وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: 24] يَقُولُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ جُنْدٌ اللَّهُ مُغْرُقُهُمْ فِي الْبَحْرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَذُوقَ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقُونَ فِي الْجَنَّةِ الْمَوْتِ بَعْدَ الْمُوتَةِ الْأُولَى الَّتِي ذَاقُوهَا فِي الدُّنْيَا وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ «إِلَّا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى أَنَّهَا فِي مَعْنَى سِوَى، وَيَقُولُ: مَعْنَى الْكَلَامِ: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا
الْمَوْتَ سِوَى الْمَوْتَةَ الْأُولَى، وَيُمَثِّلُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22] بِمَعْنَى: سِوَى مَا قَدْ فَعَلَ آبَاؤُكُمْ، وَلَيْسَ لِلَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي وَجْهٌ مَفْهُومٌ، لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَا أَذُوقُ الْيَوْمَ الطَّعَامَ إِلَّا الطَّعَامَ الَّذِي ذُقْتُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخَبَرَ عَنْ قَائِلِهِ أَنَّ عِنْدَهُ طَعَامًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ذَائِقُهُ وَطَاعِمُهُ دُونَ سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ غَيْرَهُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ
الْأَغْلَبُ مِنْ مَعْنَاهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَثْبَتَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: 56] مَوْتَةً مِنْ نَوْعِ الْأُولَى هُمْ ذَائِقُوهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَّنَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ إِذَا هُمْ دَخَلُوهَا مِنَ الْمَوْتِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتُ مِنْ مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ تُوضَعَ «إِلَّا» فِي مَوْضِعِ «بَعْدَ» لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: لَا أُكَلِّمُ الْيَوْمَ رَجُلًا إِلَّا رَجُلًا عِنْدَ عَمْرٍو قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُكَلِّمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ رَجُلًا بَعْدَ كَلَامِ الرَّجُلِ الَّذِي عِنْدَ عَمْرٍو وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لَا أُكَلِّمُ الْيَوْمَ رَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَ عَمْرٍو، قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُكَلِّمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ رَجُلًا إِلَّا رَجُلًا عِنْدَ عَمْرٍو، فَبَعْدَ، وَإِلَّا: مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ تَضَعَ الْكَلِمَةَ مَكَانَ غَيْرِهَا إِذَا تَقَارَبَ مَعْنَيَاهُمَا، وَذَلِكَ كَوَضْعِهِمُ الرَّجَاءَ مَكَانَ الْخَوْفِ لِمَا فِي مَعْنَى الرَّجَاءِ مِنَ الْخَوْفِ، لِأَنَّ الرَّجَاءَ لَيْسَ بِيَقِينٍ، وَإِنَّمَا هُوَ طَمَعٌ، وَقَدْ يَصْدُقُ وَيَكْذِبُ كَمَا الْخَوْفُ يَصْدُقُ أَحْيَانًا وَيَكْذِبُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: إِذَا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ فَقَالَ: لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا، وَمَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ: لَمْ يَخَفْ لَسْعَهَا، وَكَوَضْعِهِمُ الظَّنَّ مَوْضِعَ الْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يُدْرَكْ مِنْ قِبَلِ الْعِيَانِ، وَإِنَّمَا أُدْرِكَ اسْتِدْلَالًا أَوْ خَبَرًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ بِمَعْنَى: أَيْقِنُوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ وَاعْلَمُوا، فَوَضَعَ الظَّنَّ مَوْضِعَ الْيَقِينِ، إِذْ لَمْ يَكُنِ
الْمَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ قَدْ عَايَنُوا أَلْفَيْ مُدَجَّجٍ، وَلَا رَأَوْهُمْ، وَإِنَّ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ هَذَا الْمُخْبِرُ، فَقَالَ لَهُمْ ظُنُّوا الْعِلْمَ بِمَا لَمْ يُعَايَنْ مِنْ فِعْلِ الْقَلْبِ، فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا فِي نَظَائِرَ لِمَا ذَكَرْتُ يَكْثُرُ إِحْصَاؤُهَا، كَمَا يَتَقَارَبُ مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي، وَهُمَا مُخْتَلِفَتَا الْمَعْنَى فِي أَشْيَاءَ أُخَرَ، فَتَضَعُ الْعَرَبُ إِحْدَاهُمَا مَكَانَ صَاحِبَتِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَقَارَبُ مَعْنَيَاهُمَا فِيهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: 56] وَضَعَتْ «إِلَّا» فِي مَوْضِعٍ «بَعْدَ» لِمَا نَصِفُ مِنْ تَقَارُبِ مَعْنَى «إِلَّا» ، وَ «بَعْدَ» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَذَلِكَ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: بَعْدَ الَّذِي سَلَفَ مِنْكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَمَّا إِذَا وَجَّهْتُ «إِلَّا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى مَعْنَى سِوَى، فَإِنَّمَا هُوَ تَرْجَمَةٌ عَنِ الْمَكَانِ، وَبَيَانٌ عَنْهَا بِمَا هُوَ أَشَدُّ الْتِبَاسًا عَلَى مَنْ أَرَادَ عِلْمَ مَعْنَاهَا مِنْهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوَقَى هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ رَبُّهُمْ يَوْمَئِذٍ عَذَابَ النَّارِ تَفَضُّلًا يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَبِّكَ عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا مِنْهُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ بِجُرْمٍ سَلَفَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَوْلَا تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِمْ بِصَفْحِهِ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ لَهُمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ
ذَلِكَ، لَمْ يَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، وَلَكِنْ كَانَ يَنَالُهُمْ وَيُصِيبُهُمْ أَلَمُهُ وَمَكْرُوهُهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي وَصَفْتُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ: يَقُولُ: هُوَ الظَّفَرُ الْعَظِيمُ بِمَا كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْ إِدْرَاكِهِ فِي الدُّنْيَا بِأَعْمَالِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ، وَاتِّقَائِهِمْ إِيَّاهُ، فِيمَا امْتَحَنَهُمْ بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْفَرَائِضِ، وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّمَا سَهَّلْنَا قِرَاءَةَ هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ بِلِسَانِكَ، لِيَتَذَكَّرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِمْ بِعِبَرِهِ وَحُجَجِهِ،
وَيَتَّعِظُوا بِعِظَاتِهِ، وَيَتَفَكَّرُوا فِي آيَاتِهِ إِذَا أَنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ، فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَيُذْعِنُوا لِلْحَقِّ عِنْدَ تَبَيَّنَهُمُوهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان: 58] " أَيْ هَذَا الْقُرْآنَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: 58] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان: 58] قَالَ: " الْقُرْآنُ، وَيَسَّرْنَاهُ: أَطْلَقَ بِهِ لِسَانِهِ "
وَقَوْلَهُ: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَانْتَظِرْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الْفَتْحَ مِنْ رَبِّكَ، وَالنَّصْرَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ مِنْ قُرَيْشٍ، إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ قَهْرَكَ وَغَلَبَتَكَ بِصَدِّهِمْ عَمَّا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مَنْ أَرَادَ قَبُولَهُ وَاتِّبَاعَكَ عَلَيْهِ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: 59] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ "﴾ [الدخان: 59] أَيْ فَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ "