الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: 29] قَالَ: يَقُولُ ذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 30] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾ [يونس: 30] بِالْبَاءِ، بِمَعْنَى: عِنْدَ ذَلِكَ تُخْتَبَرُ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.
وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ وَيَتَأَوَّلُهُ كَذَلِكَ مُجَاهِدٌ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: 30] قَالَ: تُخْتَبَرُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ: «تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ» بِالتَّاءِ وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلُهُ: هُنَالِكَ تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ فِي الدُّنْيَا لِذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَرُوِي بِنَحْوِ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ وَسَنَدٍ غَيْرِ مُرْتَضَى أَنَّهُ قَالَ: «يُمَثِّلُ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَتْبَعُونَهُمْ حَتَّى يُورِدُوهُمُ النَّارَ» قَالَ: ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: " ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: 30] " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ: تَتْلُو كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، يَعْنِي تَقْرَأُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: 13] وَقَالَ آخَرُونَ: تَبْلُو: تُعَايِنْ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: 30] قَالَ: مَا عَمِلَتْ.
تَبْلُو: تُعَايِنُهُ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَئِمَّةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَبِعَ فِي الْآخِرَةِ مَا
أَسْلَفَ مِنَ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا، هَجَمَ بِهِ عَلَى مَوْرِدِهِ، فَيُخْبَرُ هُنَالِكَ مَا أَسْلَفَ مِنْ صَالِحٍ أَوْ سَيِّئٍ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّ مَنْ خُبِّرَ مَا أَسْلَفَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّمَا يُخَبَّرُ بَعْدَ مَصِيرِهِ إِلَى حَيْثُ أَحَلَّهُ مَا قَدَّمَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلِهِ، فَهُوَ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُتَّبِعٌ مَا أَسْلَفَ مِنْ عَمَلِهِ مُخْتَبَرٌ لَهُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ كَمَا وَصَفْنَا فَمُصِيبُ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: 30] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَرَجَعَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ إِلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ رَبُّهُمْ وَمَالِكُهُمُ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ دُونَ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَهُمْ أَرْبَابٌ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ.
﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 30] يَقُولُ: وَبَطُلَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَتَخَرَّصُونَ مِنَ الْفِرْيَةِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ بِدَعْوَاهِمْ أَوْثَانَهُمْ أَنَّهَا لِلَّهِ شُرَكَاءُ، وَأَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ مِنْهُ زُلْفَى، كَمَا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 30] قَالَ: مَا كَانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ، مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ الْآلِهَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهَا أَنْدَادًا وَآلِهَةً مَعَ اللَّهِ افْتِرَاءً وَكَذِبًا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: 31] الْغَيْثَ وَالْقَطْرَ وَيُطْلِعُ لَكَمْ شَمْسَهَا وَيُغْطِشُ لَيْلَهَا وَيُخْرِجُ ضُحَاهَا.
وَمِنَ ﴿الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 11] أَقْوَاتِكُمْ وَغِذَاءِكُمُ الَّذِي يُنْبِتُهُ لَكَمْ وَثِمَارَ أَشْجَارِهَا.
﴿أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ [يونس: 31] يَقُولُ: أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي يَمْلِكُ أَسْمَاعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمُ الَّتِي تَسْمَعُونَ بِهَا أَنْ يَزِيدَ فِي قُوَاهَا أَوْ يُسْلِبُكُمُوهَا فَيَجْعَلَكُمْ صُمًّا، وَأَبْصَارُكُمُ الَّتِي تُبْصِرُونَ بِهَا أَنْ يُضِيئَهَا لَكَمْ وَيُنِيرَهَا، أَوْ يَذْهَبَ بِنُورِهَا فَيَجْعَلَكُمْ عُمْيًا لَا تُبْصِرُونَ.
﴿وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: 31] يَقُولُ: وَمَنْ يُخْرِجُ الشَّيْءَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ.
﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: 31] يَقُولُ: وَيُخْرِجُ الشَّيْءَ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: 31] وَقُلْ لَهُمْ: مِنْ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَأَمْرَكُمْ وَأَمْرَ الْخَلْقِ.
﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: 31] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَسَوْفَ يُجِيبُونَكَ بِأَنْ يَقُولُوا الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ اللَّهُ.
﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31] يَقُولُ: أَفَلَا تَخَافُونَ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى شِرْكِكُمْ وَادِّعَائِكُمْ رَبًّا غَيْرَ مَنْ هَذِهِ الصِّفَةُ صِفَتُهُ، وَعِبَادَتِكُمْ مَعَهُ مَنْ لَا يَرْزُقُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَمْلِكُ لَكَمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِخَلْقِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، فَهَذَا الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ، فَيَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَيَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ، وَيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَيُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴿اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ [يونس: 32] لَا شَكَّ فِيهِ.
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ [يونس: 32] يَقُولُ: فَأَيُّ شَيْءٍ سِوَى الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ وَهُوَ الْجَوْرُ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ.
يَقُولُ: فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ هُوَ ذَا، فَادِّعَاؤُكُمْ غَيْرَهُ إِلَهًا وَرَبًّا هُوَ الضَّلَالُ وَالذَّهَابُ عَنِ الْحَقِّ لَا شَكَّ فِيهِ.
﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32] يَقُولُ: فَأَيُّ وَجْهٍ عَنِ الْهُدَى وَالْحَقِّ تُصْرَفُونَ وَسِوَاهُمَا تَسْلِكُونَ وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ الَّذِي تُصْرَفُونَ عَنْهُ هُوَ الْحَقُّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا قَدْ صَرَفَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الضَّلَالِ، ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاؤُهُ وَحُكْمُهُ فِي السَّابِقِ مِنْ عِلْمِهِ، ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ [يونس: 33] فَخَرَجُوا مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ إِلَى
مَعْصِيَتِهِ وَكَفَرُوا بِهِ؛ ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 33] يَقُولُ: لَا يُصَدِّقُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَلَا بِنُبُوَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [يونس: 34] يَعْنِي مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ ﴿مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: 34] يَقُولُ: مَنْ يُنْشِئُ خَلْقَ شَيْءٍ مِنْ
غَيْرِ أَصْلٍ، فَيُحْدِثُ خَلْقَهُ ابْتِدَاءً ثُمَّ يُعِيدُهُ، يَقُولُ: ثُمَّ يَفْنِيهِ بَعْدَ
إِنْشَائِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْنِيهِ؟ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَعْوَى ذَلِكَ لَهَا.
وَفِي ذَلِكَ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ وَالدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا أَرْبَابٌ، وَهِيَ لِلَّهِ فِي الْعِبَادَةِ شُرَكَاءُ كَاذِبُونَ مُفْتَرُونَ.
فَ ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] لَهُمْ حِينَئِذٍ يَا مُحَمَّدُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [يونس: 34] فَيُنْشِئْهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَيُحْدِثُهُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ثُمَّ يَفْنِيهِ إِذَا شَاءَ، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: 4] إِذَا أَرَادَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ الْفَنَاءِ.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95] يَقُولُ: فَأَيُّ وَجْهٍ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ وَطَرِيقِ الرُّشْدِ تُصْرَفُونَ وَتُقْلَبُونَ.
كَمَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، " ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: 34] قَالَ: أَنَّى تُصْرَفُونَ " وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [يونس: 34] الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَذَلِكَ آلِهَتُهُمْ وَأَوْثَانُهُمْ، ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [يونس: 35] يَقُولُ: مَنْ يُرْشِدُ ضَالًّا مِنْ ضَلَالَتِهِ إِلَى قَصْدِ السَّبِيلِ، وَيُسَدِّدُ جَائِرًا عَنِ الْهُدَى إِلَى وَاضِحِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ
آلِهَتَهُمْ وَأَوْثَانَهُمْ تَرْشُدُ ضَالًّا أَوْ تَهْدِي حَائِرًا.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنِ ادَّعُوا ذَلِكَ لَهَا أَكْذَبَتْهُمُ الْمُشَاهَدَةُ وَأَبَانَ عَجْزَهَا عَنْ ذَلِكَ الِاخْتِبَارِ بِالْمُعَايَنَةِ، فَإِذَا قَالُوا لَا وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، فَقُلْ لَهُمْ.
