وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يَقُولُ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيَعْتَبِرُ بِهَا ذَوُو الْعُقُولِ، وَهِيَ الْأَلْبَابُ، وَاحِدُهَا: لُبٌّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَونَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ وَيَعْتَبِرُ بِآيَاتِ اللَّهِ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِوَصِيَّةِ اللَّهِ الَّتِي أَوْصَاهُمْ ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: 20] وَلَا
يُخَالِفُونَ الْعَهْدَ الَّذِي عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ إِلَى خِلَافِهِ، فَيَعْمَلُوا بِغَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَيُخَالِفُوا إِلَى مَا نَهَى عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثني الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فَبَيَّنَ مَنْ هُمْ فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: 20] فَعَلَيْكُمْ بِوَفَاءِ الْعَهْدِ، وَلَا تَنْقُضُوا هَذَا الْمِيثَاقَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَى وَقَدَّمَ فِيهِ أَشَدَّ التَّقْدِمَةِ، فَذَكَرَهُ فِي بِضْعٍ وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا، نَصِيحَةً لَكُمْ وَتَقَدِمَةً إِلَيْكُمْ وَحُجَّةً عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا يَعْظُمُ الْأَمْرُ بِمَا عَظَّمَهُ اللَّهُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَهْمِ وَالْعَقْلِ، فَعَظِّمُوا مَا عَظَّمَ اللَّهُ "
قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ
فِي خُطْبَتِهِ: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ الرَّحِمَ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِوَصْلِهَا فَلَا يَقْطَعُونَهَا، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الرعد: 21] يَقُولُ: وَيَخَافُونَ اللَّهَ فِي قَطْعِهَا أَنْ يَقْطَعُوهَا، فَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى قَطْعِهَا وَعَلَى خِلَافِهِمْ أَمْرِهِ فِيهَا وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21] يَقُولُ:
وَيَحْذَرُونَ مُنَاقَشَةَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الْحِسَابِ، ثُمَّ لَا يَصْفَحُ لَهُمْ عَنْ ذَنْبٍ، فَهُمْ لِرَهْبَتِهِمْ ذَلِكَ جَادُّونَ فِي طَاعَتِهِ، مُحَافِظُونَ عَلَى حُدُودِهِ، كَمَا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا عَفَّانُ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21] قَالَ: الْمُنَاقَشَةُ بِالْأَعْمَالِ "
قَالَ: ثنا عَفَّانُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ فَرْقَدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «سُوءُ الْحِسَابِ أَنْ يُحَاسِبَ مَنْ لَا يَغْفِرُ لَهُ»
حَدَّثني يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21] قَالَ: فَقَالَ: " وَمَا سُوءُ الْحِسَابِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا جَوَازَ فِيهِ "
حَدَّثني ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ فَرْقَدٍ، قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: " تَدْرِي مَا سُوءُ الْحِسَابِ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: «يُحَاسَبُ الْعَبْدُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، لَا يُغْفَرُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [الرعد: 22] عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ وَتَرْكِ نَقْضِ الْمِيثَاقِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾
[الرعد: 22] وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: 22] طَلَبَ تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَتَنْزِيهًا لَهُ أَنْ يُخَالَفَ فِي أَمْرِهِ، أَوْ يَأْتِي أَمْرًا كَرِهَ إِتْيَانَهُ فَيَعْصِيهِ بِهِ، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 277] يَقُولُ: وَأَدُّوا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بِحُدُودِهَا فِي أَوْقَاتِهَا ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [الرعد: 22] يَقُولُ: وَأَدُّوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ زَكَاتَهَا الْمَفْرُوضَةَ، وَأَنْفَقُوا مِنْهَا فِي السُّبُلِ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالنَّفَقَةِ فِيهَا، سِرًّا فِي خَفَاءٍ، وَعَلَانِيَةً فِي الظَّاهِرِ، كَمَا
حَدَّثني الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: 22] يَعْنِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [الرعد: 22] يَقُولُ الزَّكَاةُ "
حَدَّثني يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الصَّبْرُ: الْإِقَامَةُ،
قَالَ: وَقَالَ الصَّبْرُ فِي هَاتَيْنِ، فَصَبْرٌ للَّهِ عَلَى مَا أَحَبَّ وَإِنْ ثَقُلَ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَبْدَانِ، وَصَبْرٌ عَمَّا يَكْرَهُ وَإِنْ نَازَعَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاءُ، فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مِنَ الصَّابِرِينَ، وَقَرَأَ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 24] "