الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي، كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: 163] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ قَرْيَةٍ كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، يَقُولُ: إِذَا كَانُوا يَوْمَ يَسْبِتُونَ تَأْتِيهِمْ شُرَّعًا، يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: 163] وَأَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَنَّا أَخَذْنَا مِنْ هَذِهِ الْحِيتَانِ يَوْمَ تَجِيءُ مَا يَكْفِينَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَيَّامِ.
فَوَعَظَهُمْ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وَنَهَوْهُمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ هَمُّوا بِأَمْرٍ لَيْسُوا بِمُنْتَهِينَ دُونَهُ، وَاللَّهُ مُخْزِيهِمْ وَمُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا.
قَالَ الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] إِنْ كَانَ هَلَاكٌ فَلَعَلَّنَا نَنْجُو، وَإِمَّا أَنْ يَنْتَهُوا فَيَكُونَ لَنَا أَجْرًا.
وَقَدْ كَانَ اللَّهُ جَعَلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ يَوْمًا يَعْبُدُونَهُ وَيَتَفَرَّغُونَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، فَتَعَدَّى الْخُبَثَاءُ مِنَ الِاثْنَيْنِ إِلَى السَّبْتِ، وَقَالُوا: هُوَ يَوْمُ السَّبْتِ.
فَنَهَاهُمْ مُوسَى، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمُ السَّبْتُ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ وَأَنْ يَعْتَدُوا فِيهِ.
وَإِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ ذَهَبَ لِيَحْتَطِبَ، فَأَخَذَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَأَلَهُ: هَلْ أَمَرَكَ بِهَذَا أَحَدٌ؟ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا أَمَرَهُ، فَرَجَمَهُ أَصْحَابُهُ "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " قَالَ بَعْضُ الَّذِينَ نَهَوْهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] يَقُولُ: لِمَ تَعِظُونَهُمْ وَقَدْ وَعَظْتُمُوهُمْ فَلَمْ يُطِيعُوكُمْ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] قَالَ: مَا أَدْرِي أَنَجَا الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] أَمْ لَا؟ قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَرَّفْتُهُ أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا، فَكَسَانِي حُلَّةً " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَمَا زِلْتُ أَبْصُرُهُ حَتَّى عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا
حَدَّثَنِي سَلَّامُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ؟ قَالَ: فَقَرَأَ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أَسْمَعُ الْفِرْقَةَ الثَّالِثَةَ ذُكِرَتْ نَخَافُ أَنْ نَكُونَ مِثْلَهُمْ.
فَقُلْتُ: أَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأعراف: 166] فَسُرِّيَ عَنْهُ وَكَسَانِي حُلَّةً "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: ثني رَجُلٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: جِئْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَوْمًا وَهُوَ يَبْكِي، وَإِذَا الْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، فَأَعْظَمْتُ أَنْ أَدْنُوَ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَقَدَّمْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْوَرَقَاتُ.
قَالَ: وَإِذَا هُوَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ.
قَالَ: " تَعْرِفُ أَيْلَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَإِنَّهُ كَانَ حَيُّ مِنْ يَهُودَ سِيقَتِ الْحِيتَانُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ ثُمَّ غَاصَتْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَغُوصُوا بَعْدَ كَدٍّ وَمُؤْنَةٍ شَدِيدَةٍ، كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا بِيضًا سِمَانًا كَأَنَّهَا الْمَاخِضَ، تَنْتَطِحُ ظُهُورُهَا لِبُطُونِهَا بِأَفْنِيَتِهِمْ وَأَبْنِيَتِهِمْ.
فَكَانُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَخُذُوهَا فِيهِ وَكُلُوهَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ، فَقَالَتْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: بَلْ نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا وَأَخْذِهَا وَصَيْدِهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ.
وَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْمُقْبِلَةُ، فَعَدَتْ طَائِفَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَأَبْنَائِهَا وَنِسَائِهَا، وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَمِينِ وَتَنَحَّتْ، وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَسَارِ وَسَكَتَتْ، وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ: اللَّهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ أَنْ تَعْتَرِضُوا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ، وَقَالَ الْأَيْسَرُونَ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] قَالَ الْأَيْمَنُونَ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] أَيْ: يَنْتَهُونَ، فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ لَا يُصَابُوا وَلَا يَهْلِكُوا، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا فَمَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ.
فَمَضَوْا عَلَى الْخَطِيئَةِ، فَقَالَ الْأَيْمَنُونَ: قَدْ فَعَلْتُمْ يَا أَعْدَاءَ
اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا نُبَايِتُكُمُ اللَّيْلَةَ فِي مَدِينَتِكُمْ، وَاللَّهِ مَا نَرَاكُمْ تُصْبِحُونَ حَتَّى يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِخَسْفٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ بَعْضِ مَا عِنْدَهُ بِالْعَذَابِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ وَنَادَوْا، فَلَمْ يُجَابُوا، فَوَضَعُوا سُلَّمًا وَأَعْلَوْا سُوَرَ الْمَدِينَةِ رَجُلًا، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، قِرَدَةٌ وَاللَّهِ تَعَاوَى لَهَا أَذْنَابٌ، قَالَ: فَفَتَحُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ، فَعَرَفَتِ الْقِرَدَةُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْإِنْسِ، وَلَا تَعْرِفُ الْإِنْسَ أَنْسَابَهَا مِنَ الْقِرَدَةِ، فَجَعَلَتِ الْقُرُودُ تَأْتِي نَسِيبَهَا مِنَ الْإِنْسِ، فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي، فَتَقُولُ لَهُمْ: أَلَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ كَذَا؟ فَتَقُولُ بِرَأْسِهَا نَعَمْ.
ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] قَالَ: فَأَرَى الْيَهُودَ الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا، وَلَا أَرَى الْآخَرِينَ ذُكِرُوا، وَنَحْنُ نَرَى أَشْيَاءَ نُنْكِرُهَا، فَلَا نَقُولُ فِيهَا، قَالَ: قُلْتُ: أَيْ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ وَخَالَفُوهُمْ وَقَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] قَالَ: فَأُمِرَ بِي فَكُسِيتُ بُرْدَيْنِ غَلِيظَيْنِ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ أَقْبَلَتِ الْحِيتَانُ حَتَّى تَنْتَطِحَ عَلَى سَوَاحِلِهِمْ وَأَفْنِيَتِهِمْ لَمَّا بَلَغَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي الْمَاءِ، فَإِذَا كَانَ فِي غَيْرِ يَوْمِ السَّبْتِ بَعُدَتْ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَطْلُبَهَا طَالِبُهُمْ، فَأَتَاهُمُ الشَّيْطَانُ،
فَقَالَ: إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَاصْطَادُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ وَكُلُوهَا فِيمَا بَعْدُ.
قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] فَصَارَ الْقَوْمُ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: أَمَّا صِنْفٌ، فَأَمْسَكُوا عَنْ حُرْمَةِ اللَّهِ وَنَهَوْا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَأَمَّا صِنْفٌ فَأَمْسَكَ عَنْ حُرْمَةِ اللَّهِ هَيْبَةً لِلَّهِ.
وَأَمَّا صِنْفٌ فَانْتَهَكَ الْحُرْمَةَ وَوَقَعَ فِي الْخَطِيئَةِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الْحِيتَانُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَكَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا، بَلَاءٌ ابْتُلُوا بِهِ، وَلَا تَأْتِيهِمْ فِي غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَطْلُبُوهَا، بَلَاءٌ أَيْضًا بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.
فَأَخَذُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ اسْتِحْلَالًا وَمَعْصِيَةً، فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166] إِلَّا طَائِفَةً مِنْهُمْ لَمْ يَعْتَدُوا وَنَهَوْهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف: 164] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] لَعَلَّهُمْ يَتْرُكُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ: كَانُوا قَدْ بُلُوا بِكَفِّ الْحِيتَانِ عَنْهُمْ، وَكَانُوا يَسْبِتُونَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، وَلَا يَعْمَلُونَ فِيهِ شَيْئًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ أَتَتْهُمُ الْحِيتَانُ شُرَّعًا، وَإِذَا كَانَ غَيْرُ يَوْمِ السَّبْتِ لَمْ يَأْتِ حُوتٌ وَاحِدٌ.
