تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 124-132

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: 7] يَقُولُ: تَغْلِي. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

صفحات 124-132
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: 7] يَقُولُ: تَغْلِي كَمَا يَغْلِي الْقِدْرُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَكَادُ جَهَنَّمَ ﴿تَمَيَّزُ﴾ [الملك: 8] يَقُولُ: تَتَفَرَّقُ وَتَتَقَطَّعُ مِنَ الْغَيْظِ عَلَى أَهْلِهَا.
وَبِنَحْوِ

الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 8] يَقُولُ: تَتَفَرَّقُ.

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 8] تَكَادُ يُفَارِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَنْفَطِرُ

حُدِّثْتُ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمَعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 8] يَقُولُ: تَفَرَّقَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 8] قَالَ: التَّمَيُّزُ: التَّفَرُّقُ ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 8] عَلَى أَهْلِ مَعَاصِي اللَّهِ غَضَبًا لِلَّهِ، وَانْتِقَامًا لَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ﴾ [الملك: 8] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ جَمَاعَةٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8] يَقُولُ: سَأَلَ الْفَوْجُ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ، فَقَالُوا لَهُمْ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ فِي الدُّنْيَا نَذِيرٌ يُنْذِرُكُمْ هَذَا الْعَذَابَ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ؟ فَأَجَابَهُمُ الْمَسَاكِينُ فَقَالُوا ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك: 9] يُنْذِرُنَا هَذَا

﴿فَكَذَّبْنَاهُ وَقُلْنَا﴾ لَهُ: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9] يَقُولُ: فِي ذَهَابٍ عَنِ الْحَقِّ بَعِيدٍ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الْفَوْجُ الَّذِي أُلْقِيَ فِي النَّارِ لِلْخَزَنَةِ: لَوْ كُنَّا فِي الدُّنْيَا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مِنَ النُّذُرِ مَا جَاءُونَا بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ، أَوْ نَعْقِلُ عَنْهُمْ مَا

كَانُوا يَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مَا كُنَّا الْيَوْمَ ﴿فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10] يَعْنِي أَهْلَ النَّارِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: 11] يَقُولُ: فَأَقَرُّوا بِذَنْبِهِمْ؛

وَوَحَّدَ الذَّنْبَ، وَقَدْ أُضِيفَ إِلَى الْجَمْعِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى فَعَلَ، فَأَدَّى الْوَاحِدُ عَنِ الْجَمْعِ، كَمَا يُقَالُ: خَرَجَ عَطَاءُ النَّاسِ، وَأُعْطِيَةُ النَّاسِ.
﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 11] يَقُولُ: فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 11] يَقُولُ: بُعْدًا

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 11] قَالَ: سُحْقًا: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ وَالْقُرَّاءُ عَلَى تَخْفِيفِ الْحَاءِ مِنَ السُّحْقِ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْفَصِيحَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ذَلِكَ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُحَرِّكُهَا بِالضَّمِّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ: يَقُولُ: وَهُمْ لَمْ يَرَوْهُ

﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: 9] يَقُولُ: لَهُمْ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 11] يَقُولُ: وَثَوَابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى خَشْيَتِهِمْ إِيَّاهُ بِالْغَيْبِ جَزِيلٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: 13] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَخْفُوا قَوْلَكُمْ وَكَلَامَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَوْ أَعْلِنُوهُ وَأَظْهِرُوهُ.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: 43] يَقُولُ: إِنَّهُ ذُو عِلْمٍ بِضَمَائِرِ الصُّدُورِ الَّتِي لَمْ يُتَكَلَّمْ بِهَا، فَكَيْفَ بِمَا نُطِقَ بِهِ وَتُكُلِّمَ بِهِ، أُخْفِيَ ذَلِكَ أَوْ أُعْلِنَ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ ضَمَائِرُ الصُّدُورِ

فَغَيْرُهَا أَحْرَى أَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا يَعْلَمُ الرَّبُّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ؟ يَقُولُ: كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ خَلْقُهُ الَّذِي خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ بِعِبَادِهِ الْخَبِيرُ

بِهِمْ وَبِأَعْمَالِهِمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا سَهْلًا سَهَّلَهَا لَكُمْ ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] . واخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى مَنَاكِبِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنَاكِبُهَا: جِبَالُهَا.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] يَقُولُ: جِبَالُهَا

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] فَقَالَ لَجَارِيَةٍ لَهُ: إِنْ دَرَيْتِ مَا مَنَاكِبُهَا فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ.
قَالَتْ: فَإِنَّ مَنَاكِبَهَا: جِبَالُهَا، فَكَأَنَّمَا سُفِعَ فِي وَجْهِهِ، وَرَغِبَ فِي جَارِيَتِهِ.
فَسَأَلَ، مِنْهُمْ مَنْ أَمَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَاهُ، فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: الْخَيْرُ فِي طُمَأْنِينَةٍ، وَالشَّرُّ فِي رِيبَةٍ، فَذَرْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] جِبَالُهَا

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] قَالَ: فِي جِبَالِهَا وَقَالَ آخَرُونَ: مَنَاكِبُهَا أَطْرَافُهَا وَنَوَاحِيهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] يَقُولُ: امْشُوا فِي أَطْرَافِهَا

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ بَشِيرَ بْنَ كَعْبٍ الْعَدَوِيَّ، قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] فَقَالَ لِجَارِيَتِهِ: إِنْ أَخْبَرْتِنِي مَا مَنَاكِبُهَا، فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَقَالَتْ: نَوَاحِيهَا؛ فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ الْخَيْرَ فِي طُمَأْنِينَةٍ، وَإِنَّ الشَّرَّ فِي رِيبَةٍ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] قَالَ: طُرُقُهَا وَفِجَاجُهَا وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَامْشُوا فِي نَوَاحِيهَا وَجَوَانِبِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ نَوَاحِيهَا نَظِيرُ مَنَاكِبِ الْإِنْسَانِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَطْرَافِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15] يَقُولُ: وَكُلُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَكُمْ مِنْ مَنَاكِبِ الْأَرْضِ.
﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِلَى اللَّهِ نَشْرُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16] أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: 16] يَقُولُ: فَإِذَا الْأَرْضُ تَذْهَبُ بِكُمْ وَتَجِيءُ

وَتَضْطَرِّبُ.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 17] وَهُوَ اللَّهُ ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: 17] وَهُوَ التُّرَابُ فِيهِ

الْحَصْبَاءُ الصِّغَارُ.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17] يَقُولُ: فَسَتَعْلَمُونَ أَيُّهَا الْكَفَرَةُ كَيْفَ عَاقِبَةُ نَذِيرِي لَكُمْ، إِذْ كَذَبْتُمْ بِهِ، وَرَدَدْتُمُوهُ عَلَى رَسُولِي.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ رُسُلِهِمْ ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: 44] يَقُولُ: فَكَيْفَ

كَانَ نَكِيرِي تَكْذِيبَهُمْ إِيَّاهُمْ.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك: 19] يَقُولُ: أَوَ لَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ﴿إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك: 19] أَجْنِحَتَهُنَّ ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: 19] يَقُولُ: وَيَقْبِضْنَ أَجْنِحَتَهُنَّ أَحْيَانًا.
وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَصُفُّ أَجْنِحَتَهَا أَحْيَانًا، وَتَقْبِضُ أَحْيَانًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، مَقَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿صَافَّاتٍ﴾ [الملك: 19] قَالَ: الطَّيْرُ يَصُفُّ جَنَاحَهُ كَمَا رَأَيْتَ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: 19] بَسْطُهُنَّ أَجْنِحَتَهُنَّ وَقَبْضُهُنَّ

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: 19] يَقُولُ: مَا يُمْسِكُ الطَّيْرَ الصَّافَّاتِ فَوْقَكُمْ إِلَّا الرَّحْمَنُ؛ يَقُولُ: فَلَهُمْ بِذَلِكَ مُذَكِرٌ إِنْ ذُكِّرُوا، وَمُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَرُوا، يَعْلَمُونَ بِهِ أَنَّ رَبَّهُمْ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ.
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: 19] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ ذُو بَصَرٍ وَخِبْرَةٍ، لَا يَدْخُلُ تَدْبِيرَهُ خَلَلٌ، وَلَا يُرَى فِي

خَلْقِهِ تَفَاوُتٌ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قُرَيْشِ: مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ بِهِ، يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا، فَيَدْفَعُ عَنْكُمْ مَا أَرَادَ بِكُمْ مِنْ ذَلِكَ.
﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ إِلَّا فِي غُرُورٍ مِنْ ظَنِّهِمْ أَنَّ آلِهَتَهُمْ تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَأَنَّهَا تَنْفَعُ أَوْ تَضُرُّ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ مِنْ هَذَا الَّذِي يُطْعِمُكُمْ وَيَسْقِيكُمْ، وَيَأْتِي بِأَقْوَاتِكُمْ إِنْ أَمْسَكَ بِكُمْ رِزْقَهُ الَّذِي يَرْزُقْهُ عَنْكُمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: 21] يَقُولُ: بَلْ تَمَادَوْا فِي طُغْيَانٍ وَنُفُورٍ عَنِ الْحَقِّ وَاسْتِكْبَارٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: 21] يَقُولُ: فِي ضَلَالٍ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: 21] قَالَ: كُفُورٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة: الملك، آية رقم: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَمَنْ يَمْشِي أَيُّهَا النَّاسُ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ لَا يُبْصِرُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ﴿أَهْدَى﴾ [سورة: النساء، آية رقم: 51] أَشَدُّ اسْتِقَامَةً عَلَى الطَّرِيقِ، وَأَهْدَى لَهُ، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ [سورة: الملك، آية رقم: 22] مَشْيَ بَنِي آدَمَ عَلَى

قَدَمَيْهِ ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة: الأنعام، آية رقم: 39] يَقُولُ: عَلَى طَرِيقٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ؛ وَقِيلَ ﴿مُكِبًّا﴾ [سورة: الملك، آية رقم: 22] لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ وَاقِعٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا أَدْخَلُوا فِيهِ الْأَلِفَ، فَقَالُوا: أَكَبَّ فُلَانٌ عَلَى وَجْهِهِ، فَهُوَ مُكِبٌّ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر الطويل] مُكِبًّا عَلَى رَوْقَيْهِ يَحْفِرُ عِرْقَهَا ... عَلَى ظَهْرِ عُرْيَانِ الطَّرِيقَةِ أَهْيَمَا فَقَالَ: مُكِبًّا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ وَاقِعٍ، فَإِذَا كَانَ وَاقِعًا حُذِفَتْ مِنْهُ الْأَلِفُ، فَقِيلَ: كَبَبْتُ فُلَانًا عَلَى وَجْهِهِ وَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

جارٍ التحميل