فَاللَّهُ يَهْدِي الضَّالَّ عَنِ الْهُدَى إِلَى الْحَقِّ.
﴿أَفَمَنْ يَهْدِي﴾ [يونس: 35] أَيُّهَا الْقَوْمُ ضَالًّا ﴿إِلَى الْحَقِّ﴾ [يونس: 35] وَجَائِرًا عَنِ الرُّشْدِ إِلَى الرُّشْدِ، ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس: 35] إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: 35] وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ.
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: «أَمْ مَنْ لَا يَهْدِّي» بِتَسْكِينِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ سَاكِنَيْنِ.
وَكَأَنَّ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَّهُوَا أَصْلَ الْكَلِمَةِ إِلَى أَنَّهُ: أَمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي، وَوَجَدُوهُ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ مَا قَرَّرُوا وَأَنَّ التَّاءَ حُذِفَتْ لَمَّا أُدْغِمَتْ فِي الدَّالِ، فَأَقَرُّوا الْهَاءَ سَاكِنَةً عَلَى أَصْلِهَا الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ، وَشَدَّدُوا الدَّالَ طَلَبًا لِإِدْغَامِ التَّاءِ فِيهَا، فَاجْتَمَعَ بِذَلِكَ سُكُونُ الْهَاءِ وَالدَّالِ.
وَكَذَلِكَ فَعَلُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: 154] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: 49] وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ: «يَهَدِّي» بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ.
وَأَمُّوا مَا أَمَّهُ الْمَدَنِيُّونَ مِنَ الْكَلِمَةِ غَيْرَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا حَرَكَةَ التَّاءِ مِنْ «يَهْتَدِي» إِلَى الْهَاءِ السَّاكِنَةِ، فَحَرَّكُوا بِحَرَكَتِهَا وَأَدْغَمُوا التَّاءَ فِي الدَّالِ فَشَدَّدُوهَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: «يَهِدِّي» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، بِنَحْوِ مَا قَصَدَهُ قُرَّاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ غَيْرَ أَنَّهُ كُسِرَ الْهَاءُ لِكَسْرَةِ الدَّالِ مِنْ «يَهْتَدِي» اسْتِثْقَالًا لِلْفَتْحَةِ بَعْدَهَا كَسْرَةِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: «أَمْ مَنْ لَا يَهْدِي» بِتَسْكِينِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: هُدِيتَ بِمَعْنَى اهْتَدَيْتَ، قَالُوا: فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ [يونس: 35] أَمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: 35] وَأَوْلَى الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: «أَمْ مَنْ لَا يَهَدِّي» بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ لِقَارِئِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْفَعُ صِحَّتَهُ ذُو عِلْمٍ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَفِيهِمُ الْمُنْكَرُ غَيْرُهُ، وَأَحَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُقْرَأَ بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا كَلَامُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، أَمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُهْدَى.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ مَكَانِهِ إِلَّا أَنْ يُنْقَلَ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: 35] قَالَ: الْأَوْثَانُ، اللَّهُ يَهْدِي مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا مَنْ شَاءَ لِمَنْ
شَاءَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: 35] قَالَ: قَالَ: الْوَثَنُ " وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا لَكَمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35] أَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنَ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ مِنَ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَهْدِيَهُ إِلَيْهِ هَادٍ غَيْرُهُ، فَتَتْرُكُوا اتِّبَاعَ مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ وَعِبَادَتَهُ وَتَتَّبِعُوا مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ فَتُفْرِدُوهُ بِهَا وَحْدَهُ دُونَ مَا تُشْرِكُونَهُ فِيهَا مِنْ آلِهَتِكُمْ وَأَوْثَانِكُمْ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا ظَنًّا، يَقُولُ: إِلَّا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِحَقِيقَتِهِ وَصِحَّتِهِ، بَلْ هُمْ مِنْهُ فِي شَكٍّ وَرِيبَةٍ.