قَالَ: وَكَانُوا قَوْمًا قَدْ قُرِنُوا بِحُبِّ الْحِيتَانِ، وَلَقُوا مِنْهُ بَلَاءً، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حُوتًا، فَرَبَطَ فِي ذَنْبِهِ خَيْطًا، ثُمَّ رَبَطَهُ إِلَى خَشَفَةٍ،
ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ اجْتَرَّهُ بِالْخَيْطِ، ثُمَّ شَوَاهُ.
فَوَجَدَ جَارٌ لَهُ رِيحَ حُوتٍ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ إِنِّي أَجِدُ فِي بَيْتِكَ رِيحَ نُونٍ، فَقَالَ: لَا.
قَالَ: فَتَطَلَّعَ فِي تَنُّورِهِ فَإِذَا هُوَ فِيهِ فَأَخْبَرَهُ حِينَئِذٍ الْخَبَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّهَ سَيُعَذِّبُكَ.
قَالَ: فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ عُجِّلَ عَذَابًا، فَلَمَّا أَتَى السَّبْتُ الْآخَرُ أَخَذَ اثْنَيْنِ فَرَبَطَهُمَا، ثُمَّ اطَّلَعَ جَارٌ لَهُ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا رَآهُ لَمْ يُعَجَّلْ عَذَابًا جَعَلُوا يَصِيدُونَهُ، فَاطَّلَعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمُ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَكَانُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً تَنْهَاهُمْ وَتَكُفُّ، وَفِرْقَةً تَنْهَاهُمْ وَلَا تَكُفُّ، فَقَالَ الَّذِينَ نَهَوْا وَكَفُّوا لِلَّذِينَ يَنْهَوْنَ وَلَا يَكَفُّونَ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] فَقَالَ الْآخَرُونَ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: 165] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166] وَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ: عَمِلْتُمْ بِعَمَلِ سُوءٍ، مَنْ كَانَ يُرِيدُ يَعْتَزِلُ وَيَتَطَهَّرُ فَلْيَعْتَزِلْ هَؤُلَاءِ، قَالَ: فَاعْتَزَلَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي مَدِينَتِهِمْ، وَضَرَبُوا بَيْنَهُمْ سُورًا، فَجَعَلُوا فِي ذَلِكَ السُّوَرِ أَبْوَابًا يَخْرُجُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ طَرَقَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابِهِ، فَأَصْبَحَ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ لَا يَرَوْنَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةٌ، الرَّجُلُ وَأَزْوَاجُهُ وَأَوْلَادُهُ.
فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَى الرَّجُلِ يَعْرِفُونَهُ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ أَلَمْ نُحَذِّرْكَ سَطَوَاتِ اللَّهِ؟ أَلَمْ نُحَذِّرْكَ نَقَمَاتِ اللَّهِ؟ وَنُحَذِّرْكَ وَنُحَذِّرْكَ؟ قَالَ: فَلَيْسَ إِلَّا بُكَاءً.
قَالَ: وَإِنَّمَا عَذَّبَ اللَّهُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ نَهَوْا فَكُلُّهُمْ قَدْ نَهَى، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ.
