تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 297-313

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: 226] الَّذِينَ يَقْسِمُونَ أَلِيَّةً، وَالْأَلِيَّةُ: الْحَلِفُ

صفحات 297-313
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ، إِلَّا الَّتِي فَارَقَهَا وَقَدْ فَرَضَ لَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ " فِي الَّتِي يُفَارِقُهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَقَدْ فَرَضَ لَهَا، قَالَ: لَيْسَ لَهَا مُتْعَةٌ "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَقَدْ فَرَضَ لَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَا مَتَاعَ لَهَا، وَإِذَا لَمْ يَفْرِضْ لَهَا فَإِنَّمَا لَهَا الْمَتَاعُ»

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ أَبَى نَجِيحٍ وَأَنَا أَسْمَعُ، " عَنِ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، وَقَدْ فَرَضَ لَهَا، هَلْ لَهَا مَتَاعٌ؟ قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: لَا مَتَاعَ لَهَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " فِي الَّتِي فَرَضَ لَهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، قَالَ: إِنْ طُلِّقَتْ فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَا مُتْعَةَ لَهَا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ شُرَيْحًا، كَانَ يَقُولُ: " فِي الرَّجُلِ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا، قَالَ: لَهَا فِي النِّصْفِ مَتَاعٌ "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُرَيْحٍ، قَالَ: «لَهَا فِي النِّصْفِ مَتَاعٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُتْعَةُ حَقٌّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، غَيْرَ أَنَّ مِنْهَا مَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُطَلِّقِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إِعْطَاؤُهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: " مُتْعَتَانِ: إِحْدَاهُمَا يَقْضِي بِهَا السُّلْطَانُ، وَالْأُخْرَى حَقٌّ عَلَى الْمُتَّقِينَ:

مَنْ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ، وَيَدْخُلَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ لَا صَدَاقَ عَلَيْهِ، وَمَنْ طَلَّقَ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ، أَوْ يَفْرِضُ فَالْمُتْعَةُ حَقٌّ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ اللَّهُ: " ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] فَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمَسَّهَا، وَقَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ يَفْرِضُ لَهَا السُّلْطَانُ بِقَدَرٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَقَدْ فَرَضَ لَهَا وَلَمْ يَمْسَسْهَا، فَلَهَا نِصْفُ صَدَاقِهَا، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «مُتْعَتَانِ يَقْضِي بِإِحْدَاهُمَا السُّلْطَانُ وَلَا يَقْضِي بِالْأُخْرَى، فَالْمُتْعَةُ الَّتِي يَقْضِي بِهَا السُّلْطَانُ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، وَالْمُتْعَةُ الَّتِي لَا يَقْضِي بِهَا السُّلْطَانُ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَقْضِي الْحَاكِمُ وَلَا السُّلْطَانُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُطَلِّقِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَدْبٌ، وَإِرْشَادٌ إِلَى أَنْ تُمَتَّعَ الْمُطَلَّقَةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ: " أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى شُرَيْحٍ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] قَالَ: إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُتَّقِينَ فَعَلَيْكَ الْمُتْعَةُ وَلَمْ يَقْضِ لَهَا " قَالَ شُعْبَةُ: وَجَدْتُهُ مَكْتُوبًا عِنْدِي عَنْ أَبِي الضُّحَى "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: " كَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ: " فِي مَتَاعِ الْمُطَلَّقَةِ: لَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، لَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ شُرَيْحًا قَالَ: " لِلَّذِي قَدْ دَخَلَ بِهَا: إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُتَّقِينَ فَمَتِّعْ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَأَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلَ ذَهَبُوا فِي تَرْكِهِمْ إِيجَابَ الْمُتْعَةِ فَرْضًا لِلْمُطَلَّقَاتِ إِلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] وَقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180] دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً وُجُوبَ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ الْأَمْوَالِ بِكُلِّ حَالٍ لَمْ يُخَصِّصِ الْمُتَّقُونَ وَالْمُحْسِنُونَ بِأَنَّهَا حَقٌّ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، بَلْ كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ مَعْمُومًا بِهِ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
وَأَمَّا مُوجِبُوهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ سِوَى الْمُطَلَّقَةِ الْمَفْرُوضِ لَهَا الصَّدَاقُ، فَإِنَّهُمُ اعْتَلُّوا

بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمَّا قَالَ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعًا سِوَى مَنِ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] كَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّ حَقَّهَا النِّصْفُ مِمَّا فَرَضَ لَهَا، لِأَنَّ الْمُتْعَةَ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عِنْدَهُمْ لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهَا، فَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ بِخُصُوصِ اللَّهِ بِالْمُتْعَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهَا أَنَّ حُكْمَهَا غَيْرُ حُكْمِ الَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَهَا إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ فِيمَا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ مِنَ الْحُقُوقِ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَلِكَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُنَّ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إِحَالَةُ ظَاهِرِ تَنْزِيلِ عَامٍّ إِلَى بَاطِنٍ خَاصٍّ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ خَصَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الْمَسِيسِ إِذَا كَانَ مَفْرُوضًا لَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] إِذْ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا غَيْرَ نِصْفِ الْفَرِيضَةِ؟ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ شَيْءٍ فِي بَعْضِ تَنْزِيلِهِ، فَفِي دَلَالَتِهِ عَلَى وُجُوبِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِفَايَةُ عَنْ تَكْرِيرِهِ، حَتَّى يَدُلَّ عَلَى بُطُولِ فَرْضِهِ، وَقَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] عَلَى وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لِكُلِّ

مُطَلَّقَةٍ، فَلَا حَاجَةَ بِالْعِبَادِ الَى تَكْرِيرِ ذَلِكَ فِي كُلِّ آيَةٍ وَسُورَةٍ.
وَلَيْسَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الْمَسِيسِ الْمَفْرُوضَ لَهَا الصَّدَاقُ نِصْفُ مَا فُرِضَ لَهَا دَلَالَةٌ عَلَى بُطُولِ الْمُتْعَةِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ فِي الْكَلَامِ لَوْ قِيلَ: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ وَالْمُتْعَةُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَالًا فِي الْكَلَامِ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ نِصْفَ الْفَرِيضَةِ إِذَا وَجَبَ لَهَا لَمْ يَكُنْ فِي وُجُوبِهِ لَهَا نَفْي عَنْ حَقِّهَا مِنَ الْمُتْعَةِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ اجْتِمَاعُهُمَا لِلْمُطَلَّقَةِ مُحَالًا وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ أَحَدِهِمَا فِي آيَةٍ غَيْرِ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْأُخْرَى ثَبَتَ وَصَحَّ وُجُوبُهُمَا لَهَا.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْمَفْرُوضَ لَهَا الصَّدَاقُ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ دَلَالَةٌ غَيْرَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] فَكَيْفَ وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الْمَفْرُوضَ لَهَا إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَهَا مِنَ الْمُتْعَةِ مِثْلُ الَّذِي لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهَا مِنْهَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمَّا قَالَ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ دَلَّ بِهِ عَلَى حُكْمِ طَلَاقِ صِنْفَيْنِ مِنْ طَلَاقِ النِّسَاءِ: أَحَدُهُمَا الْمَفْرُوضُ لَهُ، وَالْآخَرُ غَيْرُ الْمَفْرُوضِ لَهُ؛ وَأَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ الْمَفْرُوضُ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] ثُمَّ قَالَ

تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] فَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِلصِّنْفَيْنِ مِنْهُنَّ جَمِيعًا: الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ.
فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ لِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ، سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى دَعْوَاهُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ، ثُمَّ عُكِسَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ.
وَأَرَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لِلْمَرْأَةِ حَقٌّ وَاجِبٌ إِذَا طُلِّقَتْ عَلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا آنِفًا يُؤْخَذُ بِهَا الزَّوْجُ كَمَا يُؤْخَذُ بِصَدَاقِهَا، لَا يُبْرِئُهُ مِنْهَا إِلَّا أَدَاؤُهُ إِلَيْهَا، أَوْ إِلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهَا فِي قَبْضِهَا مِنْهُ، أَوْ بِبَرَاءَةٍ تَكُونُ مِنْهَا لَهُ.
وَأَرَى أَنَّ سَبِيلَهَا سَبِيلُ صَدَاقِهَا وَسَائِرِ دُيُونِهَا قَبْلَهُ يُحْبَسُ بِهَا إِنْ طَلَّقَهَا فِيهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ظَاهِرٌ يُبَاعُ عَلَيْهِ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ إِعْطَائِهَا ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] فَأَمَرَ الرِّجَالَ أَنْ يُمَتِّعُوهُنَّ، وَأَمْرُهُ فَرْضٌ إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ عَنَى بِهِ النَّدْبَ وَالْإِرْشَادَ لَمَّا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى بِلَطِيفِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَنْ يَبْرَأَ الزَّوْجُ مِمَّا لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ مِنْ أَدَاءِ أَوْ إِبْرَاءٍ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا.
فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَبَاءٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذْ قَالَ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] ، وَ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180] أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَكَانَتْ عَلَى الْمُحْسِنِ وَغَيْرِ الْمُحْسِنِ، وَالْمُتَّقِي وَغَيْرِ الْمُتَّقِي.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِأَنْ

يَكُونُوا مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَمَنِ الْمُتَّقِينَ، وَمَا وَجَبَ مِنْ حَقٍّ عَلَى أَهْلِ الْإِحْسَانِ وَالتُّقَى، فَهُوَ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْجَبُ، وَلَهُمْ أَلْزَمُ.
وَبَعْدُ، فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ وَاجِبَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ لِلْمُطَلَّقَةِ الْمَفْرُوضِ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيمَا أَوْجَبَ لَهَا.
ذَلِكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] وَإِنْ كَانَ قَالَ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180] وَمَنْ أَنْكَرَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، سُئِلَ عَنِ الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَإِنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ، وَنُوظِرَ مُنَاظَرَتَنَا الْمُنْكِرِينَ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا زَكَاةً، وَالدَّافِعِينَ زَكَاةَ الْعُرُوضِ إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَإِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ لَهَا، سُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَ وُجُوبِ ذَلِكَ لَهَا، وَالْوُجُوبَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَقَدْ شَرَطَ فِيمَا جَعَلَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمُحْسِنِينَ، كَمَا شَرَطَ فِيمَا جَعَلَ لِلْآخَرِ بِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمُتَّقِينَ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.
وَأَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرَ الْمَفْرُوضِ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، لَا شَيْءَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِهَا غَيْرَ الْمُتْعَةِ.

ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا وَقَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا الْمَتَاعُ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: «إِنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا الْمَتَاعُ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا الْمَتَاعُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا وَقَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، فَلَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا الْمَتَاعُ بِالْمَعْرُوفِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] قَالَ: لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ إِلَّا مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَلَا مَتَاعَ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] إِلَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ تُوهَبُ لَهُ، فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْمُتْعَةُ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: «هُوَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَلَا يُسَمِّي لَهَا صَدَاقًا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَلَهَا مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا فَرِيضَةَ لَهَا» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] هَذَا رَجُلٌ وُهِبَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ فَطَلَّقَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمَسَّهَا، فَلَهَا الْمُتْعَةُ، وَلَا فَرِيضَةَ لَهَا، وَلَيْسَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ " وَأَمَّا الْمُوسِعُ، فَهُوَ الَّذِي قَدْ صَارَ مِنْ عَيْشِهِ إِلَى سَعَةٍ، وَغِنًى، يُقَالُ مِنْهُ.
أَوْسَعَ فُلَانٌ فَهُوَ يُوسِعُ إِيسَاعًا وَهُوَ مُوسِعٌ وَأَمَّا الْمُقْتِرُ: فَهُوَ الْمُقِلُّ مِنَ الْمَالِ، يُقَالُ: قَدْ أَقْتَرَ فَهُوَ يُقْتِرُ إِقْتَارًا، وَهُوَ مُقْتِرٌ.

وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ الْقَدَرِ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: ﴿ (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) ﴾ بِتَحْرِيكِ الدَّالِّ إِلَى الْفَتْحِ مِنَ الْقَدَرِ، تَوْجِيهًا مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَى الِاسْمِ مِنَ التَّقْدِيرِ، الَّذِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَدَرَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ.
وَقَرَأَ آخَرُونَ بِتَسْكِينِ الدَّالِّ مِنْهُ، تَوْجِيهًا مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْمَصْدَرِ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ.
[البحر الطويل]

وَمَا صَبَّ رِجْلِي فِي حَدِيدِ ... مُجَاشِعٍ مَعَ الْقَدْرِ إِلَّا حَاجَةٌ لِي أُرِيدُهَا وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا جَمِيعًا قِرَاءَتَانِ قَدْ جَاءَتْ بِهِمَا الْأُمَّةُ، وَلَا يُحِيلُ الْقِرَاءَةَ بِإِحْدَاهُمَا مَعْنًى فِي الْأُخْرَى، بَلْ هُمَا مًتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ، فَهُوَ لِلصَّوَابِ مُصِيبٌ.
وَإِنَّمَا يَجُوزُ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ عَلَى بَعْضٍ لِبَيْنُونَةِ الْمُخْتَارَةِ عَلَى غَيْرِهَا بِزِيَادَةِ مَعْنَى أَوْجَبَتْ لَهَا الصِّحَّةَ دُونَ غَيْرِهَا؛ وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمَعَانِي فِي جَمِيعِهَا مُتَّفِقَةً، فَلَا وَجْهَ لِلْحُكْمِ لِبَعْضِهَا بِأَنَّهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَقْرُوءًا بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لِأَنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ مَا لَمْ تُمَاسُّوهُنَّ، وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مَا لَمْ تُمَاسُّوهُنَّ قَبْلَ أَنْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ، وَمَتِّعُوهُنَّ

جَمِيعًا عَلَى ذِي السَّعَةِ وَالْغِنَى مِنْكُمْ مِنْ مَتَاعِهِنَّ حِينَئِذٍ بِقَدْرِ غِنَاهُ وَسَعَتِهِ، وَعَلَى ذِي الْإِقْتَارِ، وَالْفَاقَةِ مِنْكُمْ مِنْهُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ، وَإِقْتَارِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَمَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَتَاعًا مَنْصُوبًا قَطْعًا مِنَ الْقَدَرِ، لِأَنَّ الْمَتَاعَ نَكِرَةٌ، وَالْقَدَرُ مَعْرِفَةٌ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ إِعْطَائِكُمْ لَهُنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ ظُلْمٍ، وَلَا

مُدَافَعَةٍ مِنْكُمْ لَهُنَّ بِهِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ الْحَقِّ عَلَى الْمُحْسِنِينَ فَلَمَّا دَلَّ إِدْخَالُ الْأَلْفِ وَاللَّامِ عَلَى الْحَقِّ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ الْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ مَعْرِفَةٌ، وَالْحَقُّ نَكِرَةٌ؛ نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ مِنْهُ، كَمَا يُقَالُ: أَتَانِي الرَّجُلُ رَاكِبًا.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: عَبْدِ اللَّهِ عَالِمٌ حَقًّا، فَالْحَقُّ مَنْصُوبٌ مِنْ نِيَّةِ كَلَامِ الْمُخْبِرِ كَأَنَّهُ قَالَ: أُخْبِرُكُمْ بِذَلِكَ حَقًّا.
وَالتَأْوِيلُ الْأَوَّلُ هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَمَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا بِمَعْرُوفٍ حَقٍّ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مَنْصُوبٌ بِمَعْنَى أَحَقُّ ذَلِكَ حَقًّا، وَالَّذِي قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ الْمَتَاعَ لِلْمُطَلَّقَاتِ حَقًّا لَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَزَعَمَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَحِقُّ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْسِنِينَ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ.
ويعني بِقَوْلِهِ: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 58] الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا أَلْزَمَهُمْ بِهِ، وَأَدَائِهِمْ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّكَ قَدْ ذَكَرْتَ أَنَّ الْجُنَاحَ هُوَ الْحَرَجُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ جُنَاحٍ لَوْ طَلَّقْنَاهُنَّ بَعْدَ الْمَسِيسِ، فَيُوضَعُ عَنَّا بِطَلَاقِنَا إِيَّاهُنَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ؟ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ، وَلَا الذَّوَّاقَاتِ»

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، " عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرُوِي عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللَّهِ، يَقُولُونَ: قَدْ

