تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 557-567

وَقَوْلُهُ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَرَزَقْنَاهُمُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ، وَالذِّكْرَ الْجَمِيلَ مِنَ النَّاسِ

صفحات 557-567
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50] يَقُولُ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اللِّسَانَ الَّذِي جَعَلَ لَهُمْ بِالْعُلُوِّ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْمِلَلِ تُحْسِنُ الثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ جَاءَنِي لِسَانُ فُلَانٍ، تَعْنِي ثَنَاءَهُ أَوْ ذَمَّهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ: [البحر البسيط] إِنِّي أَتَتْنِي لِسَانٌ لَا أُسَرُّ بِهَا ... مِنْ عَلْوَ لَا عَجَبٌ مِنْهَا وَلَا سَخَرُ وَيُرْوَى: لَا كَذِبَ فِيهَا وَلَا سَخَرُ.

جَاءَتْ مُرَجَّمَةً قَدْ كُنْتُ أَحْذَرُهَا ... لَوْ كَانَ يَنْفَعُنِي الْإِشْفَاقُ وَالْحَذَرُ مُرَجَّمَةً: يُظَنُّ بِهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ فِي كِتَابِنَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، وَاقْصُصْ عَلَى قَوْمِكَ أَنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ

قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضِ الْكُوفِيِّينَ: (إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا) بِكَسْرِ اللَّامِ مِنَ الْمُخْلِصِ، بِمَعْنَى: إِنَّهُ كَانَ يُخْلِصُ لِلَّهِ الْعِبَادَةَ، وَيُفْرِدُهُ بِالْأُلُوهَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِيهَا شَرِيكًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ خَلَا عَاصِمٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ [مريم: 51] بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ مُخْلَصٍ، بِمَعْنَى: إِنَّ مُوسَى كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخْلَصَهُ وَاصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ، وَحَمَلَهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْلِصًا عِبَادَةَ اللَّهِ، مُخْلِصًا لِلرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ.
﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾ [مريم: 51] يَقُولُ: وَكَانَ لِلَّهِ رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ نَبِيًّا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنَادَيْنَا مُوسَى مِنْ نَاحِيَةِ الْجَبَلِ، وَيَعْنِي بِالْأَيْمَنِ: يَمِينَ مُوسَى، لِأَنَّهُ الْجَبَلُ لَا يَمِينَ لَهُ وَلَا شِمَالَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ: قَامَ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَعَنْ شِمَالِهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: 52] قَالَ: جَانِبُ الْجَبَلِ الْأَيْمَنُ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطُّورِ وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ، وَدَلَّلْنَا عَلَى الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَدْنَيْنَاهُ مُنَاجِيًا، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ نُدِيمُ فُلَانٍ وَمُنَادِمُهُ، وَجَلِيسُ فُلَانٍ وَمُجَالِسُهُ.
وَذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَدْنَاهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] قَالَ: أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ

الْقَلَمِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ الطُّوسِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: أُرَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] قَالَ: بَيْنَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، أَوْ قَالَ: السَّابِعَةِ، وَبَيْنَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ: حِجَابُ نُورٍ، وَحِجَابٌ ظُلْمَةٍ، وَحِجَابُ نُورٍ، وَحِجَابُ ظُلْمَةٍ، فَمَا زَالَ يُقَرَّبُ مُوسَى حَتَّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ، وَسَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ، قَالَ: قَرَّبَهُ مِنْهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ،

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ، ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] قَالَ: أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ فِي اللَّوْحِ

وَقَالَ شُعْبَةُ: أَرْدَفَهُ جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ

وَقَالَ قَتَادَةُ فِي ذَلِكَ:

مَا حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] قَالَ: نَجَا بِصِدْقِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ﴾ [مريم: 53] يَقُولُ: وَوَهَبْنَا لِمُوسَى رَحْمَةً مِنَّا أَخَاهُ هَارُونَ ﴿نَبِيًّا﴾ [مريم: 30] يَقُولُ: أَيَّدْنَاهُ بِنُبُوَّتِهِ، وَأَعَنَّاهُ بِهَا:

كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا قَالَ: كَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى، وَلَكِنْ أَرَادَ وَهَبَ لَهُ نُبُوَّتَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، فَاقْصُصْ خَبَرَهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يَكْذِبُ وَعْدَهُ، وَلَا يَخْلُفُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ إِذَا وَعَدَ رَبَّهُ، أَوْ

عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ وَعْدًا وَفَّى بِهِ،

كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: 54] قَالَ: لَمْ يَعِدْ رَبَّهُ عِدَّةً إِلَّا أَنْجَزَهَا

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ عَقِيلٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَدَ رَجُلًا مَكَانًا أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَ وَنَسِيَ الرَّجُلُ، فَظَلَّ بِهِ إِسْمَاعِيلُ، وَبَاتَ حَتَّى جَاءَ الرَّجُلُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا بَرِحْتَ

مِنْ هَاهُنَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: إِنِّي نَسِيتُ، قَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَبْرَحَ حَتَّى تَأْتِيَ، فَبِذَلِكَ كَانَ صَادِقًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِـ﴾ إِقَامَةِ ﴿الصَّلَاةِ وَ﴾ إِيتَاءِ ﴿الزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55] عَمَلُهُ، مَحْمُودًا فِيمَا كَلَّفَهُ رَبُّهُ، غَيْرُ مَقْصَرٍ فِي طَاعَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ فِي كِتَابِنَا هَذَا إِدْرِيسَ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ [مريم: 41] لَا يَقُولُ الْكَذِبَ ﴿نَبِيًّا﴾ [مريم: 30] نُوحِي إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِنَا مَا نَشَاءُ.
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] ذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ وَهُوَ حَيُّ إِلَى

السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] يَعْنِي بِهِ إِلَى مَكَانٍ ذِي عُلُوٍّ وَارْتِفَاعٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الرَّابِعَةُ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ.
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، قَالَ: سَأَلَ

ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا وَأَنَا حَاضِرٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى لِإِدْرِيسَ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] قَالَ كَعْبٌ: أَمَّا إِدْرِيسُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ: إِنِّي رَافِعٌ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ عَمَلِ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَزْدَادَ عَمَلًا، فَأَتَاهُ خَلِيلٌ لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَكَلِّمْ لِي مَلَكَ الْمَوْتِ، فَلْيُؤَخِرَنِي حَتَّى أَزْدَادَ عَمَلًا، فَحَمَلَهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، تَلَقَّاهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ مُنْحَدِرًا، فَكَلَّمَ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ إِدْرِيسُ، فَقَالَ: وَأَيْنَ إِدْرِيسُ؟ فَقَالَ: هُوَ ذَا عَلَى ظَهْرِي، قَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: فَالْعَجَبُ بُعِثْتُ أَقْبِضُ رُوحَ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: كَيْفَ أَقْبِضُ رُوحَهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ؟ فَقَبَضَ رُوحَهُ هُنَاكَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] قَالَ: إِدْرِيسُ رُفِعَ فَلَمْ يَمُتْ، كَمَا رُفِعَ عِيسَى حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،

مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يَمُتْ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] قَالَ: رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَمَاتَ فِيهَا

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] إِدْرِيسُ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] قَالَ: السَّمَاءُ الرَّابِعَةُ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] قَالَ: فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُهَيْلٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ غَيْرُهُ وَشَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ " قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ،

فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جَبْرَائِيلُ، قَالُوا: وَمَنْ مَعَهُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالُوا: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ، قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ رَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ حَدَّثَ أَنَّهُ لَمَّا عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اقْتَصَصْتُ عَلَيْكَ

أَنْبَاءَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ يَا مُحَمَّدُ، الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَوْفِيقِهِ، فَهَدَاهُمْ لِطَرِيقِ الرُّشْدِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ فِي الْفُلْكِ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَمِمَّنْ هَدَيْنَا لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَاجْتَبَيْنَا، يَقُولُ: وَمِمَّنْ اصْطَفَيْنَا وَاخْتَرْنَا لِرِسَالَتِنَا وَوَحْيِنَا، فَالَّذِي عُنِيَ بِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ إِدْرِيسُ، وَالَّذِي عُنِيَ بِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِبْرَاهِيمَ، وَالَّذِي عُنِيَ بِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَإِسْمَاعِيلُ، وَالَّذِي عُنِيَ بِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ

إِسْرَائِيلَ: مُوسَى وَهَارُونُ وَزَكَرِيَّا وَعِيسَى وَأُمُّهُ مَرْيَمُ، وَلِذَلِكَ فَرَّقَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْسَابَهُمْ وَإِنْ كَانَ يَجْمَعُ جَمِيعَهُمْ آدَمُ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْ وَلَدِ مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَإِدْرِيسُ جَدُّ نُوحٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: 58] يَقُولُ: إِذَا تُتْلَى عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ أَدِلَّةُ اللَّهِ وَحُجَجُهُ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِ، خَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، اسْتِكَانَةً لَهُ وَتَذَلُّلًا وَخُضُوعًا لِأَمْرِهِ وَانْقِيَادًا ﴿وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] يَقُولُ: خَرُّوا سُجَّدًا وَهُمْ بَاكُونَ، وَالْبُكِيُّ: جَمْعُ بَاكٍ، كَمَا الْعُتِيُّ جَمْعُ عَاتٍ وَالْجُثِيُّ: جَمْعُ جَاثٍ، فَجُمِعَ وَهُوَ فَاعِلٌ عَلَى فَعُولٍ، كَمَا يُجْمَعُ الْقَاعِدُ قُعُودًا، وَالْجَالِسُ جُلُوسًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ: وَبُكُوًّا وَعُتُوًّا، وَلَكِنْ كُرِهَتِ الْوَاوُ بَعْدَ الضَّمَّةِ فَقُلِبَتْ يَاءً، كَمَا قِيلَ فِي جَمْعِ دَلْو أُدْلٍ.
وَفِي جَمْعِ الْبَهْوِ أُبْهٍ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَفْعَلُ أَدْلُو وَأَبْهُو، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِمَجِيئِهَا بَعْدَ الضَّمَّةِ اسْتِثْقَالًا، وَفِي ذَلِكَ لُغَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ بِالْقُرْآنِ بُكِيًّا وَعُتُوًّا بِالضَّمِّ، وَبُكِيًّا وَعُتِيًّا بِالْكَسْرِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبُكِيُّ هُوَ الْبُكَاءُ بِعَيْنِهِ

وَقَدْ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ

الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ وَقَالَ: هَذَا السُّجُودُ، فَأَيْنَ الْبُكِيُّ يُرِيدُ: فَأَيْنَ الْبُكَاءُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ، وَوَصَفْتُ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، خَلْفُ سُوءٍ خَلَفُوهُمْ فِي الْأَرْضِ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ

التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ إِضَاعَتِهِمُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ إِضَاعَتُهُمُوهَا تَأْخِيرَهُمْ إِيَّاهَا عَنْ مَوَاقِيتِهَا، وَتَضْيِيعِهِمْ أَوْقَاتَهَا

جارٍ التحميل