فَقَرَأَ: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ: " ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] قَالَ: لَا أَدْرِي أَنَجَا الْقَوْمُ أَوْ هَلَكُوا؟ فَمَا زِلْتُ أَبْصُرُهُ حَتَّى عَرَفَ أَنَّهُمْ نَجَوْا، وَكَسَانِي حُلَّةً "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: زَعَمَ ابْنُ رُومَانَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: 163] قَالَ: كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإِذَا كَانَ الْمَسَاءُ ذَهَبَتْ فَلَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى السَّبْتِ، فَاتَّخَذَ لِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْهُمْ خَيْطًا وَوَتَدًا، فَرَبَطَ حُوتًا مِنْهَا فِي الْمَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا لَيْلَةَ الْأَحَدِ أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ، فَوَجَدَ النَّاسُ رِيحَهُ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجَحَدَهُمْ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: فَإِنَّهُ جِلْدُ حُوتٍ وَجَدْنَاهُ، فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ الْآخَرُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ: رَبَطَ حُوتَيْنِ، فَلَمَّا أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الْأَحَدِ أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ، فَوَجَدُوا رِيحَهُ، فَجَاءُوا فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ شِئْتُمْ صَنَعْتُمْ كَمَا أَصْنَعُ، فَقَالُوا لَهُ: وَمَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ، فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ.
وَكَانَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ لَهَا رَبَضٌ، فَغَلَّقُوهَا عَلَيْهِمْ، فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْمَسْخِ مَا أَصَابَهُمْ، فَغَدَا إِلَيْهِمْ جِيرَانُهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَكُونُ حَوْلَهُمْ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ، فَوَجَدُوا الْمَدِينَةَ مُغْلَقَةً عَلَيْهِمْ، فَنَادَوْا فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمْ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةٌ، فَجَعَلَ الْقِرْدُ يَدْنُو يَتَمَسَّحُ بِمَنْ كَانَ يَعْرِفُ قَبْلَ ذَلِكَ وَيَدْنُو مِنْهُ وَيَتَمَسَّحُ بِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْفِرْقَةُ الَّتِي قَالَتْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] كَانَتْ مِنَ الْفِرْقَةِ الْهَالِكَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي، كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شُرَّعًا﴾ [الأعراف: 163] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ابْتَدَعُوا السَّبْتَ، فَابْتُلُوا فِيهِ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحِيتَانُ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ شَرَعَتْ لَهُمُ الْحِيتَانُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْبَحْرِ، فَإِذَا انْقَضَى السَّبْتُ ذَهَبَتْ، فَلَمْ تُرَ حَتَّى السَّبْتِ الْمُقْبِلِ، فَإِذَا جَاءَ السَّبْتُ جَاءَتْ شُرَّعًا.
فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ حُوتًا فَخَزَمَ أَنْفَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُ وَتِدًا فِي السَّاحِلِ وَرَبَطَهُ وَتَرَكَهُ فِي الْمَاءِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَخَذَهُ فَشَوَاهُ فَأَكَلَهُ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ، وَلَا يَنْهَاهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا عَصَبَةٌ مِنْهُمْ نَهَوْهُ، حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ وَفُعِلَ عَلَانِيَةً، قَالَ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِلَّذِينَ يَنْهَوْنَ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 164] فِي سَخَطِنَا أَعْمَالَهُمْ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأعراف: 165] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا أَثْلَاثًا: ثُلُثٌ نَهَوْا، وَثُلُثٌ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] ، وَثُلُثٌ أَصْحَابُ الْخَطِيئَةِ.
فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا، وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ، فَأَصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَجَالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النَّاسَ لَا يَرَوْنَهُمْ، فَغَلَقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهُمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إِنَّ لِلنَّاسِ لَشَأْنًا، فَانْظُرُوا مَا شَأْنُهُمْ، فَاطَّلَعُوا فِي دُورِهِمْ، فَإِذَا الْقَوْمُ قَدْ مُسِخُوا فِي دِيَارِهِمْ قِرَدَةً، يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ
بِعَيْنِهِ وَإِنَّهُ لَقِرْدٌ، وَيَعْرِفُونَ الْمَرْأَةَ بِعَيْنِهَا وَإِنَّهَا لَقِرْدَةٌ، قَالَ اللَّهُ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 66] "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: 165] الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَجَا النَّاهُونَ، وَهَلَكَ الْفَاعِلُونَ، وَلَا أَدْرِي مَا صُنِعَ بِالسَّاكِتِينَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] قَالَ: هُمْ ثَلَاثُ فِرَقٍ: الْفِرْقَةُ الَّتِي وَعَظَتْ، وَالْمُوعُوظَةُ الَّتِي وُعِظَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا فَعَلَتِ الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] " وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمَا فِرْقَتَانِ: الْفِرْقَةُ الَّتِي وَعَظَتْ، وَالْفِرْقَةُ الَّتِي قَالَتْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] قَالَ: هِيَ الْمُوعُوظَةُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَأَنْ أَكُونَ عَلِمْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] فَلَيْتَ شِعْرِي مَا فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ مَاهَانَ الْحَنَفِيِّ أَبِي صَالِحٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: 163] قَالَ: كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَكَانَتِ الْأَيَّامُ سِتَّةً، الْأَحَدُ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَوَضَعَتِ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَسَبَتُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسَبَتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ السَّبْتُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوَكَّدَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَابْتَلَاهُمْ فِيهِ بِالْحِيتَانِ، فَجَعَلَتْ تَشْرَعُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَيَتَّقُونَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْهَا، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ مَا السَّبْتُ بِيَوْمٍ وَكَّدَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ وَكَّدْنَاهُ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَلَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْ هَذَا السَّمَكِ، فَتَنَاوَلَ حُوتًا مِنَ الْحِيتَانِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ جَارُهُ، فَخَافَ الْعُقُوبَةَ فَهَرَبَ مِنْ مَنْزِلِهِ.
فَلَمَّا مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَةٌ تَنَاوَلَ غَيْرُهُ أَيْضًا فِي يَوْمِ السَّبْتِ.
فَلَمَّا لَمْ تُصِبْهُمُ الْعُقُوبَةُ كَثُرَ مَنْ تَنَاوَلَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، وَاتَّخَذُوا يَوْمَ السَّبْتِ وَلَيْلَةَ السَّبْتِ عِيدًا يَشْرَبُونَ فِيهِ الْخُمُورَ وَيَلْعَبُونَ فِيهِ بِالْمَعَازِفِ، فَقَالَ لَهُمْ خِيَارُهُمْ وَصُلَحَاؤُهُمْ: وَيْحَكُمْ، انْتَهُوا عَمَّا تَفْعَلُونَ، إِنَّ اللَّهَ مُهْلِكُكُمْ أَوْ مُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا شَدِيدًا، أَفَلَا تَعْقِلُونَ؟ وَلَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ، فَأَبَوْا، فَقَالَ خِيَارُهُمْ: نَضْرِبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَائِطًا، فَفَعَلُوا.
وَكَانَ إِذَا كَانَ لَيْلَةُ السَّبْتِ تَأَذَّوْا بِمَا يَسْمَعُونَ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِ الْمَعَازِفِ.
حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي مُسِخُوا فِيهَا، سَكَنَتْ أَصْوَاتُهُمْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَقَالَ خِيَارُهُمْ: مَا شَأْنُ قَوْمِكُمْ قَدْ سَكَنَتْ أَصْوَاتُهُمُ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّ الْخَمْرَ غَلَبَتْهُمْ فَنَامُوا.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا لَمْ يَسْمَعُوا لَهُمْ حِسًّا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
مَا لَنَا لَا نَسْمَعُ مِنْ قَوْمِكُمْ حِسًّا؟ فَقَالُوا لِرَجُلٍ: اصْعَدِ الْحَائِطَ وَانْظُرْ مَا شَأْنُهُمْ، فَصَعِدَ الْحَائِطَ فَرَآهُمْ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: تَعَالَوْا فَانْظُرُوا إِلَى قَوْمِكُمْ مَا لَقُوا، فَصَعِدُوا، فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى الرَّجُلِ، فَيَتَوَسَّمُونَ فِيهِ، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ أَنْتَ فُلَانٌ؟ فَيُومِئُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ: أَيْ: نَعَمْ بِمَا كَسَبَتْ يَدَايَ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: تَلَا الْحَسَنُ ذَاتَ يَوْمٍ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163] فَقَالَ: كَانَ حُوتًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي يَوْمٍ وَأَحَلَّهُ لَهُمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، فَكَانَ يَأْتِيهِمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَأَنَّهُ الْمَخَاضُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ أَحَدٍ، وَقَلَّمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُكْثِرُ الِاهْتِمَامَ بِالذَّنْبِ إِلَّا وَاقَعَهُ.
