الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 89] قَالَ: الْيَهُودُ، كَانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا هَذَا النَّبِيَّ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ؛ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: 89] يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ، وَهُوَ الْبَارِقِيُّ: فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: 89] فَذَكَرَ مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلُهُ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 89] كَانَتِ الْيَهُودُ تَسْتَفْتِحُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُفَّارِ الْعَرَبِ مِنْ قَبْلُ، وَقَالُوا: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ يُعَذِّبُهُمْ وَيَقْتُلُهُمْ.
فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَوْا أَنَّهُ بُعِثَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: " كَانَتِ الْيَهُودُ تَسْتَنْصِرُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا حَتَّى يُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَيَقْتُلُهُمْ.
فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89] "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَمُرُّ بِالْيَهُودِ فَيُؤْذُونَهُمْ، وَكَانُوا يَجِدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ، وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَهُ فَيُقَاتِلُوا مَعَهُ الْعَرَبَ؛ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ كَفَرُوا بِهِ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ قَوْلُهُ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 89] قَالَ: " كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّارِ الْعَرَبِ بِخُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ.
فَلَمَّا خَرَجَ وَرَأَوْهُ لَيْسَ مِنْهُمْ كَفَرُوا، وَقَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ وَأَنَّهُ النَّبِيُّ، قَالَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89] "
قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: " يَسْتَفْتِحُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ إِنَّهُ يَخْرُجُ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة: 89] وَكَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ، ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّارِ الْعَرَبِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي الْحِجَابِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ عَرَفُوا مُحَمَّدًا أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَكَفَرُوا بِهِ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 89] قَالَ: كَانُوا يَسْتَظْهِرُونَ يَقُولُونَ نَحْنُ نُعِينُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِمْ، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ؛ يَكْذِبُونَ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] قَالَ: " كَانَتْ يَهُودُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّارِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قَدْ جَاءَ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ مُوسَى وَعِيسَى أَحْمَدُ لَكَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ.
وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَالْعَرَبُ حَوْلَهُمْ، وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ وَيَسْتَنْصِرُونَ بِهِ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] وَحَسَدُوهُ.
وَقَرَأَ قَوْلَ
اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] قَالَ: قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُولٌ، فَمِنْ هُنَالِكَ نَفَعَ اللَّهُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ بِمَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُمْ أَنَّ نَبِيًّا خَارِجٌ " فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَأَيْنَ جَوَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: 89] قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي جَوَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِمَّا تُرِكَ جَوَابُهُ اسْتِغْنَاءً بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ بِمَعْنَاهُ وَبِمَا قَدْ ذُكِرَ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ إِذَا طَالَ الْكَلَامُ، فَتَأْتِي بِأَشْيَاءَ لَهَا أَجْوِبَةٌ فَتَحْذِفُ أَجْوِبَتَهَا لِاسْتِغْنَاءِ سَامِعِيهَا بِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَعْنَاهَا عَنْ ذِكْرِ الْأَجْوِبَةِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31] فَتُرِكَ جَوَابُهُ.
وَالْمَعْنَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سِوَى هَذَا الْقُرْآنِ سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ لَسُيِّرَتْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، اسْتِغْنَاءً بِعِلْمِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: 89] . وَقَالَ آخَرُونَ: جَوَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 89] فِي الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] وَجَوَابُ الْجَزَاءَيْنِ فِي كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِكَ: لَمَّا قُمْتَ فَلَمَّا جِئْتَنَا أَحْسَنْتَ، بِمَعْنَى: لَمَّا جِئْتَنَا إِذْ قُمْتَ أَحْسَنْتَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89] قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى اللَّعْنَةِ وَعَلَى مَعْنَى الْكُفْرِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.
فَمَعْنَى الْآيَةِ: فَخِزْيُ اللَّهِ وَإِبْعَادُهُ عَلَى الْجَاحِدِينَ مَا قَدْ عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ الْمُنْكِرِينَ، لِمَا قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَفِي إِخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْيَهُودِ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا الْكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِمْ وَقَطَعَ اللَّهُ عُذْرَهُمْ بِأَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
وَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 90] سَاءَ مَا اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.
