وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: 113] يَقُولُ: وَهُمْ ظَالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانُوا يُجَامِعُونَ الرِّجَالَ فِي مَجَالِسِهِمْ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: 29] قَالَ: الْمَجَالِسُ، وَالْمُنْكَرُ: إِتْيَانُهُمُ الرِّجَالَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: 29] قَالَ: كَانُوا يَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ فِي نَادِيهِمْ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: 29] قَالَ: نَادِيهُمُ: الْمَجَالِسُ، وَالْمُنْكَرُ: عَمَلُهُمُ الْخَبِيثُ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ، كَانُوا يَعْتَرِضُونَ بِالرَّاكِبِ , فَيَأْخُذُونَهُ وَيَرْكَبُونَهُ.
وَقَرَأَ ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: 54] , وَقَرَأَ ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80] "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: 29] يَقُولُ: فِي مَجَالِسَكُمْ ". وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَتَحْذِفُونَ فِي مَجَالِسَكُمُ الْمَارَّةَ بِكُمْ، وَتَسْخَرُونَ مِنْهُمْ , لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمْ يَكُنْ جَوَابَ قَوْمِ لُوطٍ إِذْ نَهَاهُمْ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْ إِتْيَانِ الْفَوَاحِشِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ إِلَّا قِيلُهُمُ: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ الَّذِي تَعِدُنَا، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا تَقُولُ، وَالْمُنْجِزِينَ
لِمَا تَعِدُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت: 31] مِنَ اللَّهِ بِإِسْحَاقَ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ، ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: 31] يَقُولُ: قَالَتْ رُسُلُ اللَّهِ
لِإِبْرَاهِيمَ: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَرْيَةِ سَدُومَ، وَهِيَ قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: 31] يَقُولُ: إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ بِمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت: 31] إِلَى قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت: 32] قَالَ: فَجَادَلَ إِبْرَاهِيمُ الْمَلَائِكَةَ فِي قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُتْرَكُوا، قَالَ: فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَةُ أَبْيَاتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , أَتَتْرُكُونَهُمْ؟ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: لَيْسَ فِيهَا عَشَرَةُ أَبْيَاتٍ، وَلَا خَمْسَةٍ، وَلَا أَرْبَعَةٍ،
وَلَا ثَلَاثَةٍ، وَلَا اثْنَانِ؛ قَالَ: فَحَزِنَ عَلَى لُوطٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: 32] فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75] , فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا، إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: 76] فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جِبْرَائِيلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْتَسَفَ الْمَدِينَةَ وَمَا فِيهَا بِأَحَدِ جَنَاحَيْهِ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَتَتَبَّعَهُمْ بِالْحِجَارَةِ بِكُلِّ أَرْضٍ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا، قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِذْ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: 31] فَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، إِذْ
وَصَفُوهُمْ بِالظُّلْمِ: إِنَّ فِيهَا لُوطًا، وَلَيْسَ مِنَ الظَّالِمِينَ، بَلْ هُوَ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَالطَّاعَةِ لَهُ، فَقَالَتِ الرُّسُلُ لَهُ: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت: 32] مِنَ الظَّالِمِينَ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ مِنْكَ، وَإِنَّ لُوطًا لَيْسَ مِنْهُمْ، بَلْ هُوَ كَمَا قُلْتَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْهَلَاكِ الَّذِي هُوَ نَازِلٌ بِأَهْلِ قَرْيَتِهِ ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: 83] الَّذِينَ أَبْقَتْهُمُ الدُّهُورُ وَالْأَيَّامُ، وَتَطَاوَلَتْ أَعْمَارُهُمْ وَحَيَاتُهُمْ، وَإِنَّهَا هَالِكَةٌ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ لُوطٍ مَعَ قَوْمِهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: 33] مِنَ الْمَلَائِكَةِ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ [هود: 77] يَقُولُ: سَاءَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِمَجِيئِهِمْ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَضَيَّفُوهُ، فَسَاءَهُ بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ [هود: 77] فَعَلَ بِهِمْ مَنْ سَاءَهُ بِذَلِكَ.
وَذُكِرَ عَنْ
قَتَادَةَ كَانَ يَقُولُ: سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ، وَضَاقَ بِضَيْفِهِ ذَرْعًا.
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْهُ " ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: 77] يَقُولُ: وَضَاقَ ذَرْعُهُ بِضَيَافَتِهِمْ لِمَا عَلِمَ مِنْ خُبْثِ فِعْلِ قَوْمِهِ "
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: 33] قَالَ: بِالضِّيَافَةِ، مَخَافَةً عَلَيْهِمْ مِمَّا يَعْلَمُ مِنْ شَرِّ قَوْمِهِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتِ الرُّسُلُ لِلُوطٍ: لَا تَخَفْ عَلَيْنَا أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا قَوْمُكَ، وَلَا تَحْزَنْ مِمَّا أَخْبَرْنَاكَ مِنْ
أَنَّا مُهْلِكُوهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ قَالَتْ لَهُ: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقَطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 81] ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي هُوَ نَازِلٌ بِقَوْمِكَ ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [هود: 40] يَقُولُ: وَمُنَجُّو أَهْلَكَ مَعَكَ ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود: 81] فَإِنَّهَا هَالِكَةٌ فِيمَنْ يَهْلِكُ مِنْ قَوْمِهَا، كَانَتْ مِنَ الْبَاقِينَ الَّذِينَ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الرُّسُلِ لِلُوطٍ ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ [العنكبوت: 34] يَا لُوطُ ﴿عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: 34] سَدُومَ ﴿رِجْزًا مِنَ الْسَّمَاءِ﴾ [البقرة: 59] يَعْنِي عَذَابًا.
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾ [العنكبوت: 34] أَيْ عَذَابًا ". وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرِّجْزِ وَمَا فِيهِ مِنْ أقوالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيمَا مَضَى، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.