تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 318-336

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: 15] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾

صفحات 318-336
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[البقرة: 15]

فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: 15] يُمْلِي لَهُمْ "

وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قِرَاءَةً عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿يَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: 15] قَالَ: يَزِيدُهُمْ " وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى: يَمُدُّ لَهُمْ، وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْعَرَبِ: الْغُلَامُ يَلْعَبُ الْكِعَابَ، يُرَادُ بِهِ يَلْعَبُ بِالْكِعَابِ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ يَقُولُونَ قَدْ مَدَدْتُ لَهُ وَأَمْدَدْتُ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ [الطور: 22] وَهَذَا مِنْ أَمْدَدْنَاهُمْ، قَالَ: وَيُقَالُ قَدْ مَدَّ الْبَحْرُ فَهُوَ مَادٌّ، وَأَمَدَّ الْجُرْحُ فَهُوَ مُمِدٌّ.
وَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كَانَ مِنَ الشَّرِّ فَهُوَ مَدَدْتُ، وَمَا كَانَ مِنَ الْخَيْرِ فَهُوَ أَمْدَدْتُ.
ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ كَمَا فَسَّرْتُ لَكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ تَرَكْتَهُ فَهُوَ مَدَدْتَ لَهُ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ قُلْتَ: أَمْدَدْتُ.
وَأَمَّا بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ زِيَادَةٍ حَدَثَتْ فِي الشَّيْءِ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَدَدْتُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، كَمَا تَقُولُ: مَدَّ النَّهَرُ، وَمَدُّهُ نَهْرُ آخَرُ غَيْرُهُ: إِذَا اتَّصَلَ بِهِ فَصَارَ مِنْهُ.
وَكُلُّ زِيَادَةٍ أُحْدِثَتْ فِي الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ بِأَلِفٍ، كَقَوْلِكَ: أَمَدَّ الْجُرْحُ، لِأَنَّ الْمِدَّةَ مِنْ غَيْرِ الْجُرْحِ، وَأَمْدَدْتُ الْجَيْشَ بِمَدَدٍ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: 15] أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى

يَزِيدُهُمْ، عَلَى وَجْهِ الْإِمْلَاءِ وَالتَّرْكِ لَهُمْ فِي عُتُوِّهِمْ وَتَمَرُّدِهِمْ، كَمَا وَصَفَ رَبُّنَا أَنَّهُ فَعَلَ بِنُظَرَائِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110] يَعْنِي نَذَرُهُمْ وَنَتْرُكُهُمْ فِيهِ وَنُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا إِلَى إِثْمِهِمْ.
وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِمَعْنَى يَمُدُّ لَهُمْ لِأَنَّهُ لَا تَدَافُعَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بَلَغْتُهَا أَنْ يَسْتَجِيزُوا قَوْلَ الْقَائِلِ: مَدَّ النَّهَرَ نَهَرٌ آخَرُ، بِمَعْنَى: اتَّصَلَ بِهِ فَصَارَ زَائِدًا مَاءُ الْمُتَّصَلِ بِهِ بِمَاءِ الْمُتَّصِلِ مِنْ غَيْرِ تَأَوُّلٍ مِنْهُمْ، ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ مَدَّ النَّهَرَ نَهَرٌ آخَرُ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: 15] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالطُّغْيَانُ الْفُعْلَانُ، مِنْ قَوْلِكَ: طَغَى فُلَانٌ يَطْغَى طُغْيَانًا إِذَا تَجَاوَزَ فِي الْأَمْرِ حَدَّهُ فَبَغَى وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 7] أَيْ يَتَجَاوَزُ حَدَّهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: [البحر الخفيف] وَدَعَا اللَّهَ دَعْوَةً لَاتَ هَنَّا ... بَعْدَ طُغْيَانِهِ فَظَلَّ مُشِيرَا وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: 15] أَنَّهُ يُمْلِي لَهُمْ وَيَذَرُهُمْ يَبْغُونَ فِي ضَلَالِهِمْ وَكُفْرِهِمْ حَيَارَى يَتَرَدَّدُونَ

كَمَا حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] قَالَ: فِي كُفْرِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ "

وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: 15] فِي كُفْرِهِمْ "

وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] أَيْ فِي ضَلَالَتِهِمْ يَعْمَهُونَ "

وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ

الرَّبِيعِ: " ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: 15] فِي ضَلَالَتِهِمْ "

وَحَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ " فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: 15] قَالَ: طُغْيَانُهُمْ، كُفْرُهُمْ وَضَلَالَتُهُمْ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْعَمَهُ نَفْسُهُ: الضَّلَالُ، يُقَالُ مِنْهُ: عَمَهَ فُلَانٌ يَعْمَهُ عَمَهَانًا وَعُمُوهًا: إِذَا ضَلَّ وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ يَصِفُ مُضِلَّةً مِنَ الْمَهَامِهِ: [البحر الرجز] وَمُخْفِقٌ مِنْ لُهْلُهٍ وَلُهْلُهِ ... مِنْ مَهْمَهٍ يَجْتَبْنَهُ فِي مَهْمَهِ أَعْمَى الْهُدَى بِالْجَاهِلِينَ الْعُمَّهِ وَالْعَمَهُ: جَمْعُ عَامِهٍ، وَهُمُ الَّذِينَ يَضِلُّونَ فِيهِ فَيَتَحَيَّرُونَ.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] فِي ضَلَالِهِمْ وَكُفْرِهِمُ

الَّذِي قَدْ غَمَرَهُمْ دَنَسُهُ وَعَلَاهُمْ رِجْسُهُ، يَتَرَدَّدُونَ حَيَارَى ضُلَّالًا لَا يَجِدُونَ إِلَى الْمَخْرَجِ مِنْهُ سَبِيلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَخَتَمَ عَلَيْهَا، فَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْهُدَى وَأَغْشَاهَا، فَلَا يُبْصِرُونَ رُشْدًا وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي الْعَمَهِ جَاءَ تَأْوِيلُ الْمُتَأَوِّلِينَ

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] يَتَمَادَوْنَ فِي كُفْرِهِمْ "

وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] قَالَ: يَتَمَادَوْنَ "

وَحُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] قَالَ: يَتَرَدَّدُونَ "

وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] الْمُتَلَدِّدُ "

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] قَالَ: يَتَرَدَّدُونَ " وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةً عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] قَالَ: يَتَرَدَّدُونَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ اشْتَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَإِنَّمَا كَانُوا مُنَافِقِينَ لَمْ يَتَقَدَّمْ نِفَاقَهُمْ إِيمَانٌ فَيُقَالُ فِيهِمْ بَاعُوا هَدَاهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ بِضَلَالَتِهِمْ

حَتَّى اسْتَبْدَلُوهَا مِنْهُ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعْنَى الشِّرَاءِ الْمَفْهُومِ

اعْتِيَاضُ شَيْءٍ بِبَذْلِ شَيْءٍ مَكَانَهُ عِوَضًا مِنْهُ، وَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ عَلَى هُدًى فَيَتْرُكُوهُ وَيَعْتَاضُوا مِنْهُ كُفْرًا وَنِفَاقًا؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَنَذْكُرُ مَا قَالُوا فِيهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] أَيِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ "

وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] يَقُولُ أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى "

وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى "

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا " وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى، وَجَّهُوا مَعْنَى الشِّرَاءِ إِلَى أَنَّهُ أَخْذُ الْمُشْتَرِي مَكَانَ الثَّمَنِ الْمُشْتَرَى بِهِ، فَقَالُوا: كَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ قَدْ أَخْذَا مَكَانَ الْإِيمَانِ الْكُفْرَ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا شِرَاءً لِلْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ اللَّذَيْنِ أَخَذَاهُمَا بِتَرْكِهِمَا مَا تَرَكَا مِنَ الْهُدَى، وَكَانَ الْهُدَى الَّذِي تَرَكَاهُ هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي جَعَلَاهُ عِوَضًا مِنَ الضَّلَالَةِ الَّتِي أَخَذَاهَا.
وَأَمَّا الَّذِينَ تَأَوَّلُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا﴾ [البقرة: 16] : اسْتَحَبُّوا، فَإِنَّهُمْ لَمَّا وَجَدُوا اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ وَصَفَ الْكُفَّارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَنَسَبَهُمْ إِلَى اسْتِحْبَابِهِمُ الْكُفْرَ عَلَى الْهُدَى، فَقَالَ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17] صَرَفُوا قَوْلَهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا:

