تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 474-483

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

صفحات 474-483
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا: (دَارَسْتَ)

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: ثنا أَبُو الْمُعَلَّى قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (دَارَسْتَ) بِالْأَلِفِ، بِجَزْمِ السِّينِ وَنَصْبِ التَّاءِ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ كَيْسَانَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَأُ: ( دَارَسْتَ) : «تَلَوْتَ، خَاصَمْتَ، جَادَلْتَ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي (دَارَسْتَ) ، قَالَ: «تَلَوْتَ، خَاصَمْتَ، جَادَلْتَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ) ، قَالَ: «قَارَأْتَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا آدَمُ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: ثنا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَرَأَ: (دَارَسْتَ) بِالْأَلِفِ أَيْضًا مُنْتَصِبَةَ التَّاءِ، وَقَالَ: «قَارَأْتَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَرَأَ: (دَارَسْتَ) : أَيْ «نَاسَخْتَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: (دَارَسْتَ) قَالَ: " فَاقَهْتَ: قَرَأْتَ عَلَى يَهُودَ وَقَرءُوا عَلَيْكَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: (وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ) قَالَ: «قَارَأْتَ، قَرَأْتَ عَلَى يَهُودَ وَقَرءُوا عَلَيْكَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: (دَارَسْتَ) يَعْنِي: «أَهْلَ الْكِتَابِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: (دَارَسْتَ) قَالَ: «قَرَأْتَ عَلَى يَهُودَ، وَقَرءُوا عَلَيْكَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: 105] قَالَ: قَالُوا دَارَسْتَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَقَرَأْتَ الْكُتُبَ وَتَعَلَّمْتَهَا " ذِكْرُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ (دُرِسْتَ) بِمَعْنَى: نُبِّئْتَ وَقُرِئْتَ، عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ

حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، وَسَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دُرِسْتَ) : «أَيْ قُرِئْتَ وَتَعَلَّمْتَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: (دُرِسْتَ) : قُرِئْتَ وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (دَرَسَ)

ذِكْرُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: (دَرَسَتْ) بِمَعْنَى: انْمَحَتْ وَتَقَادَمَتْ، أَيْ هَذَا الَّذِي تَتْلُوهُ عَلَيْنَا قَدْ مَرَّ بِنَا قَدِيمًا وَتَطَاوَلَتْ مُدَّتُهُ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ " يَقْرَأُ: (وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ) : أَيِ انْمَحَتْ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا آدَمُ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (دَرَسَتْ) بِغَيْرِ أَلِفٍ، بِنَصْبِ السِّينِ وَوَقْفِ التَّاءِ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: " إِنَّ صِبْيَانًا هَهُنَا يَقْرَءُونَ: (دَارَسْتَ) ، وَإِنَّمَا هِيَ: (دَرَسَتْ) "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ الْحَسَنُ: (وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ) يَقُولُ: «تَقَادَمَتْ وَانْمَحَتْ» وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: (دَرَسَ) ، مِنْ دَرَسَ الشَّيْءَ: تَلَاهُ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الثَّعْلَبِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: هِيَ فِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ: (وَلِيَقُولُوا دَرَسَ) ، قَالَ: يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ مَرَّةً دَرَسَتْ، وَمَرَّةً دَرَسَ، فَيُخَاطِبُ مَرَّةً وَيُخْبِرُ مَرَّةً، مِنْ أَجْلِ الْقَوْلِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَوْلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا، وَالدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّةِ مَا اخْتَرْنَا مِنْهَا

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 105] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا صَرَّفْنَا الْآيَاتِ وَالْعِبَرَ وَالْحُجَجَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ، كَذَلِكَ نُصَرِّفُ لَهُمُ الْآيَاتِ فِي غَيْرِهَا، كَيْلَا يَقُولُوا لِرَسُولِنَا الَّذِي أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِمْ: إِنَّمَا تَعَلَّمْتَ مَا تَأْتِينَا بِهِ تَتْلُوهُ عَلَيْنَا مِنْ

أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ الْإِفْكَ وَالزُّورَ، وَلِنُبَيِّنَ تَصْرِيفَنَا الْآيَاتِ الْحَقَّ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ، فَيَتَّبِعُوهُ وَيَقْبَلُوهُ، وَلَيْسُوا كَمَنْ إِذَا بُيِّنَ لَهُمْ عَمُوا عَنْهُ فَلَمْ يَعْقِلُوهُ وَازْدَادُوا مِنَ الْفَهْمِ بِهِ بُعْدًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107]

يقولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّبِعْ يَا مُحَمَّدُ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ فِي وَحْيِهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْكَ، فَاعْمَلْ بِهِ، وَانْزَجِرْ عَمَّا زَجَرَكَ عَنْهُ فِيهِ، وَدَعْ مَا يَدْعُوكَ إِلَيْهِ مُشْرِكُو قَوْمِكَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، فَإِنَّهُ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] يَقُولُ: لَا مَعْبُودَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْكَ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لَهُ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي هُوَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَفَالِقُ الْإِصْبَاحِ، وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 106] يَقُولُ: وَدَعْ عَنْكَ جِدَالَهُمْ وَخُصُومَتَهُمْ.
ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ فِي بَرَاءَةَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] الْآيَةَ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 106] وَنَحْوِهِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْرِضْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، وَدَعْ عَنْكَ جِدَالَهُمْ وَخُصُومَتَهُمْ وَمُسَابَّتَهُمْ.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: 107] يَقُولُ: لَوْ أَرَادَ رَبُّكَ

