﴿وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: 30] وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَدِيقَةَ الْبُسْتَانُ الْمَحُوطُ عَلَيْهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: 96] يَقُولُ: أَنْبَتْنَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي يَأْكُلُهَا بَنُو آدَمَ مَتَاعًا لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَمَنْفَعَةً تَتَمَتَّعُونَ بِهَا وَتَنْتَفِعُونَ، وَالَّتِي يَأْكُلُهَا الْأَنْعَامُ لِأَنْعَامِكُمْ،
وَأَصْلُ الْأَنْعَامِ الْإِبِلُ، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ رَاعِيَةٍ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 33] قَالَ: مَتَاعًا لَكُمُ الْفَاكِهَةُ، وَلِأَنْعَامِكُمُ الْعُشْبُ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33] ذُكِرَ أَنَّهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقِيَامَةِ، وَأَحْسَبُهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: صَاخَ فُلَانٌ لَصَوْتِ فُلَانٍ: إِذَا اسْتَمَعَ لَهُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا يُقَالُ مِنْهُ: هُوَ مُصِيخٌ لَهُ، وَلَعَلَّ الصَّوْتَ هُوَ الصَّاخُّ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قِيلَ ذَلِكَ لِنَفْخَةِ الصُّورِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ
أَسْمَاءِ الْقِيَامَةِ:
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33] قَالَ: هَذَا مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ، وَحَذَّرَهُ عِبَادَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34] يَقُولُ: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَفِرُّ فِيهِ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَفِرُّ مِنْ أَخِيهِ يَفِرُّ عَنْ أَخِيهِ ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ [عبس: 36] يَعْنِي زَوْجَتَهُ الَّتِي كَانَتْ زَوْجَتَهُ فِي الدُّنْيَا ﴿وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 36] حَذَرًا مِنْ مَطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، بِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ وَالْمَظَالِمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34] : يَفِرُّ عَنْ أَخِيهِ لِئَلَّا يَرَاهُ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ [النور: 11] يَعْنِي مِنَ الرَّجُلِ وَأَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ.
وَسَائِرِ مَنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [آل عمران: 167] يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] يَقُولُ: أَمْرٌ يُغْنِيهِ، وَيَشْغَلُهُ عَنْ شَأْنِ غَيْرِهِ
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] أَفْضَى إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مَا يَشْغَلُهُ عَنِ النَّاسِ
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَارَةَ الْمَرْوَزِيُّ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ أَخْبِرْنِي أَنْتَ بِهِ، قَالَ: «إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ» قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الرِّجَالُ؟ قَالَ: «حُفَاةً عُرَاةً» . ثُمَّ انْتَظَرَتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: «كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً» . قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: «وَعَنْ ذَلِكَ تَسْأَلِينِي، إِنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكُ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَمْ لَا» قَالَتْ: أَيُّ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] قَالَ: شَأْنٌ قَدْ شَغَلَهُ عَنْ صَاحِبِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِقَةٌ مُضِيئَةٌ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَدْ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
يُقَالُ: أَسْفَرَ وَجْهُ فُلَانٍ: إِذَا حَسُنَ، وَمِنْهُ أَسْفَرَ الصُّبْحُ: إِذَا أَضَاءَ، وَكُلُّ مُضِيءٍ فَهُوَ مُسْفِرٌ؛ وَأَمَّا سَفَرٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا أَلْقَتْ نِقَابَهَا عَنْ
وَجْهِهَا أَوْ بُرْقُعَهَا، يُقَالُ: قَدْ سَفَرَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا، إِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، فَهِيَ سَافِرٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيِّرِ: [البحر الطويل] وَكُنْتُ إِذَا مَا زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ سُفُورُهَا: إِلْقَاءَهَا بُرْقُعَهَا عَنْ وَجْهِهَا ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ [عبس: 39] يَقُولُ: ضَاحِكَةٌ مِنَ السُّرُورِ بِمَا أَعْطَاهَا اللَّهُ مِنَ النَّعِيمِ وَالْكَرَامَةِ ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 39] لِمَا تَرْجُو مِنَ الزِّيَادَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38] قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38] يَقُولُ: مُشْرِقَةٌ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةُ﴾ [عبس: 39] قَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوُجُوهٌ وَهِيَ وُجُوهُ الْكُفَّارِ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ.
ذُكِرَ أَنَّ الْبَهَائِمَ الَّتِي يُصَيِّرُهَا اللَّهُ تُرَابًا يَوْمَئِذٍ بَعْدَ الْقَضَاءِ بَيْنَهَا، يُحَوَّلُ ذَلِكَ التُّرَابُ غَبَرَةً فِي وُجُوهِ أَهْلِ الْكُفْرِ