قَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: 58] يَقُولُ: وَاعْبُدْهُ شُكْرًا مِنْكَ لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
قَوْلُهُ: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58] يَقُولُ: وَحَسْبُكَ بِالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ خَابِرًا بِذُنُوبِ خَلْقِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَهُوَ مُحْصٍ جَمِيعَهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهِمْ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58] , ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ فَقَالَ: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: 17] وَقَدْ ذَكَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ،
وَالسَّمَوَاتُ جِمَاعٌ لِأَنَّهُ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى الصِّنْفَيْنِ وَالشَّيْئَيْنِ، كَمَا قَالَ الْقُطَامِيُّ: [البحر الوافر] أَلَمْ يَحْزُنْكَ أَنَّ حِبَالَ قَيْسٍ ... وَتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعَا يُرِيدُ: وَحِبَالَ تَغْلِبَ فَثَنَّى، وَالْحِبَالُ جَمْعٌ، لِأَنَّهُ أَرَادَ الشَّيْئَيْنِ وَالنَّوْعَيْنِ
وَقَوْلِهِ: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54] قِيلَ: كَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَالْفَرَاغُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 59]
وَعَلَا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ فِيمَا قِيلَ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59] يَقُولُ: فَاسْأَلْ يَا مُحَمَّدُ خَبِيرًا بِالرَّحْمَنِ، خَبِيرًا بِخَلْقِهِ، فَإِنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا خَلَقَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلَهُ: " ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59] قَالَ: يَقُولُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَخْبَرْتُكَ شَيْئًا , فَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا أَخْبَرْتُكَ , أَنَا الْخَبِيرُ ". وَالْخَبِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59] مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿بِهِ﴾ [الفرقان: 59]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ، أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا، وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: 60] أَيِ اجْعَلُوا سُجُودَكُمْ لِلَّهِ خَالِصًا دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ
, قَالُوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: 60] . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: 60] بِمَعْنَى: أَنَسْجُدُ نَحْنُ يَا مُحَمَّدُ لِمَا تَأْمُرُنَا أَنْتَ أَنْ نَسْجُدَ لَهُ؟
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (لِمَا يَأْمُرُنَا) ، بِالْيَاءِ , بِمَعْنَى: أَنَسْجُدُ لِمَا يَأْمُرُ الرَّحْمَنُ؟ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ كَانَ يُدْعَى الرَّحْمَنُ , فَلَمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ , قَالُوا: أَنَسْجُدُ لَمَّا يَأْمُرُنَا رَحْمَنُ الْيَمَامَةِ؟ يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] يَقُولُ: وَزَادَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَوْلُ الْقَائِلِ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ مِنْ إِخْلَاصِ السُّجُودِ لِلَّهِ , وَإِفْرَادِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ بُعْدًا مِمَّا دُعُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِرَارًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا، وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: 61] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَقَدَّسَ الرَّبُّ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا؛ وَيَعْنِي بِالْبُرُوجِ: الْقُصُورَ فِي قَوْلِ بَعْضُهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , وَسَلَمُ بْنُ جُنَادَةَ , قَالُوا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: 61] قَالَ: قُصُورًا فِي السَّمَاءِ , فِيهَا الْحَرَسُ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثني أَبُو مُعَاوِيَةَ , قَالَ: ثني إِسْمَاعِيلُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: 61] قَالَ: قُصُورًا فِي السَّمَاءِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: " ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: 61] قَالَ: قُصُورًا فِي السَّمَاءِ "
حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: ثني عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: 61] قَالَ: قُصُورًا فِي السَّمَاءِ فِيهَا الْحَرَسُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ النُّجُومُ الْكِبَارُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: 61] قَالَ: النُّجُومُ الْكِبَارُ "
قَالَ: ثنا الضَّحَّاكٌ، عَنْ مَخْلَدٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الْكَوَاكِبُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿بُرُوجًا﴾ [الحجر: 16] قَالَ: الْبُرُوجُ: النُّجُومُ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ قُصُورٌ فِي السَّمَاءِ , لِأَنَّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78] وَقَوْلُ الْأَخْطَلِ: [البحر البسيط] كَأَنَّهَا بُرْجُ رُومِيٍّ يُشَيِّدُهُ ... بَانٍ بِحِصٍّ وَآجُرٍّ وَأَحْجَارِ يَعْنِي بِالْبُرْجِ الْقَصْرَ
قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ [الفرقان: 61] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ [الفرقان: 61] عَلَى التَّوْحِيدِ , وَوَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا الشَّمْسَ , وَهِيَ السَّرَّاجُ الَّتِي عَنِيَ عِنْدَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾
[الفرقان: 61]
كَمَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: 61] قَالَ: " السِّرَاجُ: الشَّمْسُ ". وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (وَجَعَلَ فِيهَا سُرُجًا) عَلَى الْجِمَاعِ , كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ: وَجَعَلَ فِيهَا نُجُومًا ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: 61] وَجَعَلُوا النُّجُومَ سُرُجًا إِذْ كَانَ يُهْتَدَى بِهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ , لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ مَفْهُومٌ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