قَدْ تَدْخُلُ الْبَاءُ مَكَانَ عَلَى، وَعَلَى مَكَانَ الْبَاءِ، كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِفُلَانٍ وَمَرَرْتُ عَلَى فُلَانٍ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] أَيْ: عَلَى قِنْطَارٍ.
فَكَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى هَؤُلَاءِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَارُوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى.
وَأَرَاهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿اشْتَرَوْا﴾ [البقرة: 16] إِلَى مَعْنَى اخْتَارُوا، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: اشْتَرَيْتُ كَذَا عَلَى كَذَا، وَاشْتَرَيْتُهُ يَعْنُونَ اخْتَرْتُهُ عَلَيْهِ.
وَمِنَ الِاشْتِرَاءِ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ: [البحر المتقارب] فَقَدْ أُخْرِجُ الْكَاعِبَ الْمُشْتَرَاةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعُ الْقِمَارَا يَعْنِي بِالْمُشْتَرَاةِ: الْمُخْتَارَةَ.
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ فِي الِاشْتِرَاءِ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ: [البحر الطويل] يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا ... جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ يَعْنِي بِالشَّرَاةِ: الْمُخْتَارَةَ.

وَقَالَ آخَرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: [البحر السريع] إِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الْأَمْوَالِ ... وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ فَلَسْتُ لَهُ بِمُخْتَارٍ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16] فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] مَعْنَى الشِّرَاءِ الَّذِي يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ مِنِ اسْتِبْدَالِ شَيْءٍ مَكَانَ شَيْءٍ وَأَخْذِ عِوَضٍ عَلَى عِوَضٍ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَكَفَرُوا، فَإِنَّهُ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفُوا بِهِ الْقَوْمَ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَرَكُوا الْإِيمَانَ، وَاسْتَبْدَلُوا بِهِ الْكُفْرَ عِوَضًا مِنَ الْهُدَى.
وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ مَعَانِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، وَلَكِنَّ دَلَائِلَ أَوَّلِ الْآيَاتِ فِي نُعُوتِهِمْ إِلَى آخِرِهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ اسْتَضَاءُوا بِنُورِ الْإِيمَانِ وَلَا دَخَلُوا فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، أَوَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ لَدُنِ ابْتَدَأَ فِي نِعَتِهِمْ إِلَى أَنْ أَتَى عَلَى صِفَتِهِمْ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِإِظْهَارِ الْكَذِبِ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِدَعْوَاهُمُ التَّصْدِيقَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ وَاسْتِهْزَاءً فِي نُفُوسِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ لِغَيْرِ مَا كَانُوا يُظْهِرُونَ مُسْتَبْطِنُونَ، لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8] ثُمَّ اقْتَصَّ قَصَصَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَكَفَرُوا؟ . فَإِنْ كَانَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ كَانُوا عَلَى الْإِيمَانِ فَانْتَقَلُوا عَنْهُ إِلَى الْكُفْرِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُمُ: اشْتَرَوْا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ، إِذْ كَانَ الِاشْتِرَاءُ عِنْدَ مُخَالِفِيهِ قَدْ يَكُونُ أَخْذَ شَيْءٍ بِتَرْكِ آخَرَ غَيْرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي.
وَالْكَلِمَةُ إِذَا احْتَمَلَتْ وُجُوهًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ صَرْفُ مَعْنَاهَا إِلَى بَعْضِ وُجُوهِهَا دُونَ بَعْضٍ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ تَأْوِيلِهِمَا قَوْلَهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى.
وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ مُسْتَبْدِلٌ بِالْإِيمَانِ كُفْرًا بِاكْتِسَابِهِ الْكُفْرَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ بَدَلًا مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.
أَوَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ فِيمَنْ اكْتَسَبَ كُفْرًا بِهِ مَكَانَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108] وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الشِّرَاءِ، لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرٍ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَسْتَبْدِلُ مَكَانَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنَ الْبَدَلِ آخَرَ بَدَلًا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ اسْتَبْدَلَا بِالْهُدَى الضَّلَالَةَ وَالنِّفَاقَ، فَأَضَلَّهُمَا اللَّهُ وَسَلَبَهُمَا نُورَ