وَأَصْلُ بِئْسَ بَئِسَ مِنَ الْبُؤْسِ، سُكِّنَتْ هَمْزَتُهَا ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْبَاءِ، كَمَا قِيلَ فِي ظَلِلْتُ ظِلْتُ، وَكَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ: كِبْدٌ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْبَاءِ إِلَى الْكَافِ لَمَّا سَكَنَتِ الْبَاءُ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِئْسَ وَإِنْ كَانَ
أَصْلُهَا بِئْسَ مِنْ لُغَةِ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ حَرَكَةَ الْعَيْنِ مِنْ فَعَلَ إِلَى الْفَاءِ إِذَا كَانَتْ عَيْنُ الْفِعْلِ أَحَدٍ حُرُوفِ الْحَلْقِ السِّتَّةِ، كَمَا قَالُوا مِنْ لَعِبَ لِعْبَ، وَمِنْ سَئِمَ سِئْمَ، وَذَلِكَ فِيمَا يُقَالُ لُغَةٌ فَاشِيَةٌ فِي تَمِيمٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ دَالَّةً عَلَى الذَّمِّ وَالتَّوْبِيخِ وَوُصِلَتْ بِمَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى مَا الَّتِي مَعَ بِئْسَمَا، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هِيَ وَحْدَهَا اسْمٌ، وَأَنْ يَكْفُرُوا تَفْسِيرٌ لَهُ، نَحْوَ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وَأَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بَدَلَ مِنْ أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: مَعْنَى ذَلِكَ: بِئْسَ الشَّيْءُ اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا، فَمَا اسْمُ بِئْسَ، وَأَنْ يَكْفُرُوا الِاسْمُ الثَّانِي.
وَزَعَمَ أَنَّ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ أَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَإِنْ شِئْتَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ.
أَمَّا الرَّفْعُ: فَبِئْسَ الشَّيْءُ هَذَا إِنْ فَعَلُوهُ؛ وَأَمَّا الْخَفْضُ: فَبِئْسَ الشَّيْءُ اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 80] كَمِثْلِ ذَلِكَ.
وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ مَا وَحْدَهَا فِي هَذَا الْبَابِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ التَّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] وَبِئْسَمَا أَنْتَ.
وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِرَجَزِ بَعْضِ الرُّجَّازِ:
[البحر الرجز]
لَا تَعْجَلَا فِي السَّيْرِ وَادْلُوَاهَا ... لَبِئْسَمَا بُطْءٌ وَلَا نَرْعَاهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَبِئْسَمَا تَزْوِيجٌ وَلَا مَهْرٌ، فَيَجْعَلُونَ مَا وَحْدَهَا اسْمًا بِغَيْرِ صِلَةٍ.
وَقَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَا يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَلِي بِئْسَ مَعْرِفَةً مُؤَقَّتَةً وَخَبَرُهُ مَعْرِفَةً مُؤَقَّتَةً.
وَقَدْ زَعَمَ أَنَّ بِئْسَمَا بِمَنْزِلَةِ: بِئْسَ الشَّيْءُ اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، فَقَدْ صَارَتْ مَا بِصِلَتِهَا اسْمًا مُوَقَّتًا؛ لِأَنَّ اشْتَرُوا فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ صِلَةِ مَا فِي قَوْلِ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَإِذَا وُصِلَتْ بِمَاضٍ مِنَ الْفِعْلِ كَانَتْ مَعْرِفَةً مُوَقَّتَةً مَعْلُومَةً؛ فَيَصِيرُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: بِئْسَ شِرَاؤُهُمْ كُفْرَهُمْ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ غَيْرُ جَائِزٍ، فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ.