﴿إَنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾
[يونس: 36] يَقُولُ: إِنَّ الشَّكَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْيَقِينِ شَيْئًا، وَلَا يَقُومُ فِي شَيْءٍ مَقَامَهُ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَى الْيَقِينِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ ذُو عِلْمٍ بِمَا يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ اتِّبَاعِهِمُ الظَّنَّ وَتَكْذِيبِهِمُ الْحَقَّ الْيَقِينَ، وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، حَيْثُ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ ظَنُّهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْقُرْآنِ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ، يَقُولُ:
مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَخَرَّصَهُ أَحَدٌ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ﴾ [آل عمران: 161] بِمَعْنَى: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّهُ أَصْحَابُهُ.
وَإِنَّمَا هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدِهِ أَنْزَلَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ، وَتَكْذِيبًا مِنْهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: هُوَ شِعْرٌ وَكَهَانَةٌ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا يَتَعَلَّمُهُ مُحَمَّدٌ مِنْ يَعِيشَ الرُّومِيِّ.
يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ لِيَخْتَلِقَهُ أَحَدٌ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ.
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَنْزَلَهُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ أَيْ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ [يونس: 37] يَقُولُ: وَتِبْيَانَ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَفَرَائِضَهُ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ فِي السَّابِقِ مِنْ عِلْمِهِ.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] يَقُولُ: لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، وَتَفْصِيلُ الْكِتَابِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ وَلَا اخْتِلَاقٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ: افْتَرَى مُحَمَّدٌ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ نَفْسِهِ، فَاخْتَلَقَهُ وَافْتَعَلَهُ.
قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ: إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ أَنِّي اخْتَلَقْتُهُ
وَافْتَرَيْتُهُ، فَإِنَّكُمْ مِثْلِي مِنَ الْعَرَبِ، وَلِسَانِي وَكَلَامِي مِثْلُ لِسَانِكُمْ، فَجِيئُوا بِسُورَةٍ
مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ.
وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْآنِ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَى ذَلِكَ: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ سُورَتِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ «سُورَةٌ» وَأُضِيفَ الْمِثْلُ إِلَى مَا كَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ السُّورَةُ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يُرَادُ بِهِ: وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَاهُ: فَأْتُوا بِقُرْآنٍ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ السُّورَةَ إِنَّمَا هِيَ سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَهِيَ قُرْآنٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيعَ الْقُرْآنِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] وَلَمْ يَقُلْ: «مِثْلِهَا» ، لِأَنَّ الْكِنَايَةَ أُخْرِجَتْ عَلَى الْمَعْنَى، أَعْنِي مَعْنَى السُّورَةِ، لَا عَلَى لَفْظِهَا، لِأَنَّهَا لَوْ أُخْرِجَتْ عَلَى لَفْظِهَا لَقِيلَ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهَا.
﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ﴾ [يونس: 38] يَقُولُ: وَادْعُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهَا مَنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تَدْعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَائِكُمْ وَشُرَكَائِكُمْ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 23] يَقُولُ: مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فَأَجْمِعُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَهِدُوا، فَإِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ أَبَدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ مِنْ جَمِيعِ مَنْ يُعِينُكُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ كَذْبَةٌ فِي زَعْمِكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَنْ يَعْدُو أَنْ يَكُونَ بَشَرًا
مِثْلَكَمْ، فَإِذَا عَجَزَ الْجَمِيعُ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ أَعْجَزُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ تَكْذِيبُكَ، وَلَكَنْ بِهِمُ التَّكْذِيبُ ﴿بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: 39] مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ
وَعِيدِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: 39] يَقُولُ: وَلَمَّا يَأْتِهِمْ بَعْدُ بَيَانُ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ فِي هَذَا الْقُرْآنِ.
﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: 148] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا كَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ بِوَعِيدِ اللَّهِ، كَذَلِكَ كَذَّبَ الْأُمَمُ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَهُمْ بِوَعِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَ عُقْبَى كُفْرِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، أَلَمْ نُهْلِكْ بَعْضَهُمْ بِالرَّجْفَةِ وَبَعْضَهُمْ بِالْخَسْفِ وَبَعْضَهُمْ بِالْغَرَقِ؟ يَقُولُ: فَإِنَّ عَاقِبَةَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ، وَيَجْحَدُونَ بِآيَاتِي مِنْ كُفَّارِ قَوْمِكَ، كَالَّتِي كَانَتْ عَاقِبَةَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ كَفَرَةِ الْأُمَمِ، إِنْ لَمْ يُنِيبُوا مِنْ كُفْرِهِمْ وَيُسَارِعُوا إِلَى التَّوْبَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ سَوْفَ يُؤْمِنُ بِهِ، يَقُولُ: مَنْ سَوْفَ يُصَدِّقُ بِالْقُرْآنِ، وَيَقِرُّ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: 40] أبدًا، يَقُولُ: وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُصَدِّقُ بِهِ، وَلَا يَقِرُّ أَبَدًا.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 40] يَقُولُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْهُمْ، الَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِهِ أَبَدًا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ عِقَابِهِ.
فَأَمَّا مَنْ كَتَبْتُ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ مِنْهُمْ فَإِنِّي سَأَتُوبُ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَإِنْ كَذَّبَكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَرَدُّوا عَلَيْكَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ، فَقُلْ لَهُمْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ لِي دِينِي
وَعَمَلِي، وَلَكَمْ دِينُكُمْ وَعَمَلُكَمْ، لَا يَضُرُّنِي عَمَلُكُمْ وَلَا يَضُرُّكُمْ عَمَلِي، وَإِنَّمَا يُجَازَى كُلُّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ.
﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ﴾ [يونس: 41] لَا تُؤَاخَذُونَ بِجَرِيرَتِهِ، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 41] لَا أُؤَاخَذُ بِجَرِيرَةِ عَمَلِكُمْ.
وَهَذَا كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: 2] . وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةُ، نَسَخَهَا الْجِهَادُ وَالْأَمْرُ بِالْقِتَالِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكَمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: 41] . الْآيَةَ، قَالَ: أَمَرَهُ بِهَذَا ثُمَّ نَسْخَهُ، وَأَمَرَهُ بِجِهَادِهِمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى قَوْلِكَ.
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 42] يَقُولُ: أَفَأَنْتَ تَخْلُقُ لَهُمُ السَّمْعَ وَلَوْ كَانُوا لَا
سَمْعَ لَهُمْ يَعْقِلُونَ بِهِ، أَمْ أَنَا؟ وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ عِبَادَهُ أَنَّ التَّوْفِيقَ لِلْإِيمَانِ بِهِ بِيَدِهِ لَا إِلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمَا أَنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُسْمِعَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ سَلَبْتُهُ السَّمْعَ، فَكَذَلِكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ أَمْرِي وَنَهْيِي قَلْبًا سَلَبْتُهُ فَهْمَ ذَلِكَ، لِأَنِّي خَتَمْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، مُشْرِكِي قَوْمِكَ، مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ وَيَرَى أَعْلَامَكَ وَحُجَجَكَ عَلَى نُبُوَّتِكَ، وَلَكَنَّ اللَّهَ قَدْ سَلَبَهُ التَّوْفِيقَ فَلَا يَهْتَدِي، وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تَهْدِيَهُ، كَمَا لَا
تَقْدِرُ أَنْ تُحْدِثَ لِلْأَعْمَى بَصَرًا يَهْتَدِي بِهِ.
﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: 43] يَقُولُ: أَفَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ تُحْدِثُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَإِلَى أَدِلَّتِكَ وَحُجَجِكَ فَلَا يُوَفَّقُونَ لِلْتَصْدِيقِ بِكَ أَبْصَارًا لَوْ كَانُوا عُمْيًا يَهْتَدُونَ بِهَا وَيُبْصِرُونَ؟ فَكَمَا أَنَّكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ وَلَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرُكَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَايَ، فَكَذَلِكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تُبَصِّرَهُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ غَيْرِي، لِأَنَّ ذَلِكَ بِيَدِي وَإِلَيَّ.
