وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر: 50] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَتِ الْخَزَنَةُ لَهُمْ: فَادْعُوا إِذَنْ رَبَّكُمُ الَّذِي أَتَتْكُمُ الرُّسُلُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: 78] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ [الأنعام: 42] يَا مُحَمَّدُ
﴿رُسُلًا مِنْ قَبْلِكِ﴾ [الرعد: 38] إِلَى أُمَمِهَا ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78] يَقُولُ: مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمِهِمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78] نَبَأَهُمْ.
وَذُكِرَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ السِّمْسَارَ، قَالَ: ثنا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ آلَافٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عُتَيْبَةَ الْبَصْرِيِّ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سُوَرٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَعَثَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ نَبِيٍّ»
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: ثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78] قَالَ: «بَعَثَ اللَّهُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَبِيًّا، فَهُوَ الَّذِي لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا جَعَلْنَا لِرَسُولٍ مِمَّنْ أَرْسَلْنَاهُ مِنْ قَبْلِكَ الَّذِينَ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ، وَالَّذِينَ لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ إِلَى أُمَمِهَا أَنْ يَأْتِيَ قَوْمَهُ بِآيَةٍ فَاصِلَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ، فَيَأْتِيهِمْ بِهَا؛ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ:
فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ لَكَ أَنْ تَأْتِيَ قَوْمَكَ بِمَا يَسْأَلُونَكَ مِنَ الْآيَاتِ دُونَ إِذْنِنَا لَكَ بِذَلِكَ، كَمَا لَمْ نَجْعَلْ لِمَنْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا إِلَّا أَنْ نَأْذَنَ لَهُ بِهِ ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ [غافر: 78] يَعْنِي بِالْعَدْلِ، وَهُوَ أَنْ يُنَجِّيَ رُسُلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُمْ ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: 78] يَقُولُ: وَهَلَكَ هُنَالِكَ الَّذِينَ أَبْطَلُوا فِي قِيلِهِمُ الْكَذِبَ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَادِّعَائِهِمْ لَهُ شَرِيكًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: 80] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿اللَّهُ﴾ [الفاتحة: 1] الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْأُلُوهَةُ إِلَّا لَهُ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِهِ
مِنْ قُرَيْشٍ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ [غافر: 79] مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي يَقْتَنِيهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ لِمَرْكَبٍ أَوْ لِمَطْعَمٍ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ [غافر: 79] يَعْنِي: الْخَيْلَ وَالْحَمِيرَ ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: 5] يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ.
وَقَالَ: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ [غافر: 79] وَمَعْنَاهُ: لِتَرْكَبُوا مِنْهَا بَعْضًا وَمِنْهَا بَعْضًا تَأْكُلُونَ، فَحُذِفَ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَا حُذِفَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعٌ﴾ [المؤمنون: 21] وَذَلِكَ أَنْ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِهَا بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ، وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ، وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: 80] يَقُولُ: وَلِتَبْلُغُوا بِالْحُمُولَةِ عَلَى بَعْضِهَا، وَذَلِكَ الْإِبِلُ حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهَا لَوْلَا هِيَ، إِلَّا بِشِقِّ أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: 7] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: 80] «يَعْنِي الْإِبِلَ تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ»
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: 80] «لِحَاجَتِكُمْ مَا كَانَتْ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ [البقرة: 286] يَعْنِي: وَعَلَى هَذِهِ الْإِبِلِ، وَمَا جَانَسَهَا مِنَ الْأَنْعَامِ الْمَرْكُوبَةِ ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: 22] يَعْنِي: وَعَلَى السُّفُنِ ﴿تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: 22] يَقُولُ نَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذِهِ فِي الْبَرِّ، وَعَلَى هَذِهِ فِي الْبَحْرِ ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: 73] يَقُولُ: وَيُرِيكُمْ حُجَجَهُ، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: 81] يَقُولُ: فَأَيَّ حِجَجِ اللَّهِ الَّتِي يُرِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِي
السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ تُنْكِرُونَ صِحَّتَهَا، فَتُكَذِّبُونَ مِنْ أَجْلِ فَسَادِهَا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَتَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: 82] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَمْ يَسِرْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ فِي الْبِلَادِ، فَإِنَّهُمْ
أَهْلُ سَفَرٍ إِلَى الشَّأْمِ وَالْيَمَنِ رِحْلَتَهُمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَيَنْظُرُوا فِيمَا وَطِئُوا مِنَ الْبِلَادِ إِلَى وَقَائِعِنَا بِمَنْ أَوْقَعْنَا بِهِ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَيَرَوْا مَا أَحْلَلْنَا بِهِمْ مِنْ بَأْسِنَا بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا، وَجُحُودِهِمْ آيَاتِنَا، كَيْفَ كَانَ عُقْبَى تَكْذِيبِهِمْ ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ [غافر: 82] يَقُولُ: كَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِيكَ مِنْ قُرَيْشٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَشَدَّ بَطْشًا، وَأَقْوَى قُوَّةً، وَأَبْقَى فِي الْأَرْضِ آثَارًا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَيَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: 21] «الْمَشْيِ بِأَرْجُلِهِمْ» ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: 84] يَقُولُ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بَأْسُنَا وَسَطْوَتُنَا لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الْبُيُوتِ فِي الْجِبَالِ، وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُمْ بَادُوا جَمِيعًا فَهَلَكُوا وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ [الحجر: 84] فَأَيُّ شَيْءٍ أَغْنَى عَنْهُمْ؛ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ «مَا» الْأُولَى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالثَّانِيَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.