قَالَ: فَجَعَلُوا يَهُمُّونَ وَيُمْسِكُونَ حَتَّى أَخَذُوهُ، فَأَكَلُوا أَوْخَمَ أَكْلَةً أَكَلَهَا قَوْمٌ قَطُّ، أَثْقَلُهُ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا وَأَشَدُّهُ عُقُوبَةً فِي الْآخِرَةِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا حُوتٌ أَخَذَهُ قَوْمٌ فَأَكَلُوهُ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ، وَلَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُوتٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَوْعِدَ قَوْمٍ السَّاعَةَ ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " جَاءَتْهُمُ الْحِيتَانُ تَشْرَعُ فِي حِيَاضِهِمْ كَأَنَّهَا الْمَخَاضُ، فَأَكَلُوا وَاللَّهِ أَوْخَمَ أَكْلَةً أَكْلَهَا
قَوْمٌ قَطُّ، أَسْوَؤُهُ عُقُوبَةً فِي الدُّنْيَا وَأَشَدُّهُ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ وَاللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَكَلِ الْحِيتَانِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ جَاءَ وَجَلَسَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] الْآيَةَ، قَالَ: لَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِمُ السَّبْتُ كَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِي يَوْمَ السَّبْتِ، وَتَأْمَنُ وَتَجِيءُ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمَسُّوهَا، وَكَانَ إِذَا ذَهَبَ السَّبْتُ ذَهَبَتْ، فَكَانُوا يَتَصَيَّدُونَ كَمَا يَتَصَيَّدُ النَّاسُ.
فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَعْدُوا فِي السَّبْتِ، اصْطَادُوا، فَنَهَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ صَالِحِيهِمْ، فَأَبَوْا، وَكَثَّرَهُمُ الْفُجَّارُ، فَأَرَادَ الْفُجَّارُ قِتَالَهُمْ، فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَشْتَهُونَ قِتَالَهُ، أَبُو أَحَدِهِمْ وَأَخُوهُ أَوْ قَرِيبُهُ.
فَلَمَّا نَهَوْهُمْ وَأَبَوْا، قَالَ الصَّالِحُونَ: إِنَّا نُبَايِنُهُمْ، وَإِنَّا نَجْعَلُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَائِطًا، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا فَقَدُوا أَصْوَاتَهُمْ، قَالُوا: لَوْ نَظَرْتُمْ إِلَى إِخْوَانِكُمْ مَا فَعَلُوا، فَنَظَرُوا فَإِذَا هُمْ قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً، يَعْرِفُونَ الْكَبِيرَ بِكَبَرِهِ وَالصَّغِيرَ بِصِغَرِهِ، فَجَعَلُوا يَبْكُونَ إِلَيْهِمْ.
وَكَانَ هَذَا بَعْدَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا تَرَكَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي اعْتَدَتْ فِي السَّبْتِ مَا أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ
مِنْ تَرْكِ الِاعْتِدَاءِ فِيهِ وَضَيَّعَتْ مَا وَعَظَتْهَا الطَّائِفَةُ الْوَاعِظَةُ وَذَكَّرَتْهَا مَا ذَكَّرَتْهَا بِهِ مِنْ تَحْذِيرِهَا عُقُوبَةَ اللَّهِ عَلَى مَعْصِيَتِهَا فَتَقَدَّمَتْ عَلَى اسْتِحْلَالِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا، أَنْجَى اللَّهُ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ مِنْهُمْ عَنِ السُّوءِ، يَعْنِي عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَاسْتِحْلَالِ مَا حَرَّمَهُ.
﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأعراف: 165] يَقُولُ: وَأَخَذَ اللَّهُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ فَاسْتَحَلُّوا فِيهِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ صَيْدِ السَّمَكِ وَأَكْلِهِ، فَأَحَلَّ بِهِمْ بَأْسَهُ وَأَهْلَكَهُمْ.
