تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 563-575

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ

صفحات 563-575
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عَوْنُ بْنُ

مُوسَى، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ، يَقُولُ: «جَنَّاتُ عَدْنٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا جَنَّاتُ عَدْنٍ، قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيُّ أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ، أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ وَرَفَعَ الْحَسَنُ بِهِ صَوْتَهُ»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: عَدْنٌ، حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ، لَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ بَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ حِبَرَةٌ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيُّ أَوْ صِدِّيقٌ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أَنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ عَدْنٌ، لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ خَمْسَةُ آلَافِ حِبَرَةٍ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيُّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» وَقِيلَ: هِيَ مَدِينَةُ الْجَنَّةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] قَالَ: هِيَ مَدِينَةُ الْجَنَّةِ، فِيهَا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَأَئِمَّةُ الْهُدَى، وَالنَّاسُ حَوْلَهُمْ بَعْدُ، وَالْجَنَّاتُ حَوْلَهَا " وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْمُ نَهْرٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " عَدْنٌ: نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، جَنَّاتُهُ عَلَى حَافَتَيْهِ "

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72] فَإِنَّ مَعْنَاهُ وَرِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَبِذَلِكَ جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ أَنَا أَعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثني يَعْقُوبُ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ شِمْرٍ، قَالَ: " يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ الشَّاحِبِ إِلَى الرَّجُلِ، حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِكَرَامَةِ اللَّهِ، أَبْشِرْ بِرِضْوَانِ اللَّهِ، فَيَقُولُ مِثْلُكَ مَنْ يُبَشِّرُ بِالْخَيْرِ، وَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا الْقُرْآنُ الَّذِي كُنْتُ أُسْهِرُ لَيْلَكَ، وَأُظْمِئُ نَهَارَكَ.
فَيَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ رَبَّهُ، فَيَمْثُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ عَبْدُكَ هَذَا اجْزِهِ عَنِّي خَيْرًا، فَقَدْ كُنْتُ أُسْهِرُ لَيْلَهُ، وَأُظْمِئُ نَهَارَهُ، وَآمُرُهُ فَيُطِيعُنِي، وَأَنْهَاهُ فَيُطِيعُنِي، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَلَهُ حُلَّةُ الْكَرَامَةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ زِدْهُ، فَإِنَّهُ أَهْلُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: فَلَهُ رِضْوَانِي، قَالَ: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ " وَابْتُدِئَ الْخَبَرُ عَنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَرُفِعَ، وَإِنْ كَانَ الرِّضْوَانُ فِيمَا قَدْ وَعَدَهُمْ، وَلَمْ يُعْطَفْ بِهِ فِي الْإِعْرَابِ عَلَى الْجَنَّاتِ وَالْمَسَاكِنِ الطَّيِّبَةِ، لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ تَفْضِيلُ اللَّهِ رِضْوَانَهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سَائِرِ مَا قَسَمَ لَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْطَاهُمْ مِنْ كَرَامَتِهِ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْكَلَامِ الْآخَرِ أَعْطَيْتُكَ وَوَصَلْتُكَ بِكَذَا، وَأَكْرَمْتُكَ، وَرِضَايَ بَعْدُ عَنْكَ أَفْضَلُ ذَلِكَ.