يَقُولُ: فَلِهَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِيكَ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ فِي أُولَئِكَ مُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَرُوا، وَمُتَّعَظٌ إِنِ اتَّعَظُوا، وَإِنَّ بَأْسَنَا إِذَا حَلَّ
بِالْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَمْ يَدْفَعْهُ دَافِعٌ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ، وَهُوَ بِهِمْ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا إِلَى تَصْدِيقِكَ وَاقِعٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْأُمَمَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ قُرَيْشٍ الْمُكَذِّبَةُ رُسُلَهَا رُسُلُهُمُ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِالْبَيِّنَاتِ، يَعْنِي: بِالْوَاضِحَاتِ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: 83] يَقُولُ: فَرِحُوا جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَقَالُوا: لَنْ نُبْعَثَ، وَلَنْ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: 83] قَالَ: " قَوْلُهُمْ: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، لَنْ نُعَذَّبَ، وَلَنْ نُبْعَثَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: 83] «بِجَهَالَتِهِمْ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: 48] يَقُولُ: وَحَاقَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ رُسُلَهُمْ بِهِ اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: 48] «مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ رُسُلُهُمْ مِنَ الْحَقِّ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى.
﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: 84] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا رَأَتْ هَذِهِ الْأُمَمُ الْمُكَذِّبَةُ رُسُلَهَا بَأْسَنَا، يَعْنِي عِقَابَ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَتْهُمْ بِهِ رُسُلُهُمْ قَدْ حَلَّ بِهِمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 84] قَالَ: «النَّقَمَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ»
وَقَوْلُهُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: 84] يَقُولُ: قَالُوا: أَقْرَرْنَا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: 84] يَقُولُ: وَجَحَدْنَا الْآلِهَةَ الَّتِي كُنَّا قَبْلَ وَقْتِنَا هَذَا نُشْرِكُهَا فِي عِبَادَتِنَا اللَّهَ وَنَعْبُدُهَا مَعَهُ، وَنَتَّخِذُهَا آلِهَةً، فَبَرِئْنَا مِنْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ تَصْدِيقُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ عِقَابِهِ قَدْ نَزَلَ، وَعَذَابِهِ قَدْ حَلَّ، لِأَنَّهُمْ صَدَّقُوا حِينَ لَا يَنْفَعُ التَّصْدِيقُ
مُصَدِّقًا، إِذْ كَانَ قَدْ مَضَى حُكْمُ اللَّهِ فِي السَّابِقِ مِنْ عَلْمِهِ، أَنَّ مَنْ تَابَ بَعْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ مِنَ اللَّهِ عَلَى تَكْذِيبِهِ لَمْ تَنْفَعْهُ تَوْبَتُهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85] «لَمَّا رَأَوْا عَذَابَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِيمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿سَنَةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ يَقُولُ: تَرَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِقَالَتَهُمْ، وَقَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهُمْ، وَمُرَاجَعَتَهُمُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَتَصْدِيقَ رُسُلِهِمْ بَعْدَ مُعَايَنَتِهِمْ بَأْسَهُ، قَدْ نَزَلَ بِهِمْ سُنَّتُهُ الَّتِي قَدْ مَضَتْ فِي خَلْقِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْهُمْ وَلَمْ يَقْبَلْ تَوْبَتَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ يَقُولُ: «كَذَلِكَ كَانَتْ سَنَةُ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ إِذَا عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ لَمْ يَنْفَعْهُمْ إِيمَانُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 85] يَقُولُ: وَهَلَكَ عِنْدَ مَجِيءِ بَأْسِ اللَّهِ، فَغَبِنَتْ صِفْقَتُهُ وَوَضُعَ فِي بَيْعِهِ الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا، وَالْمَغْفِرَةَ بِالْعَذَابِ، وَالْإِيمَانَ بِالْكُفْرِ، الْكَافِرُونَ بِرَبِّهِمُ الْجَاحِدُونَ تَوْحِيدَ خَالِقِهِمْ، الْمُتَّخِذُونَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ بَارِئِهِمْ