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ وَأَدْبَرَ عَنْهُ فَكَذَّبَ، وَتَعْزِيَةً لَهُ عَنْهُمْ، وَأَمْرًا بِرَفْعِ طَمَعَهُ مِنْ إِنَابَتِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكَنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ بِخَلْقِهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْهُ، لَا يُعَاقِبُهُمْ إِلَّا بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَلَا يُعَذِّبُهُمْ إِلَّا بِكُفْرِهِمْ بِهِ؛ ﴿وَلَكَنَّ النَّاسَ﴾ [يونس: 44] يَقُولُ: وَلَكَنَّ النَّاسَ هُمُ الَّذِينَ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ
بِاجْتِرَامِهِمْ مَا يُورِثُهَا غَضَبُ اللَّهِ وَسَخَطُهُ.
وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، أَنَّهُ لَمْ يُسْلِبْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الْإِيمَانَ ابْتِدَاءً مِنْهُ بِغَيْرِ جُرْمٍ سَلَفَ مِنْهُمْ، وَإِخْبَارٌ أَنَّهُ إِنَّمَا سَلَبَهُمْ ذَلِكَ بِاسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ، سَلَبَهُ لِذُنُوبٍ اكْتَسَبُوهَا، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ قَوْلُ رَبِّهِمْ، ﴿وَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 87]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ نَحْشُرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَنَجْمَعُهُمْ فِي مَوْقِفِ الْحِسَابِ، كَأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ
يَتَعَارَفُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ انْقَطَعَتِ الْمَعْرِفَةُ وَانْقَضَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ.
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: 45] قَدْ غَبَنَ الَّذِينَ جَحَدُوا ثَوَابَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ وَحُظُوظَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَهَلَكُوا.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16] يَقُولُ: وَمَا كَانُوا مُوَفَّقِينَ لِإِصَابَةِ الرُّشْدَ مِمَّا فَعَلُوا مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِلِقَاءِ اللَّهِ لِأَنَّهُ أَكْسَبَهُمْ ذَلِكَ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ فِي حَيَاتِكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ مِنَ الْعَذَابِ، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أَنْ نُرِيَكَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: 46] يَقُولُ:
فَمَصِيرُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ إِلَيْنَا وَمُنْقَلِبُهُمْ.
﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 46] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ثُمَّ أَنَا شَاهِدٌ عَلَى أَفْعَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا عَالِمٌ بِهَا لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْهَا، وَأَنَا مُجَازِيهِمْ بِهَا عِنْدَ مَصِيرِهِمْ إِلَيَّ وَمَرْجِعِهِمْ جَزَاءَهُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ كَمَا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس: 46] مِنَ الْعَذَابِ فِي حَيَاتِكَ، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس: 46] قَبْلُ، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: 46] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: 47] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ خَلَتْ قَبْلَكَمْ أَيُّهَا النَّاسُ رَسُولٌ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْهِمْ،
كَمَا أَرْسَلْتُ مُحَمَّدًا إِلَيْكُمْ يَدْعُونَ مَنْ أَرْسَلْتُهُمْ إِلَيْهِمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ.
﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ [يونس: 47] يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ؛ كَمَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ [يونس: 47] قَالَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَقَوْلُهُ: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: 47] يَقُولُ قُضِيَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: 47] مِنْ جَزَاءِ أَعْمَالِهِمْ شَيْئًا، وَلَكَنْ يُجَازَى الْمُحْسِنُ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِمَّا أَنْ يُعَاقِبَهُ اللَّهُ، وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَالْكَافِرُ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ؛ فَذَلِكَ قَضَاءُ اللَّهِ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، وَذَلِكَ لَا شَكَّ عَدْلٌ لَا ظُلْمٌ