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72] هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي وَعُدْتُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يَقُولُ: هُوَ الظَّفَرُ الْعَظِيمُ وَالنَّجَاءُ الْجَسِيمُ؛ لِأَنَّهُمْ ظَفَرُوا بِكَرَامَةِ الْأَبَدِ، وَنَجَوْا مِنَ الْهَوَانِ فِي السَّفَرِ، فَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْجِهَادِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَهُ بِجِهَادِهِمْ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَبِكُلِّ مَا أَطَاقَ جِهَادَهُمْ بِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جُنْدُبٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73] قَالَ: بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَكْفَهِرَّ فِي وَجْهِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَمَرَهُ بِجَهَادِهِمْ بِاللِّسَانِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73] فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ، وَأَذْهَبَ الرِّفْقَ عَنْهُمْ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73] قَالَ: الْكُفَّارَ بِالْقِتَالِ، وَالْمُنَافِقِينَ: أَنْ تَغْلُظَ عَلَيْهِمْ بِالْكَلَامِ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73] يَقُولُ: جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ، وَاغْلُظْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ مُجَاهَدَتُهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَمَرَهُ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ: " ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73] قَالَ: جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ، وَالْمُنَافِقِينَ بِالْحُدُودِ، أَقِمْ عَلَيْهِمْ حُدُودَ اللَّهِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73] قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَاهِدَ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ، وَيَغْلُظَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي الْحُدُودِ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ مَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَادِ الْمُنَافِقِينَ، بِنَحْوِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ مِنْ جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تَرَكَهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِيمِينَ بَيْنَ أَظْهُرِ أَصْحَابِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ؟ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِقِتَالِ مَنْ أَظْهَرَ مِنْهُمْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ، ثُمَّ أَقَامَ عَلَى إِظْهَارِهِ مَا أَظْهَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَنْ إِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَأَخَذَ بِهَا، أَنْكَرَهَا وَرَجَعَ عَنْهَا وَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ بِلِسَانِهِ، أَنْ يُحْقَنَ بِذَلِكَ لَهُ دَمُهُ وَمَالُهُ وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا غَيْرَ ذَلِكَ، وَتَوَكَّلَ هُوَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِسَرَائِرِهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْخَلْقِ الْبَحْثَ عَنِ السَّرَائِرِ، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ وَاطِّلَاعِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى ضَمَائِرِهِمْ وَاعْتِقَادِ صُدُورِهِمْ، كَانَ يُقِرُّهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَسْلُكُ بِجَهَادِهِمْ مَسْلَكَ جِهَادِ مَنْ قَدْ نَاصَبَهُ الْحَرْبَ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ قَالَ قَوْلًا كَفَرَ فِيهِ بِاللَّهِ ثُمَّ أُخِذَ بِهِ أَنْكَرَهُ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ بِلِسَانِهِ، فَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُهُ إِلَّا بِمَا أَظْهَرَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ عِنْدَ حُضُورِهِ إِيَّاهُ وَعَزْمِهِ عَلَى إِمْضَاءِ الْحُكْمِ فِيهِ، دُونَ مَا سَلَفَ مِنْ قَوْلٍ كَانَ نَطَقَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَدُونَ اعْتِقَادِ ضَمِيرِهِ الَّذِي لَمْ يُبِحِ اللَّهُ لِأَحَدٍ الْأَخْذَ بِهِ فِي الْحُكْمِ وَتَوَلَّى الْأَخْذَ بِهِ هُوَ دُونَ خَلْقِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاشْدُدْ عَلَيْهِمْ بِالْجِهَادِ وَالْقِتَالِ

وَالْإِرْهَابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [التوبة: 73] يَقُولُ: وَمَسَاكِنُهُمْ جَهَنَّمُ وَهِيَ مَثْوَاهُمْ وَمَأْوَاهُمْ.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73] يَقُولُ: وَبِئْسَ الْمَكَانُ الَّذِي يُصَارُ إِلَيْهِ جَهَنَّمُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [التوبة: 74] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ، وَالْقَوْلُ الَّذِي كَانَ قَالَهُ، الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَهُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ

وَكَانَ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مَا: حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 74] قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَنَحْنُ أَشَرُّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ امْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قُلْتَ، فَإِنِّي إِنْ لَا أَفْعَلَ أَخَافُ أَنْ تُصِيبَنِيَ قَارِعَةٌ وَأُؤَاخَذَ بِخَطِيئَتِكَ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُلَاسَ، فَقَالَ: «يَا جُلَاسُ أَقُلْتَ كَذَا وَكَذَا؟» فَحَلَفَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: 74] فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، أَقْبَلَ هُوَ وَابْنُ امْرَأَتِهِ مُصْعَبٌ مِنْ قُبَاءَ، فَقَالَ الْجُلَاسُ: إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَنَحْنُ أَشَرُّ مِنْ حَمِيرِنَا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا، فَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَا وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قُلْتَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ تُصِيبَنِي قَارِعَةٌ أَوْ أَنْ أَخْلِطَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْبَلْتُ أَنَا وَالْجُلَاسُ مِنْ قُبَاءَ، فَقَالَ كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أُؤَاخَذَ بِخَطِيئَةٍ أَوْ تُصِيبَنِي قَارِعَةٌ مَا أَخْبَرْتُكَ، قَالَ: فَدَعَا الْجُلَاسَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا جُلَاسُ أَقُلْتَ الَّذِي قَالَ مُصْعَبٌ؟» قَالَ: فَحَلَفَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: 74] الْآيَةَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «كَانَ الَّذِي قَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ فِيمَا بَلَغَنِي الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، فَرَفَعَهَا عَنْهُ رَجُلٌ كَانَ فِي حِجْرِهِ يُقَالُ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ، فَأَنْكَرَ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَهَا، فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ تَابَ وَنَزَعَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ فِيمَا بَلَغَنِي»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 74] قَالَ أَحَدُهُمْ: لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ مَا قَالَ لَحَقٌّ وَلَأَنْتَ شَرٌّ مِنْ حِمَارٍ، قَالَ: فَهَمَّ الْمُنَافِقُونَ بِقَتْلِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ.
قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقَالَ: «إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَانٌ فَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا جَاءَ فَلَا تُكَلِّمُوهُ» فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ؟» فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَمَا فَعَلُوا حَتَّى تَجَاوَزَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: 74] ثُمَّ نَعَتَهُمْ جَمِيعًا، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالُوا: وَالْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا

مَا حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: 74] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 107] قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلَا، أَحَدُهُمَا مِنْ جُهَيْنَةَ وَالْآخَرُ مِنْ غِفَارٍ، وَكَانَتْ جُهَيْنَةُ حُلَفَاءَ الْأَنْصَارِ.
وَظَهَرَ الْغِفَارِيُّ عَلَى الْجُهَنِيِّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِلْأَوْسِ: انْصُرُوا أَخَاكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، وَقَالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8] فَسَعَى بِهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 74] "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 74] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كَذِبًا عَلَى كَلِمَةِ كُفْرٍ تَكَلَّمُوا بِهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوهَا.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ الْجُلَاسَ قَالَهُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ.
وَالْقَوْلُ مَا ذَكَرَهُ قَتَادَةُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ، وَلَا عِلْمَ لَنَا بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَيٍّ؛ إِذْ كَانَ لَا خَبَرَ بِأَحَدِهِمَا يُوجِبُ الْحُجَّةَ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى يَقِينِ الْعِلْمِ بِهِ، وَلَيْسَ مِمَّا يُدْرَكُ عِلْمُهُ بِفِطْرَةِ الْعَقْلِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: 74]

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي كَانَ هَمَّ بِذَلِكَ وَمَا الشَّيْءُ الَّذِي كَانَ هَمَّ بِهِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ الَّذِي هَمَّ بِهِ قَتْلَ ابْنِ امْرَأَتِهِ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ مَا قَالَ وَخَشِيَ أَنْ يُفْشِيَهُ عَلَيْهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " هَمَّ الْمُنَافِقُ بِقَتْلِهِ، يَعْنِي قَتْلَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74] " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ الَّذِي هَمَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَالَّذِي هَمَّ بِهِ قَتْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74] قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ هَمَّ بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ الْأَسْوَدُ " قَالَ آخَرُونَ: الَّذِي هَمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَكَانَ هَمُّهُ الَّذِي لَمْ يَنَلْهُ

قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةَ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8] وَقَوْلَهُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمُنَافِقَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ بِأَنْ قُتِلَ لَهُ مَوْلًى، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَتَهُ.
فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ [التوبة: 74] يَقُولُ: مَا أَنْكَرُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: " ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74] وَكَانَ الْجُلَاسُ قُتِلَ لَهُ مَوْلًى لَهُ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَتِهِ، فَاسْتَغْنَى، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74] "

قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فِي مَوْلًى لِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ» وَفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74] قَالَ: كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ دِيَةٌ، فَأَخْرَجَهَا

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ: " أَنَّ مَوْلًى، لِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَفِيهِ أُنْزِلَتْ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74] قَالَ عَمْرٌو: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ عِكْرِمَةَ، يَعْنِي الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا "

جارٍ التحميل