِ كَمَا:

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا﴾ [الإسراء: 5] قَالَ: إِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَى تَيْنِكَ الْمَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قُضِيتَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: 4]

وَقَوْلُهُ: ﴿بَعَثَنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 5] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعَثَنَا عَلَيْكُمْ﴾ [الإسراء: 5] وَجَّهْنَا إِلَيْكُمْ، وَأَرْسَلَنَا عَلَيْكُمْ ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5] يَقُولُ: ذَوِي بَطْشٍ فِي الْحُرُوبِ شَدِيدٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 5] يَقُولُ: فَتَرَدَّدُوا بَيْنَ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ، وَذَهَبُوا وَجَاءُوا.
يُقَالُ فِيهِ: جاسَ الْقَوْمُ بَيْنَ الدِّيَارِ وَجَاسُوا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَجُسْتُ أَنَا أَجُوسُ جَوْسَا وَجَوَسَانًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 5] قَالَ: مَشَوْا وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَى جَاسُوا: قُتِلُوا، وَيَسْتَشْهِدُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ حَسَّانَ: [البحر الطويل]

وَمِنَّا الَّذِي لَاقَى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ... فَجَاسَ بِهِ الْأَعْدَاءُ عُرْضَ الْعَسَاكِرِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ فَقَتَلُوهُمْ ذَاهِبِينَ وَجَائِينَ، فَيَصِحُّ التَّأْوِيلَانِ جَمِيعًا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 5] وَكَانَ جَوْسُ الْقَوْمِ الَّذِينَ نَبْعَثُ عَلَيْهِمْ خِلَالَ دِيَارِهِمْ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ مَفْعُولًا ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُفُ الْمِيعَادَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5] فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ، وَمِنَ الَّذِينَ بُعِثَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْآخِرَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْعِهمْ بِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى جَالُوتَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ، ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 5] قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَالُوتَ فَجَاسَ خِلَالَ دِيَارِهِمْ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ وَالذُّلَّ، فَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ طَالُوتَ، فَقَاتَلُوا جَالُوتَ، فَنَصَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقُتِلَ جَالُوتُ بِيَدِي دَاوُدَ، وَرَجَعَ اللَّهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مَلِكُهُمْ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا بَعَثَنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 5] قَضَاءٌ قَضَى اللَّهُ عَلَى الْقَوْمِ كَمَا تَسْمَعُونَ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ فِي الْأُولَى جَالُوتَ الْجَزَرِيَّ، فَسَبَى وَقَتَلَ، وَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ كَمَا قَالَ اللَّهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَوْمُ عَلَى دَخَنٍ فِيهِمْ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَمَا الْمَرَّةُ الْأُولَى فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَالُوتَ، حَتَّى بَعَثَ طَالُوتَ وَمَعَهُ دَاوُدُ، فَقَتَلَهُ دَاوُدُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بَعَثَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى سَنْحَارِيبَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ قَائِلِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَنَذْكُرُ مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ مِمَّنْ لَمْ نَذْكُرُهُ قَبْلُ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَعَثَنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5] قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى سَنْحَارِيبَ مِنْ أَهْلِ أَثُورَ وَنَيْنَوَى، فَسَأَلْتُ سَعِيدًا عَنْهَا، فَزَعَمَ أَنَّهَا الْمَوْصِلُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: ثني يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقْرَأُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5] بَكَى وَفَاضَتْ