الْهُدَى فَتَرَكَ جَمِيعَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِشِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى خَسِرُوا وَلَمْ يَرْبَحُوا، لِأَنَّ الرَّابِحَ مِنَ التُّجَّارِ الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ سِلْعَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ عَلَيْهِ بَدَلًا هُوَ أَنْفَسُ مِنْ سِلْعَتِهِ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ ثَمَنِهَا الَّذِي يَبْتَاعُهَا بِهِ.
فَأَمَّا الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ

سِلْعَتِهِ بَدَلًا دُونَهَا وَدُونَ الثَّمَنِ الَّذِي يَبْتَاعُهَا بِهِ فَهُوَ الْخَاسِرُ فِي تِجَارَتِهِ لَا شَكَّ.
فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ لِأَنَّهُمَا اخْتَارَا الْحِيرَةَ وَالْعَمَى عَلَى الرَّشَادِ وَالْهُدَى وَالْخَوْفِ وَالرُّعْبِ عَلَى الْحِفْظِ وَالْأَمْنِ، فَاسْتَبْدَلَا فِي الْعَاجِلِ بِالرَّشَادِ الْحِيرَةَ، وَبِالْهُدَى الضَّلَالَةَ، وَبِالْحِفْظِ الْخَوْفَ، وَبِالْأَمْنِ الرُّعْبَ؛ مَعَ مَا قَدْ أَعَدَّ لَهُمَا فِي الْآجِلِ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ وَشَدِيدِ الْعَذَابِ، فَخَابَا وَخَسِرَا، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16] قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16] وَهَلِ

التِّجَارَةُ مِمَّا تَرْبَحُ أَوْ تَنْقُصُ فَيُقَالُ رَبِحَتْ أَوْ وُضِعَتْ؟ قِيلَ: إِنَّ وَجْهَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا ظَنَنْتَ؛ وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ لَا فِيمَا اشْتَرَوْا وَلَا فِيمَا شَرَوْا.
وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِكِتَابِهِ عَرَبًا فَسَلَكَ فِي خِطَابِهِ إِيَّاهُمْ وَبَيَانِهِ لَهُمْ مَسْلَكَ خِطَابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَبَيَانِهِمُ الْمُسْتَعْمَلِ بَيْنَهُمْ.
فَلَمَّا كَانَ فَصِيحًا لَدَيْهِمْ قَوْلُ الْقَائِلِ لِآخَرَ: خَابَ سَعْيُكَ وَنَامَ لَيْلُكَ، وَخَسِرَ بَيْعُكَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى سَامِعِهِ مَا يُرِيدُ قَائِلُهُ؛ خَاطَبَهُمْ بِالَّذِي هُوَ فِي مَنْطِقِهِمْ مِنَ الْكَلَامِ فَقَالَ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16] إِذْ كَانَ مَعْقُولًا عِنْدَهُمْ أَنَّ الرِّبْحَ إِنَّمَا هُوَ فِي التِّجَارَةِ كَمَا النَّوْمُ فِي اللَّيْلِ، فَاكْتَفَى بِفَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] وَشَرُّ الْمَنَايَا مَيِّتٌ وَسْطَ أَهْلِهِ ... كَهَلْكِ الْفَتَاةِ أَسْلَمَ الْحَيَّ حَاضِرُهْ يَعْنِي بِذَلِكَ: وَشَرُّ الْمَنَايَا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ وَسْطَ أَهْلِهِ؛ فَاكْتَفَى بِفَهْمِ سَامِعِ قِيلِهِ مُرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ إِظْهَارِ مَا تَرَكَ إِظْهَارَهُ وَكَمَا قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] حَارِثُ قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي ...