هِدَايَتَهُمْ وَاسْتِنْقَاذَهُمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ لَلَطَفَ لَهُمْ بِتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلَآمَنُوا بِكَ فَاتَّبَعُوكَ وَصَدَّقُوا مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ.
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: 107] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنَّمَا بَعَثْتُكَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا مُبَلِّغًا، وَلَمْ نَبْعَثْكَ حَافِظًا عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَامِلُوهُ وَتُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِلَيْنَا دُونَكَ.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107] يَقُولُ: وَلَسْتَ عَلَيْهِمْ بِقَيِّمٍ تَقُومُ

بِأَرْزَاقِهِمْ وَأَقْوَاتِهِمْ، وَلَا بِحِفْظِهِمْ فِيمَا لَمْ يُجْعَلْ إِلَيْكَ حِفْظُهُ مِنْ أَمْرِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: 107] " يَقُولُ سُبْحَانَهُ: لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 108] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ

اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، فَيَسُبُّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ وَاعْتِدَاءً بِغَيْرِ عِلْمٍ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] قَالَ: " قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] ": كَانَ الْمُسْلِمُونَ

يَسُبُّونَ أَوْثَانَ الْكُفَّارِ، فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَسِبُّوا لِرَبِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِاللَّهِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] ، قَالَ: " لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَتْ قُرَيْشٌ: انْطَلِقُوا بِنَا فَلْنَدْخُلْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَلْنَأْمُرْهُ أَنْ يَنْهَى عَنَّا ابْنَ أَخِيهِ، فَإِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَقُولُ الْعَرَبُ: كَانَ يَمْنَعُهُ، فَلَمَّا مَاتَ قَتَلُوهُ، فَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُمَيَّةُ وَأُبَيُّ ابْنَا خَلَفٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْبَخْتَرِيِّ، وَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُطَّلِبُ، قَالُوا: اسْتَأْذِنْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَى أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ، يُرِيدُونَ الدُّخُولَ عَلَيْكَ.
فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذَانَا وَآذَى آلِهَتَنَا، فَنُحِبُّ أَنْ تَدَعُوهُ فَتَنْهَاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنَا، وَلْنَدَعُهُ وِإِلَهَهُ.
فَدَعَاهُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ وَبَنُو عَمِّكَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تُرِيدُونَ؟» قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَدَعَنَا وَآلَهَتَنَا، وَنَدَعَكَ وِإِلَهَكَ.
قَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: قَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذَا، هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمُ الْعَرَبَ، وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ بِالْخَرَاجِ؟» قَالَ أَبُو جَهْلٍ: نَعَمْ وَأَبِيكَ لَنُعْطِينَّكَهَا وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَمَا هِيَ؟ قَالَ: " قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، فَأَبَوْا وَاشْمَأَزُّوا.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ غَيْرَهَا،

فَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنْهَا، قَالَ: «يَا عَمُّ، مَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ غَيْرَهَا حَتَّى يَأْتُوا بِالشَّمْسِ فَيَضَعُوهَا فِي يَدَيَّ، وَلَوْ أَتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوهَا فِي يَدَيَّ مَا قُلْتُ غَيْرَهَا» ، إِرَادَةَ أَنْ يُؤَيِّسَهُمْ.
فَغَضِبُوا وَقَالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنَا، أَوْ لَنَشْتُمَنَّكَ وَلَنَشْتُمَنَّ مَنْ يَأْمُرُكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَامَ الْكُفَّارِ، فَيَسُبُّ الْكُفَّارُ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] قَالَ: «إِذَا سَبَبْتَ إِلَهَهُ سَبَّ إِلَهَكَ، فَلَا تَسُبُّوا آلِهَتَهُمْ» وَأَجْمَعَتِ الْحُجَّةُ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَسْكِينِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿عَدْوًا﴾ [البقرة: 97] ، عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ: إِذَا ظَلَمَهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ، يَعْدُو عَدْوًا وَعُدْوَانًا، وَالِاعْتِدَاءُ: إِنَّمَا هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ ذَلِكَ.
رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (عَدُوًّا) مُشَدَّدَةَ الْوَاوِ

حَدَّثَنِي بِذَلِكَ، أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ،

عَنْ هَارُونَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا) مَضْمُومَةُ الْعَيْنِ مُثَقَّلَةٌ " وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوًّا) يُوَجِّهُ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 77] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1] ، وَيَجْعَلُ نَصْبَ (الْعَدُوَّ) حِينَئِذٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ذِكْرِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَسُبُّوا﴾ [الأنعام: 108] ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَا تَسُبُّوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَسُبُّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ هَكَذَا كَانَ الْعَدُوُّ مِنْ صِفَةِ الْمُشْرِكِينَ وَنَعْتِهِمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَيَسُبُّ الْمُشْرِكُونَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَكِنَّ الْعَدُوَّ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ النَّكِرَةَ وَهُوَ نَعْتٌ لِلْمَعْرِفَةِ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَغَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 108] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ عِبَادَةَ

الْأَوْثَانِ وَطَاعَةَ الشَّيْطَانِ بِخُذْلَانِنَا إِيَّاهُمْ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَى عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ عَمَلَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ، ثُمَّ مَرْجِعُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَصِيرُهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يَقُولُ: فَيُوقِفُهُمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُجَازِيهِمْ بِهَا إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرٌّ، أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكًا أَوْ كُفْرًا

جارٍ التحميل