عَيْنَاهُ، وَطَبَّقَ الْمُصْحَفَ، فَقَالَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الزَّمَانِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ رَبِّ أَرِنِي هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي جَعَلْتَ هَلَاكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدَيْهِ، فَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ مِسْكِينًا بِبَابِلَ، يُقَالُ لَهُ بُخْتَنَصَّرَ، فَانْطَلَقَ بِمَالٍ وَأَعْبُدٍ لَهُ، وَكَانَ رَجُلًا مُوسِرًا، فَقِيلَ لَهُ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ التِّجَارَةَ، حَتَّى نَزَلَ دَارًا بِبَابِلَ، فَاسْتَكْرَاهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَجَعَلَ يَدْعُو الْمَسَاكِينَ وَيَلْطُفُ بِهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ، فَقَالَ: هَلْ بَقِيَ مِسْكِينٌ غَيْرُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مِسْكِينٌ بِفَجِّ آلِ فُلَانٍ مَرِيضٍ يُقَالُ لَهُ بُخْتَنَصَّرَ، فَقَالَ لِغِلْمَتِهِ: انْطَلِقُوا، حَتَّى أَتَاهُ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: بُخْتَنَصَّرَ، فَقَالَ لِغِلْمَتِهِ: احْتَمَلُوهُ، فَنَقَلَهُ إِلَيْهِ وَمَرَّضَهُ حَتَّى بَرَأَ، فَكَسَاهُ وَأَعْطَاهُ نَفَقَةً، ثُمَّ آذَنَ الْإِسْرَائِيلِيُّ بِالرَّحِيلِ، فَبَكَى بُخْتَنَصَّرَ، فَقَالَ الْإِسْرَائِيلِيُّ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي أَنَّكَ فَعَلْتَ بِي مَا فَعَلْتَ، وَلَا أَجِدُ شَيْئًا أَجْزِيكَ، قَالَ: بَلَى شَيْئًا يَسِيرًا، إِنْ مَلَكْتَ أَطَعْتَنِي، فَجَعَلَ الْآخَرَ يَتْبَعُهُ وَيَقُولُ: تَسْتَهْزِئُ بِي؟ وَلَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا سَأَلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِ، فَبَكَى الْإِسْرَائِيلِيُّ وَقَالَ: وَلَقَدْ عَلِمْتَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُعْطِيَنِي مَا سَأَلْتُكَ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يَنْفُذَ مَا قَدْ قَضَاهُ وَكَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَضَرَبَ الدَّهْرَ مِنْ ضَرْبِهِ، فَقَالَ يَوْمًا صَيْحُونُ وَهُوَ مَلِكُ فَارِسَ بِبَابِلَ: لَوْ أَنَّا بَعَثْنَا طَلِيعَةً إِلَى الشَّامِ

قَالُوا: وَمَا ضَرُّكَ لَوْ فَعَلْتَ؟ قَالَ: فَمَنْ تَرَوْنَ؟ قَالُوا: فُلَانٌ، فَبَعَثَ رَجُلًا وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفٍ، وَخَرَجَ بُخْتَنَصَّرَ فِي مَطْبَخِهِ، لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا لِيَأْكُلَ فِي مَطْبَخِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ الشَّامَ وَرَأَى صَاحِبَ الطَّلِيعَةِ أَكْثَرَ أَرْضِ اللَّهِ فَرَسًا وَرَجُلًا جَلْدًا، فَكَسَرَ ذَلِكَ فِي ذَرْعِهِ، فَلَمْ يَسْأَلْ، قَالَ: فَجَعَلَ بُخْتَنَصَّرَ يَجْلِسُ مَجَالِسَ أَهْلِ الشَّامِ فَيَقُولُ: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَغْزُوا بَابِلَ، فَلَوْ غَزَوْتُمُوهَا مَا دُونَ بَيْتِ مَالِهَا شَيْءٌ، قَالُوا: لَا نُحْسِنُ الْقِتَالَ، قَالَ: فَلَوْ أَنَّكُمْ غَزَوْتُمْ، قَالُوا: إِنَّا لَا نُحْسِنُ الْقِتَالَ وَلَا نُقَاتِلُ حَتَّى أَنْفَذَ مَجَالِسَ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ رَجَعُوا فَأَخْبَرَ الطَّلِيعَةَ مَلِكُهُمْ بِمَا رَأَى، وَجَعَلَ بُخْتَنَصَّرَ يَقُولُ لِفَوَارِسِ الْمَلِكِ: لَوْ دَعَانِي الْمَلِكُ لَأَخْبَرْتُهُ غَيْرَ مَا أَخْبَرَهُ فُلَانٌ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَدَعَاهُ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا لَمَّا رَأَى أَكْثَرَ أَرْضِ اللَّهِ فَرَسًا وَرَجُلًا جَلْدًا، كَبُرَ ذَلِكَ فِي رَوْعِهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي لَمْ أَدَعْ مَجْلِسًا بِالشَّامِ إِلَّا جَالَسْتُ أَهْلَهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ كَذَا وَكَذَا، وَقَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا الَّذِي ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: قَالَ الطَّلِيعَةُ لبُخْتَنَصَّرَ: إِنَّكَ فَضَحْتَنِي لَكَ مِائَةُ أَلْفٍ وَتَنْزِعُ عَمَّا قُلْتَ، قَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي بَيْتَ مَالِ بَابِلَ مَا نَزَعْتُ، ضَرَبَ الدَّهْرُ مِنْ ضَرْبِهِ، فَقَالَ الْمَلِكُ: لَوْ بَعَثَنَا