فَنَامَ لِيَلِي وَتَجَلَّى غَمِّي فَوَصَفَ بِالنَّوْمِ اللَّيْلَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَامَ.
وَكَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفِيِّ: [البحر الطويل] وَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فَأَعْمَى وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ فَأَضَافَ الْعَمَى وَالْإِبْصَارَ إِلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمُرَادُهُ وَصْفُ النَّبْهَانِيِّ بِذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16] مَا كَانُوا رُشَدَاءَ فِي اخْتِيَارِهِمُ الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى، وَاسْتِبْدَالِهِمُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، وَاشْتِرَائِهُمُ النِّفَاقَ بِالتَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17] وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ [البقرة: 17] كِنَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ

أَوِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَالَّذِي دَلَالَةٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الذُّكُورِ؟ فَكَيْفَ جَعَلَ الْخَبَرَ عَنْ وَاحِدٍ مَثَلًا لِجَمَاعَةٍ؟ وَهَلَّا قِيلَ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا نَارًا، وَإِنْ جَازَ عِنْدَكَ أَنْ تُمَثِّلَ الْجَمَاعَةَ بِالْوَاحِدِ فَتُجِيزُ لِقَائِلِ رَأْيِ جَمَاعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ فَأَعْجَبَتْهُ صُوَرُهُمْ وَتَمَامُ خَلْقِهِمْ وَأَجْسَامِهِمْ أَنْ يَقُولَ: كَأَنَّ هَؤُلَاءِ، أَوْ كَأَنَّ أَجْسَامَ

هَؤُلَاءِ، نَخْلَةٌ.
قِيلَ: أَمَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي مَثَّلَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالْوَاحِدِ الَّذِي جَعَلَهُ لِأَفْعَالِهِمْ مَثَلًا فَجَائِزٌ حَسَنٌ، وَفِي نَظَائِرِهِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: 19] يَعْنِي كَدَوَرَانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: 28] بِمَعْنَى إِلَّا كَبَعْثِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَمَّا فِي تَمْثِيلِ أَجْسَامِ الْجَمَاعَةِ مِنَ الرِّجَالِ فِي طُولٍ وَتَمَامِ الْخَلْقِ بِالْوَاحِدَةِ مِنَ النَّخِيلِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ وَلَا فِي نَظَائِرِهِ لِفَرْقٍ بَيْنَهُمَا.
فَأَمَّا تَمْثِيلُ الْجَمَاعَةِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالْمُسْتَوْقِدِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّمَا جَازَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ مِثْلِ الْمُنَافِقِينَ الْخَبَرُ عَنْ مِثْلِ اسْتِضَاءَتِهِمْ بِمَا أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الْإِقْرَارِ وَهُمْ لِغَيْرِهِ مُسْتَبْطِنُونَ مِنَ اعْتِقَادَاتِهِمُ الرَّدِيئَةِ، وَخَلْطِهِمْ نِفَاقَهُمُ الْبَاطِنَ بِالْإِقْرَارِ بِالْإِيمَانِ الظَّاهِرِ.
وَالِاسْتِضَاءَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَشْخَاصُ أَهْلِهَا مَعْنَى وَاحِدٌ لَا مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٌ.
فَالْمَثَلُ لَهَا فِي مَعْنَى الْمَثَلِ لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَشْخَاصِ.
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: مَثَلُ اسْتِضَاءَةِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ قَوْلًا وَهُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ اعْتِقَادًا، كَمَثَلِ اسْتِضَاءَةِ الْمُوقِدِ