﴿بِعَذَابٍ﴾ [آل عمران: 21] شَدِيدٍ ﴿بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] يُخَالِفُونَ أَمْرَ اللَّهِ، فَيَخْرُجُونَ مِنْ طَاعَتِهِ إِلَى مَعْصِيَتِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفِسْقُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: 165] قَالَ: فَلَمَّا نَسُوا مَوْعِظَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِيَّاهُمْ، الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف: 164] "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حَرَمِيُّ، قَالَ: ثني شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ،﴾ [الأعراف: 165] قَالَ: يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا السُّوءُ الَّذِي نَهَوْا عَنْهُ "
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (بِعَذَابٍ بِيسٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، عَلَى مِثَالِ فِعْلٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] عَلَى مِثْلِ فَعِيلٍ مِنَ الْبُؤْسِ، بِنَصْبِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَمَدِّهَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ، غَيْرَ أَنَّهُ كَسِرَ بَاءَ: (بِئِيسٍ) عَلَى مِثَالِ فِعِيلٍ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: (بَيْئِسٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَتَسْكِينِ الْيَاءِ، وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا مَكْسُورَةٍ، عَلَى مِثَالِ فَيْعِلٍ.
وَذَلِكَ شَاذُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ فَيْعِلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، فَالْفَتْحُ فِي عَيْنِهِ الْفَصِيحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي نَظِيرِهِ مِنَ السَّالِمَ: صَيْقَلٌ، وَنَيْرَبٌ، وَإِنَّمَا تُكْسَرُ الْعَيْنُ مِنْ ذَلِكَ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، كَقَوْلِهِمْ: سَيِّدٌ، وَمَيِّتٌ.
وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَابِسٍ الْكِنْدِيِّ:
[البحر الرجز]
كِلَاهُمَا كَانَ رَئِيسًا بَيْئِسَا يَضْرِبُ فِي يَوْمِ الْهِيَاجِ الْقَوْنَسَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنْ فَيْعِلٍ، وَهِيَ الْهَمْزَةُ مِنْ بَيْئِسٍ.
فَلَعَلَّ الَّذِي قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَرَأَهُ عَلَى هَذِهِ.
وَذُكِرَ عَنْ آخَرَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ أَيْضًا أَنَّهُ قَرَأَهُ: «بَيْئَسٍ» نَحْوَ الْقِرَاءَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا
قَبْلَ هَذِهِ، وَذَلِكَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَتَسْكِينِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْيَاءِ عَلَى مِثَالِ فَيْعَلٍ مِثْلِ صَيْقَلٍ.
وَرُوِي عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَهُ: «بَئِسٍ» بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى مِثَالِ فَعِلٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ:
[البحر المديد]
لَيْتَنِي أَلْقَى رُقَيَّةَ فِي ... خَلْوَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا بَئِسِ
وَرُوِي عَنْ آخَرَ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَرَأَ: بِئْسَ بَكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ عَلَى مَعْنَى بِئْسَ الْعَذَابُ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَمَدِّهَا عَلَى مِثَالِ فَعِيلٍ، كَمَا قَالَ ذُو الْأُصْبَعِ الْعَدْوَانِيُّ:
[البحر الكامل]
حَنَقًا عَلَيَّ وَلَنْ تَرَى ... لِي فِيهِمُ أَثَرًا بَئِيسَا
؛ لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ شَدِيدٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا اخْتَرْنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] أَلِيمٍ وَجِيعٍ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] قَالَ: شَدِيدٍ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] أَلِيمٍ شَدِيدٍ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] قَالَ: مُوجِعٌ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] قَالَ: بِعَذَابٍ شَدِيدٍ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا تَمَرَّدُوا فِيمَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ اعْتِدَائِهِمْ فِي السَّبْتِ، وَاسْتِحْلَالِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ صَيْدِ السَّمَكِ وَأَكْلِهِ وَتَمَادَوْا فِيهِ ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166] أَيْ: بُعَدَاءَ مِنَ الْخَيْرِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