جَرِيدَةَ خَيْلٍ إِلَى الشَّامِ، فَإِنْ وَجَدُوا مَسَاغًا سَاغُوا، وَإِلَّا انْثَنَوْا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، قَالُوا: مَا ضَرُّكَ لَوْ فَعَلْتَ؟ قَالَ: فَمَنْ تَرَوْنَ؟ قَالُوا: فُلَانٌ، قَالَ: بَلِ الرَّجُلُ الَّذِي أَخْبَرَنِي مَا أَخْبَرَنِي، فَدَعَا بُخْتَنَصَّرَ وَأَرْسَلَهُ، وَانْتَخَبَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ فُرْسَانِهِمْ، فَانْطَلَقُوا فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، فَسَبُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَمْ يُخَرِّبُوا وَلَمْ يَقْتُلُوا.
وَمَاتَ صَيْحُونُ الْمَلِكُ قَالُوا: اسْتَخْلَفُوا رَجُلًا، قَالُوا: عَلَى رِسْلِكُمْ حَتَّى تَأْتِيَ أَصْحَابُكُمْ فَإِنَّهُمْ فُرْسَانُكُمْ، لَنْ يَنْقُضُوا عَلَيْكُمْ شَيْئًا، أَمْهِلُوا، فَأَمْهَلُوا حَتَّى جَاءَ بُخْتَنَصَّرَ بِالسَّبْي وَمَا مَعَهُ، فَقَسَمَهُ فِي النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا أَحَقَّ بِالْمُلْكِ مِنْ هَذَا، فَمَلَّكُوهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: ظَهَرَ بُخْتَنَصَّرَ عَلَى الشَّامِ، فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أَتَى دِمَشْقَ، فَوَجَدَ بِهَا دَمًا يَغْلِي عَلَى كِبَا: أَيْ كُنَاسَةٍ، فَسَأَلَهُمْ مَا هَذَا الدَّمُ؟ قَالُوا: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذَا وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْكَبَا ظَهَرَ، قَالَ: فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَسَكَنَ

وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، قَالُوا: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قِتَالٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 5] قَالَ: مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ فَارِسَ يَتَجَسَّسُونَ أَخْبَارَهُمْ، وَيَسْمَعُونَ حَدِيثَهُمْ، مَعَهُمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَوَعَى أَحَادِيثَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَارِسُ وَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ، وَنُصِرَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَهَذَا وَعْدُ الْأُولَى

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5] جُنْدٌ جَاءَهُمْ مِنْ فَارِسَ يَتَجَسَّسُونَ أَخْبَارَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ

  • حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدِ ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5] قَالَ: ذَلِكَ أَيْ مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ فَارِسَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ أَدَلْنَاكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ

جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يَبْعَثُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْإِدَالَةُ وَالْكَرَّةُ لَهُمْ عَلَيْهِمْ، فِيمَا ذَكَرَ السُّدِّيُّ فِي خَبَرِهِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَزَوْهُمْ، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ، وَاسْتَنْقَذُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْهُمْ.
وَفِي قَوْلِ آخَرِينَ: إِطْلَاقُ الْمَلِكِ الَّذِي غَزَاهُمْ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ أَسْرَاهُمْ، وَرَدَّ مَا كَانَ أَصَابَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ.
وَفِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنْهُ هِيَ إِدَالَةُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ جَالُوتَ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ فِيمَا مَضَى

جارٍ التحميل