الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 22] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 21] أَيْ يَجْحَدُونَ
حُجَجَ اللَّهِ وَأَعْلَامَهُ فَيُكَذِّبُونَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ
كَمَا: حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: «ثُمَّ جَمَعَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا، وَذَكَرَ مَا أَحْدَثُوا وَابْتَدَعُوا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 21] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 21] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ كَانُوا يُرْسَلُونَ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ عَمَّا يَأْتُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَرُكُوبِ مَا كَانُوا يَرْكَبُونَهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِمْ بِالزَّجْرِ عَنْهَا، نَحْوَ زَكَرِيَّا وَابْنِهِ يَحْيَى وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 21] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَسَائِرُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 21] بِمَعْنَى الْقَتْلِ، وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (وَيُقَاتِلُونَ)
بِمَعْنَى الْقِتَالِ تَأَوُّلًا مِنْهُ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وَقَاتَلُوا فَقَرَأَ الَّذِي وَصَفْنَا أَمْرَهُ مِنَ الْقُرَّاءِ بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ (وَيُقَاتِلُونَ)
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 61] لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ بِهِ، مَعَ مَجِيءِ التَّأْوِيلِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِأَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مِسْكِينٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 21] قَالَ: «كَانَ الْوَحْيُ يَأْتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيُذَكِّرُونَ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتَابٌ، فَيَقْتَلُونَ، فَيَقُومُ رِجَالٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهُمْ وَصَدَّقَهُمْ، فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهُمْ فَيُقْتَلُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 21] قَالَ: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ، كَانَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ يَنْهَوْنَهُمْ وَيُذَكِّرُونَهُمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي
قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 21] قَالَ: «كَانَ نَاسٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِمَّنْ لَمْ يَقْرَأِ الْكِتَابَ كَانَ الْوَحْي يَأْتِي إِلَيْهِمْ، فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهُمْ فَيُقْتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ»
حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ الرُّصَافِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْحَسَنِ، مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤيْبٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ رَجُلٌ أَمَرَ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ» . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 21] إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 22] ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مِائَةُ رَجُلٍ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَقْتُلُونَ آمِرِيهِمْ بِالْعَدْلِ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، الَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ قَتْلِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ
وَرُكُوبِ مَعَاصِيهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 22] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21] فَأَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمُ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابًا مُؤْلِمًا لَهُمْ، وَهُوَ الْمُوجِعُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 22] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: 5] الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ، هُمُ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ، يَعْنِي بَطَلَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 114] فَلَمْ يَنَالُوا بِهَا مَحْمَدَةً وَلَا ثَنَاءً مِنَ النَّاسِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ وَبَاطِلٍ، وَلَمْ يَرْفَعِ اللَّهُ لَهُمْ بِهَا ذِكْرًا، بَلْ لَعَنَهُمْ وَهَتَكَ أَسْتَارَهُمْ، وَأَبْدَى مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبَائِحِ أَعْمَالِهِمْ عَلَى أَلْسُنِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ فِي كُتُبِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَيْهِمْ، فَأَبْقَى لَهُمْ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا مَذَمَّةً، فَذَلِكَ حُبُوطُهَا فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْعِقَابِ مَا وَصَفَ فِي كِتَابِهِ، وَأَعْلَمَ عِبَادَهُ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَصِيرُ بُورًا لَا ثَوَابَ لَهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ كُفْرًا بِاللَّهِ، فَجَزَاءُ أَهْلِهَا الْخُلُودُ فِي الْجَحِيمِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 22] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ إِذَا هُوَ انْتَقَمَ مِنْهُمْ بِمَا سَلَفَ مِنْ إِجْرَامِهِمْ وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ، فَيَسْتَنْقِذُهُمْ مِنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] يَا مُحَمَّدُ ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 23] يَقُولُ: الَّذِينَ أُعْطُوا حَظًّا مِنَ الْكِتَابِ، يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 23] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ التَّوْرَاةُ دَعَاهُمْ إِلَى الرِّضَا بِمَا فِيهَا، إِذْ كَانَتِ الْفِرَقُ الْمُنْتَحِلَةُ الْكُتُبَ تُقِرُّ بِهَا وَبِمَا فِيهَا أَنَّهَا كَانَتْ أَحْكَامَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُنْسَخَ مِنْهَا مَا نُسِخَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ يَهُودَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: «عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ» ، فَقَالَا: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى آلِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلُمَّا إِلَى التَّوْرَاةِ» ، وَقَالَ أَيْضًا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 23] وَسَائِرُ الْحَدِيثِ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا دُعِيَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، فَأَبَتْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23] «أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ، دُعُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَإِلَى نَبِيِّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَهُمْ مُعْرِضُونَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 23] الْآيَةَ، قَالَ: «هُمُ الْيَهُودُ دُعُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَإِلَى نَبِيِّهِ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ وَهُمْ مُعْرِضُونَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 23] قَالَ: «كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ يَكُونُ وَفِي الْحُدُودِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ ذَلِكَ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَهْدِهِ، مِمَّنْ قَدْ أُوتِي عِلْمًا بِالتَّوْرَاةِ أَنَّهُمْ دُعُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي كَانُوا يُقِرُّونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهُوَ فِي التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ هُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَنَازُعُهُمُ الَّذِي كَانُوا تَنَازَعُوا فِيهِ ثُمَّ دُعُوا إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ فِيهِ، فَامْتَنَعُوا مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَيْهِ، كَانَ أَمْرَ مُحَمَّدٍ وَأَمْرَ نُبُوَّتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ أَمْرَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَدِينِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فِي حَدٍّ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ كَانُوا نَازَعُوا فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَاهُمْ فِيهِ إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ، فَأَبَى الْإِجَابَةَ فِيهِ، وَكَتَمَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِمَّنْ أَبَى، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ
هَذَا دُونَ هَذَا، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دُعُوا إِلَيْهِ حَمَلَتُهُ هُوَ مِمَّا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمُ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْهُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ عَنْهُمْ بِرِدَّتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ وَجُحُودِهِمْ، مَا قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ بِإِقَامَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَلَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِثْلَهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ مُوسَى وَمَا جَاءَ بِهِ، وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُقَرُّونَ بِهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23] ثُمَّ يَسْتَدْبِرُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي دَعَا إِلَى حُكْمِهِ مُعْرِضًا عَنْهُ مُنْصَرِفًا، وَهُوَ بِحَقِيقَتِهِ وَحُجَّتِهِ عَالِمٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ هُوَ التَّوْرَاةُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِالْقُرْآنِ مُكَذِّبِينَ وَبِالتَّوْرَاةِ بِزَعْمِهِمْ مُصَدِّقِينَ، فَكَانَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا هُمْ بِهِ فِي زَعْمِهِمْ مُقِرُّونَ أَبْلَغَ وَلِلْعُذْرِ أَقْطَعَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ [البقرة: 275] بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا نَازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّمَا أَبَوُا
الْإِجَابَةَ فِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَقِّ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: 24] وَهِيَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهُنَّ الْأَيَّامُ الَّتِي عَبْدُوا فِيهَا الْعِجْلَ، ثُمَّ يُخْرِجُنَا مِنْهَا رَبُّنَا؛ اغِتْرَارًا مِنْهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، يَعْنِي بِمَا كَانُوا يَخْتَلِقُونَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَالْأَبَاطِيلِ فِي ادِّعَائِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَ أَبَاهُمْ يَعْقُوبَ أَنْ لَا يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ
النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَخْبَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ النَّارِ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، دُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْدِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: 24] قَالُوا: «لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ الَّتِي نَصَبْنَا فِيهَا الْعِجْلَ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْقَسَمُ وَالْعَذَابُ عَنَّا» قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24] أَيْ قَالُوا: «نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: 24] الْآيَةَ، قَالَ: " قَالُوا: لَنْ نُعَذَّبَ فِي النَّارِ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: يَعْنِي الْيَهُودَ " قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «هِيَ الْأَيَّامُ الَّتِي نَصَبُوا فِيهَا الْعِجْلَ» يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24] حِينَ قَالُوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24] قَالَ: " غَرَّهُمْ قَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: 24] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 25] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ [آل عمران: 25] فَأَيُّ حَالٍ يَكُونُ حَالُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ، وَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَاغْتِرَارِهِمْ بِرَبِّهِمْ،
وَافْتِرَائِهِمُ الْكَذِبَ؟ وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِيدٌ لَهُمْ شَدِيدٌ، وَتَهْدِيدٌ غَلِيظٌ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ [آل عمران: 25] الْآيَةَ: فَمَا أَعْظَمَ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَتَنْكِيلِهِ بِهِمْ إِذَا جَمَعَهُمْ لِيَوْمٍ يُوَفَّى كُلُّ عَامِلٍ جَزَاءَ عَمَلِهِ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ غَيْرَ مَظْلُومٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ فِيهِ إِلَّا عَلَى مَا اجْتَرَمَ، وَلَا يُؤَاخَذُ إِلَّا بِمَا عَمِلَ، يَجْزِي الْمُحْسِنُ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ، لَا يَخَافُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ يَوْمَئِذٍ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 25] وَلَمْ يَقُلْ: فِي يَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ؟ قِيلَ: لِمُخَالَفَةِ مَعْنَى اللَّامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى فِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَ اللَّامِ «فِي» لَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ مَاذَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ؟ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي دُخُولِ اللَّامِ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ مَعَ اللَّامِ، فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِمَا يَحْدُثُ فِي يَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ
الْيَوْمِ مِنْ فَصْلِ اللَّهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ خَلْقِهِ، مَاذَا لَهُمْ حِينَئِذٍ مِنَ الْعِقَابِ وَأَلِيمِ الْعَذَابِ؟ فَمَعَ اللَّامِ فِي: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 9] نِيَّةُ فِعْلٍ وَخَبَرٍ مَطْلُوبٍ قَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ، أَجْزَأَتْ دَلَالَةُ دُخُولِ اللَّامِ فِي الْيَوْمِ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَعَ «فِي» فَلِذَلِكَ اخْتِيرَتِ اللَّامُ فَأُدْخِلَتْ فِي «لِيَوْمٍ» دُونَ «فِي» . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي مَجِيئِهِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الْكَافِيَةِ، مَعَ ذِكْرِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَوُفِّيَتْ﴾ [آل عمران: 25] وَوَفَّى اللَّهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: 281] يَعْنِي مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281] يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَبْخَسُ الْمُحْسِنَ جَزَاءَ إِحْسَانِهِ، وَلَا يُعَاقِبُ مُسِيئًا بِغَيْرِ جُرْمِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26] أَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ [آل عمران: 26] فَإِنَّهُ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: يَا اللَّهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نَصْبِ مِيمِ ﴿اللَّهُمَّ﴾ [آل عمران: 26] وَهُوَ مُنَادَى، وَحُكْمُ
الْمُنَادَى الْمُفْرِدِ غَيْرِ الْمُضَافِ الرَّفْعُ، وَفِي دُخُولِ الْمِيمِ فِيهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ «اللَّهُ» بِغَيْرِ مِيمٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْمِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَادَى بِـ «يَا» كَمَا يُنَادَى الْأَسْمَاءُ الَّتِي لَا أَلِفَ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي لَا أَلِفَ وَلَا لَامَ فِيهَا تُنَادَى بِـ « يَا» ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: يَا زَيْدُ وَيَا عَمْرُو، قَالَ: فَجُعِلَتِ الْمِيمُ فِيهِ خَلَفًا مِنْ «يَا» ، كَمَا قَالُوا: فَمْ، وَدَمْ، وَهُمْ وَزُرْقُمْ وَسُتْهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالنُّعُوتِ الَّتِي يُحْذَفُ مِنْهَا الْحَرْفُ، ثُمَّ يُبْدَلُ مَكَانَهُ مِيمٌ، قَالَ: فَكَذَلِكَ حُذِفَتْ مِنَ اللَّهُمَّ «يَا» الَّتِي يُنَادَى بِهَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَجُعِلَتِ الْمِيمُ خَلَفًا مِنْهَا فِي آخِرِ الِاسْمِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ آخَرُونَ، وَقَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا الْعَرَبَ تُنَادِي: اللَّهُمَّ ب «يَا» ، كَمَا تُنَادِيهِ، وَلَا مِيمَ فِيهِ، قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مُصِيبًا فِي دَعْوَاهُ لَمْ تُدْخِلِ الْعَرَبُ «يَا» ، وَقَدْ جَاءُوا بِالْخَلَفِ مِنْهَا، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ: [البحر الرجز] وَمَا عَلَيْكِ أَنْ تَقُولِي كُلَّمَا ... صَلَّيْتِ أَوْ كَبَّرْتِ يَا اللَّهُمَّ ارْدُدْ إِلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّمَا
وَيُرْوَى: «سَبَّحْتِ أَوْ كَبَّرْتِ» ، قَالُوا: وَلَمْ نَرَ الْعَرَبَ زَادَتْ مِثْلَ هَذِهِ الْمِيمِ إِلَّا مُخَفَّفَةً فِي نَوَاقِصِ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ فَمْ، وَدَمْ، وَهُمْ قَالُوا: وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهَا كَلِمَةٌ ضُمَّ إِلَيْهَا «أُمَّ» بِمَعْنَى «يَا اللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ» ، فَكَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ فَاخْتَلَطَتْ بِهِ، قَالُوا: فَالضَّمَّةُ الَّتِي فِي الْهَاءِ مِنْ هُمَزَةِ «أُمَّ» لَمَّا تُرِكَتِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَا قَبْلَهَا، قَالُوا: وَنَرَى أَنَّ قَوْلَ الْعَرَبِ هَلُمَّ إِلَيْنَا مِثْلُهَا، إِنَّمَا كَانَ هَلُمَّ «هَلْ» ضُمَّ إِلَيْهَا «أُمَّ» فَتُرِكَتْ عَلَى نَصْبِهَا، قَالُوا: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ إِذَا طَرَحَ الْمِيمَ: «يَا اللَّهُ اغْفِرْ لِي» ، «وَيَا اللَّهُ اغْفِرْ لِي» ، بِهَمْزِ الْأَلْفِ مِنَ اللَّهِ مَرَّةً، وَوَصْلِهَا أُخْرَى، فَمَنْ حَذَفَهَا أَجْرَاهَا عَلَى أَصْلِهَا؛ لِأَنَّهَا أَلْفٌ وَلَامٌ، مِثْلَ الْأَلْفِ وَاللَّامِ اللَّتَيْنِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمَعَارِفِ زَائِدَتَيْنِ، وَمَنْ هَمَزَهَا تَوَهَّمَ أَنَّهَا مِنَ الْحَرْفِ، إِذْ كَانَتْ لَا تَسْقُطُ مِنْهُ، وَأَنْشَدُوا فِي هَمْزِ الْأَلْفِ مِنْهَا:
مُبَارَكٌ هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ ... عَلَى اسْمِكَ اللَّهُمَّ يَا أَللَّهُ
قَالُوا: وَقَدْ كَثُرَتِ اللَّهُمَّ فِي الْكَلَامِ حَتَّى خُفِّفَتْ مِيمُهَا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ، وَأَنْشَدُوا.
[البحر الرجز]
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا اللَّهُمُ الْكِبَارُ وَالرُّوَاةُ تُنْشِدُ ذَلِكَ: «يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الْكِبَارُ» . وَقَدْ أَنْشَدَهُ بَعْضُهُمْ: «يَسْمَعُهَا اللَّهُ وَالْكُبَّارُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] يَعْنِي بِذَلِكَ: يَا مَالِكَ الْمُلْكِ، يَا مَنْ لَهُ مُلْكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ خَالِصًا دُونَ غَيْرِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: 26] «أَيْ رَبَّ الْعِبَادِ، الْمُلْكُ لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرُكَ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مِنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] فَإِنَّهُ يَعْنِي: تُعْطِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ فَتُمَلِّكُهُ وَتُسَلِّطُهُ عَلَى مَنْ تَشَاءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ، فَتَرَكَ ذِكْرَ «أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ» اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] عَلَيْهِ، كَمَا يُقَالُ: خُذْ مَا شِئْتَ، وَكُنْ فِيمَا شِئْتَ، يُرَادُ: خُذْ مَا شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَكُنْ فِيمَا شِئْتَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 8] يَعْنِي: فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ أَنْ يُرَكِّبَكَ فِيهَا رَكَّبَكَ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ لِأُمَّتِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ،؛ وَذُكِرَ لَنَا " أَنَّ نَبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] إِلَى: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَعْنَى الْمُلْكِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ النُّبُوَّةُ
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] قَالَ: «النُّبُوَّةُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ: وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِإِعْطَائِهِ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ وَبَسْطِ الْقُدْرَةِ لَهُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِسَلْبِكَ مُلْكَهُ وَتَسْلِيطِ عَدُوٍّ عَلَيْهِ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: 26] أَيْ كُلُّ ذَلِكَ بِيَدِكَ وَإِلَيْكَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ؛ لِأَنَّكَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، دُونَ سَائِرِ خَلْقِكَ، وَدُونَ مَنِ اتَّخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ إِلَهًا وَرَبًّا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِكَ، كَالْمَسِيحِ وَالْأَنْدَادِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْأُمِّيُّونَ رَبًّا
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] الْآيَةَ، «أَيْ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِكَ لَا إِلَى غَيْرِكَ» ، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26] «أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُكَ بِسْلُطَانِكَ وَقُدْرَتِكَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 27] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿تُولِجُ﴾ [آل عمران: 27] تُدْخِلُ، يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ وَلِجَ فُلَانٌ مَنْزِلَهُ: إِذَا