تفسير الطبري = جامع البيانالْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[الحج: 47]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ يَا مُحَمَّدُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ بِمَا تَعِدُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَلَى شِرْكِهِمْ بِهِ , وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ فِيمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ الَّذِي وَعَدَكَ فِيهِمْ مِنْ إِحْلَالِ عَذَابِهِ وَنِقْمَتِهِ بِهِمْ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا.
فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَوَفَى لَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ

يَوْمَ بَدْرٍ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47] أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]

قَالَ: «مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الحج: 47] الْآيَةَ قَالَ: " هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 2] سَوَاءٌ هُوَ هُوَ؛ الْآيَةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مِقْدَارُ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلْفُ سَنَةٍ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ سُمَيْرِ بْنِ نَهَارٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِمِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ.
قُلْتُ: وَمَا نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَوَ مَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47] "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: 47] قَالَ: «مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47] قَالَ: " هَذِهِ أَيَّامُ الْآخِرَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 7] " وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَجْهِ صَرْفِ الْكَلَامِ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ اسْتِعْجَالِ الَّذِينَ اسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ طُولِ الْيَوْمِ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَنْ يَخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: 47] فِي أَنْ يُنْزِلَ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا.
وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ مِنْ عَذَابِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ مُسْتَعْجِلِيهِ الْعَذَابَ أَنَّهُ لَا يَعجَلُ، وَلَكِنَّهُ يُمْهِلُ إِلَى أَجَلٍ أَجَّلَهُ، وَأَنَّ الْبَطِيءَ عِنْدَهُمْ قَرِيبٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: مِقْدَارُ الْيَوْمِ عِنْدِي أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَهُ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ أَيَّامِكُمْ، وَهُوَ عِنْدَكُمْ بَطِيءٌ , وَهُوَ عِنْدِي قَرِيبٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَإِنَّ يَوْمًا مِنَ الثَّقَلِ وَمَا يُخَافُ كَأَلْفِ سَنَةٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي عِنْدِي أَشْبَهُ بِالْحَقِّ فِي ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنِ

اسْتِعْجَالِ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَذَابِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ مَبْلَغِ قَدْرِ الْيَوْمِ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: 48] فَأُخْبَرَ عَنْ إِمْلَائِهِ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الظَّالِمَةِ , وَتَرْكِهِ مُعَاجَلَتَهُمْ بِالْعَذَابِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكِ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47] نَفْيَ الْعَجَلَةِ عَنْ نَفْسِهِ , وَوَصْفَهَا بِالْأَنَاةِ وَالِانْتِظَارِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَإِنَّ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمٌ وَاحِدٌ , كَأَلْفِ سَنَةٍ مِنْ عَدَدِكُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِبَعِيدٍ , وَهُوَ عِنْدَكُمْ بَعِيدٌ؛ فَلِذَلِكَ لَا يُعَجِّلُ بِعُقُوبَةِ مَنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ حَتَّى يَبْلُغَ غَايَةَ مُدَّتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: 48] يَقُولُ: أَمْهَلْتُهُمْ , وَأَخَّرْتُ عَذَابَهُمْ، وَهُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ , وَلِأَمْرِهِ مُخَالِفُونَ وَذَلِكَ كَانَ ظُلْمَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَلَمْ أَعْجَلْ بِعَذَابِهِمْ.

﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ [الحج: 48] يَقُولُ: ثُمَّ أَخَذْتُهَا بِالْعَذَابِ، فَعَذَّبْتُهَا فِي الدُّنْيَا بِإِحْلَالِ عُقُوبَتِنَا بِهِمْ.
﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: 48] يَقُولُ: وَإِلَيَّ مَصِيرُهُمْ أَيْضًا بَعْدَ هَلَاكِهِمْ، فَيَلْقَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ حِينَئِذٍ مَا لَا انْقِطَاعَ لَهُ؛ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَذَلِكَ حَالُ مُسْتَعْجِلِيكَ بِالْعَذَابِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ، وَإِنْ أَمْلَيْتُ لَهُمْ إِلَى آجَالِهِمُ الَّتِي أَجَّلْتُهَا لَهُمْ، فَإِنِّي آخُذُهُمْ بِالْعَذَابِ , فَقَاتِلُهُمْ بِالسَّيْفِ , ثُمَّ إِلَيَّ مَصِيرُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ , فَمُوجِعُهُمْ إِذَنْ عُقُوبَةً عَلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ آثَامِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحج: 50]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَكَ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، اتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِكُلِّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: 49] أُنْذِرُكُمْ عِقَابَ اللَّهِ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ فِي الدُّنْيَا , وَعَذَابَهُ فِي الْآخِرَةِ أَنْ تَصِلُوهُ ﴿مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168] يَقُولُ: أُبَيِّنُ لَكُمْ إِنْذَارِي ذَلِكَ , وَأُظْهِرُهُ , لِتُنِيبُوا مِنْ شِرْكِكُمْ , وَتَحْذَرُوا مَا أُنْذِرُكُمْ مِنْ ذَلِكَ , لَا أَمْلِكُ لَكُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَعْجِيلُ الْعِقَابِ , وَتَأْخِيرُهُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَنِي بِهِ فَإِلَى اللَّهِ، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ , وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ وَصَفَ نِذَارَتَهُ , وَبِشَارَتَهُ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْبِشَارَةِ ذِكْرٌ، وَلَمَّا ذُكِرَتِ النِّذَارَةُ عَلَى عَمَلٍ , عُلِمَ أَنَّ الْبِشَارَةَ عَلَى خِلَافِهِ، فَقَالَ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأعراف: 157] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَمِنْ غَيْرِكُمْ.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: 9] يَقُولُ: لَهُمْ مِنَ اللَّهِ سَتْرُ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 4] يَقُولُ: وَرُزْقٌ حَسَنٌ فِي الْجَنَّةِ؛

كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: 50] قَالَ: «الْجَنَّةُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [الحج: 51] يَقُولُ: وَالَّذِينَ عَمِلُوا فِي حُجَجِنَا , فَصِدُّوا عَنِ اتِّبَاعِ رَسُولِنَا , وَالْإِقْرَارِ بِكِتَابِنَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ.
وَقَالَ ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام: 68] فَأُدْخِلَتْ فِيهِ (فِي) كَمَا يُقَالُ: سَعَى فُلَانٌ فِي أَمْرِ فُلَانٍ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [الحج: 51] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ:

مُشَاقِّينَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ

عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا: ﴿ «مُعَاجِزِينَ» ﴾ [الحج: 51] فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، يَعْنِي بِأَلِفٍ، وَقَالَ: «مُشَاقِّينَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ اللَّهَ , فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [الحج: 51] قَالَ: «كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَظُنُّوا أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ اللَّهَ، وَلَنْ يُعْجِزُوهُ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿ «فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ» ﴾ [الحج: 51] بِالْأَلِفِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ.
وَأَمَّا بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ فَإِنَّهُ قَرَأَهُ: (مُعَجِّزِينَ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ، بِغَيْرِ أَلِفٍ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ عَجَّزُوا النَّاسَ , وَثَبَّطُوهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ قِرَاءَتِهِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [الحج: 51] قَالَ: «مُبَطِّئِينَ، يُبَطِّئُونَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنَ عَجَّزَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ , فَقَدْ عَاجزَ اللَّهَ، وَمِنْ مُعَاجَزَةِ اللَّهِ التَّعْجِيزُ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ , وَالْعَمَلِ بِمَعَاصِيهِ , وَخِلَافِ أَمْرِهِ.
وَكَانَ مِنْ صِفَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ فِيهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَطِّئُونَ النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ , وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ , وَيُغَالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَهُ , وَيَغْلِبُونَهُ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ نَصْرَهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ ذَلِكَ مُعَاجَزَتَهُمُ اللَّهَ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُعَاجَزَةُ فَإِنَّهَا الْمُفَاعَلَةُ , مِنَ الْعَجْزِ، وَمَعْنَاهُ: مُغَالَبَةُ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ , أَيُّهُمَا يُعْجِزُهُ فَيَغْلِبُهُ الْآخَرُ وَيَقْهَرُهُ.
وَأَمَّا التَّعْجِيزُ: فَإِنَّهُ التَّضْعِيفَ , وَهُوَ التَّفْعِيلُ مِنَ الْعَجْزِ

جارٍ التحميل