طَلَّقْتُكِ، قَدْ رَاجَعْتُكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ " حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْجُنَاحُ الَّذِي وُضِعَ عَنِ النَّاسِ فِي طَلَاقِهِمْ نِسَاءَهُمْ قَبْلَ الْمَسِيسِ، هُوَ الَّذِي كَانَ يَلْحَقُهُمْ مِنْهُ بَعْدَ ذَوْقِهِمْ إِيَّاهُنَّ، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: لَا جُنَاحَ: لَا سَبِيلَ عَلَيْكُمْ لِلنِّسَاءِ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَلَمْ تَكُونُوا فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فِي إِتْبَاعِكُمْ بِصَدَاقٍ، وَلَا نَفَقَةٍ.
وَذَلِكَ مَذْهَبٌ لَوْلَا مَا قَدْ وَصَفْتُ مِنْ أَنِّ الْمَعْنِيَّ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صِنْفَانِ مِنَ النِّسَاءِ: أَحَدُهُمَا الْمَفْرُوضُ لَهَا، وَالْآخَرُ غَيْرُ الْمَفْرُوضِ لَهَا، فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ: لَا سَبِيلَ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ فِي صَدَاقٍ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ أَيْضًا وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تُمَاسُّوهُنَّ، فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتُمْ طَلَاقَهُنَّ، لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهِنَّ، فَلِلْرَجُلِ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ إِذَا لَمْ يَكُنَّ مَسَّهُنَّ حَائِضًا وَطَاهِرًا فِي كُلِّ وَقْتٍ أَحَبَّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي قَدْ مُسَّتْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِزَوْجِهَا طَلَاقُهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْأَقْرَاءِ إِلَّا لِلْعِدَّةِ طَاهِرًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ، فَيَكُونُ الْجُنَاحُ الَّذِي أَسْقَطَ عَنْ مُطَلِّقِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا هُوَ الْجُنَاحُ الَّذِي كَانَ بِهِ مَأْخُوذًا الْمُطَلِّقُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا أَوْ فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237] وَهَذَا الْحُكْمُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبَانَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تُمَاسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ نِصْفُ مَا كُنْتُمْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ مِنْ قَبْلِ طَلَاقِكُمْ إِيَّاهُنَّ، يَعْنِي بِذَلِكَ: فَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ نِصْفُ مَا أَصْدَقْتُمُوهُنَّ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِمَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ حُكْمَ غَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ إِذَا طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ اللَّوَاتِي عَطَفَ عَلَيْهِنَّ بِأَوْ غَيْرُ حُكْمِ الْمَعْطُوفِ بِهِنَّ بِهَا.
وَإِنَّمَا كَرَّرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] لِيَزُولَ الشَّكُّ عَنْ سَامِعِيهِ وَاللَّبْسُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ الَّتِي حُكْمُهَا الْحُكْمُ الَّذِي وَصَفَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هِيَ غَيْرُ الَّتِي ابْتَدَأَ بِذِكْرِهَا وَذِكْرِ حُكْمِهَا فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] فَإِنَّهُ يَعْنِي: إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّوَاتِي وَجَبَ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ نِصْفُ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ فَيَتْرُكُنَّهُ لَكُمْ، وَيَصْفَحْنَ لَكُمْ عَنْهُ، تَفَضُّلًا مِنْهُنَّ بِذَلِكَ

عَلَيْكُمْ، إِنْ كُنَّ مِمَّنْ يَجُوزُ حُكْمُهُ فِي مَالِهِ، وَهُنَّ بَوَالِغُ رَشِيدَاتٌ، فَيَجُوزُ عَفْوُهُنَّ حِينَئِذٍ عَمَّا عَفَوْنَ عَنْكُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَيَسْقُطُ عَنْكُمْ مَا كُنَّ عَفَوْنَ لَكُمْ عَنْهُ مِنْهُ.
وَذَلِكَ النِّصْفُ الَّذِي كَانَ وَجَبَ لَهُنَّ مِنَ الْفَرِيضَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَقِيلَ الْعَفْوُ إِنْ عَفَتْ عَنْهُ، أَوْ مَا عَفَتْ عَنْهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فَهَذَا الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَقَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمَسَّهَا، فَلَهَا نِصْفُ صَدَاقِهَا، لَيْسَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] قَالَ: إِنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَقَدْ فَرَضَ لَهَا فَنِصْفُ مَا فَرَضَ، إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا إِذَا كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَقَدْ كَانَ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا، فَجَعَلَ لَهَا النِّصْفَ، وَلَا مَتَاعَ لَهَا "

جارٍ التحميل