وَكَانَ آخَرُ مِنْهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ أَنْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ إِنْ شِئْتَ، وَرَفْعٍ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا الْخَفْضُ فَأَنْ تَرُدَّهُ عَلَى الْهَاءِ الَّتِي فِي بِهِ عَلَى التَّكْرِيرِ عَلَى كَلَامَيْنِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: اشْتَرَوْا أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ.
وَأَمَّا الرَّفْعُ فَأَنْ يَكُونَ مُكَرَّرًا عَلَى مَوْضِعِ مَا الَّتِي تَلِي بِئْسَ.
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى قَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِئْسَمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ يُرَافِعُ مَا بَعْدَهُ كَمَا حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ: بِئْسَمَا تَزْوِيجٌ وَلَا مَهْرٌ، فَرَافِعُ تَزْوِيجٍ بِئْسَمَا، كَمَا يُقَالُ: بِئْسَمَا زَيْدٌ، وَبِئْسَمَا عَمْرٌو، فَيَكُونُ بِئْسَمَا رَفْعًا بِمَا عَادَ عَلَيْهَا مِنَ الْهَاءِ، كَأَنَّكَ
قُلْتَ: بِئْسَ شَيْءٌ الشَّيْءُ اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَتَكُونُ أَنْ مُتَرْجِمَةً عَنْ بِئْسَمَا.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ بِئْسَمَا مَرْفُوعًا بِالرَّاجِعِ مِنَ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿اشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: 90] كَمَا رَفَعُوا ذَلِكَ بِعَبْدِ اللهِ إِذْ قَالُوا بِئْسَمَا عَبْدُ اللهِ وَجَعَلُوا أَنْ يَكْفُرُوا مُتَرْجِمَةً عَنْ بِئْسَمَا فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ بِئْسَ الشَّيْءُ بَاعَ الْيَهُودُ بِهِ أَنْفُسَهُمْ كُفْرُهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا وَحَسَدًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَتَكَونُ أَنْ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ﴾ [البقرة: 90] فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأَنَّهُ يَعْنِي بِهِ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مُنْفَصِلَةً عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَوْضُعُهُ أَنْ جَرٌّ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَزْعُمُ أَنَّ أَنْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِنِيَّةِ الْبَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا فِيهَا النَّصْبَ لِتَمَنِّي الْخَبَرَ بَعْدَهَا وَلَا خَافِضَ مَعَهَا يَخْفِضُهَا وَالْحَرْفُ الْخَافِضُ لَا يَخْفِضُ مُضْمَرًا وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 90] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ
كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿بِئْسَمَا اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 90] يَقُولُ: بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " ﴿بِئْسَمَا اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 90] يَهُودُ شَرَوُا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَكِتْمَانُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُبَيِّنُوهُ " وَالْعَرَبُ تَقُولُ: شَرَيْتُهُ بِمَعْنَى بِعْتُهُ، وَاشْتَرُوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ افْتَعَلُوا مِنْ شَرَيْتُ.
وَكَلَامُ الْعَرَبِ فِيمَا بَلَغَنَا أَنْ يَقُولُوا: شَرَيْتُ بِمَعْنَى بِعْتُ، وَاشْتَرَيْتُ بِمَعْنَى ابْتَعْتُ.
وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ الشَّارِي شَارِيًا لِأَنَّهُ بَاعَ نَفْسَهُ وَدُنْيَاهُ بِآخِرَتِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرِّغٍ الْحِمْيَرِيِّ:
[البحر الكامل]
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ
وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُسَيِّبِ بْنِ عَلَسٍ:
[البحر الكامل]
يُعْطَى بِهَا ثَمَنًا فَيَمْنَعَهَا ... وَيَقُولُ صَاحِبُهَا أَلَا تَشْرِي
يَعْنِي بِهِ: بِعْتُ بُرْدًا.
وَرُبَّمَا اسْتَعْمَلَ اشْتَرَيْتُ بِمَعْنَى بِعْتُ،
وَشَرَيْتُ فِي مَعْنَى ابْتَعْتُ، وَالْكَلَامُ الْمُسْتَفِيضُ فِيهِمْ هُوَ مَا وَصَفْتُ