نَارًا.
ثُمَّ أَسْقَطَ ذِكْرَ الِاسْتِضَاءَةِ وَأُضِيفَ الْمَثَلُ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ: [البحر المتقارب] وَكَيْفَ تُوَاصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ ... خِلَالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ يُرِيدُ كَخَلَالَةِ أَبِي مَرْحَبٍ، فَأَسْقَطَ خِلَالَةً، إِذْ كَانَ فِيمَا أَظْهَرَ مِنَ الْكَلَامِ دَلَالَةٌ لِسَامِعِيهِ عَلَى مَا حُذِفَ مِنْهُ.
فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17] لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ سَامِعِيهِ بِمَا أَظْهَرَ مِنَ الْكَلَامِ أَنَّ الْمَثَلَ إِنَّمَا ضُرِبَ لِاسْتِضَاءَةِ الْقَوْمِ بِالْإِقْرَارِدُونَ أَعْيَانِ أَجْسَامِهِمْ حَسُنَ حَذْفُ ذِكْرِ الِاسْتِضَاءَةِ وَإِضَافَةُ الْمَثَلِ إِلَى أَهْلِهِ.
وَالْمَقْصُودُ بِالْمَثَلِ مَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا وَصَفْنَا جَازَ وَحَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17] وَيُشَبَّهُ مَثَلُ الْجَمَاعَةِ فِي اللَّفْظِ بِالْوَاحِدِ، إِذْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَثَلِ الْوَاحِدَ فِي الْمَعْنَى.
وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ تَشْبِيهُ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَعْيَانِ بَنِي آدَمَ أَوْ أَعْيَانِ ذَوِي الصُّوَرِ وَالْأَجْسَامِ بِشَيْءٍ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْكَلَامِ تَشْبِيهُ الْجَمَاعَةِ بِالْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ، لِأَنَّ عَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ أَعْيَانِ الْآخَرِينَ.
وَلِذَلِكَ مِنَ الْمَعْنَى افْتَرَقَ الْقَوْلُ فِي تَشْبِيهِ الْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ، فَجَازَ تَشْبِيهُ أَفْعَالِ الْجَمَاعَةِ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى وَاحِدٍ بِفِعْلِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ حَذْفُ أَسْمَاءَ الْأَفْعَالِ، وَإِضَافَةُ الْمَثَلِ وَالتَّشْبِيهُ إِلَى الَّذِينَ لَهُمُ الْفِعْلُ، فَيُقَالُ: مَا أَفْعَالُكُمْ إِلَّا كَفِعْلِ الْكَلْبِ، ثُمَّ

يُحْذَفُ فَيُقَالُ: مَا أَفْعَالُكُمْ إِلَّا كَالْكَلْبِ أَوْ كَالْكِلَابِ، وَأَنْتَ تَعْنِي: إِلَّا كَفِعْلِ الْكَلْبِ، وَإِلَّا كَفِعْلِ الْكِلَابِ.
وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَقُولَ: مَا هُمْ إِلَّا نَخْلَةً، وَأَنْتُ تُرِيدُ تَشْبِيهَ أَجْسَامِهِمْ بِالنَّخْلِ فِي الطُّولِ وَالتَّمَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17] فَإِنَّهُ فِي تَأْوِيلِ أَوَقَدْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ يُرِيدُ: فَلَمْ يُجِبْهُ.
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا مَثَلُ اسْتِضَاءَةِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، فِي إِظْهَارِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 8] وَصَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَهُمْ لِلْكُفْرِ مُسْتَبْطِنُونَ، فِيمَا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ، مَثَلُ اسْتِضَاءَةِ مُوقِدِ نَارٍ بِنَارِهِ حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ النَّارُ مَا حَوْلَهُ، يَعْنِي مَا حَوْلَ الْمُسْتَوْقِدِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17] بِمَعْنَى الَّذِينَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33] وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ

: [البحر الطويل] فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْقَوْلُ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ، وَقَدْ أَغْفَلَ قَائِلُ ذَلِكَ فَرْقَ مَا بَيْنَ الَّذِي فِي الْآيَتَيْنِ وَفِي الْبَيْتِ، لِأَنَّ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: 33] قَدْ جَاءَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا الْجَمْعَ، وَهُوَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33] وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي الْبَيْتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: دِمَاؤُهُمْ.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17] فَذَلِكَ فَرْقُ مَا بَيْنَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17] وَسَائِرُ شَوَاهِدِهِ الَّتِي اسْتُشْهِدَ بِهَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17] بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ نَقْلُ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الْأَغْلَبُ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَى إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ أَقْوَالٌ

جارٍ التحميل