الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 183]
يَعْنِي اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَصَدَّقُوا بِهِمَا وَأَقَرُّوا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، وَالصِّيَامُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صُمْتُ عَنْ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي كَفَفْتُ عَنْهُ، أَصُومُ عَنْهُ صَوْمًا وَصِيَامًا، وَمَعْنَى الصِّيَامِ:
الْكَفُّ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِالْكَفِّ عَنْهُ؛ وَمَنْ ذَلِكَ قِيلَ: صَامَتِ الْخَيْلُ إِذَا كَفَّتْ عَنِ السَّيْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ: [البحر البسيط] خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] يَعْنِي صِمْتًا عَنِ الْكَلَامِ
وَقَوْلُهُ ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلَكُمْ﴾ [البقرة: 183] يَعْنِي: فُرِضَ عَلَيْكُمْ مِثْلُ الَّذِي فُرِضَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] وَفِي الْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّشْبِيهُ بَيْنَ فَرْضِ صَوْمِنَا، وَصَوْمِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ أَخْبَرَنَا
اللَّهُ عَنِ الصَّوْمِ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَيْنَا أَنَّهُ كَمَثَلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ هُمُ النَّصَارَى، وَقَالُوا: التَّشْبِيهُ الَّذِي شُبِّهِ مِنْ أَجْلِهِ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ هُوَ اتِّفَاقُهُمَا فِي الْوَقْتِ وَالْمِقْدَارِ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ لَنَا الْيَوْمَ فَرْضُهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الطَّنَافِسِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ " لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَيُقَالُ مِنْ شَعْبَانَ وَيُقَالُ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا فَحَوَّلُوهُ إِلَى الْفَصْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا رُبَّمَا صَامُوُهُ فِي الْقَيْظِ يَعْدُونَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُمْ قَرْنٌ فَأَخَذُوا بِالثِّقَةِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَصَامُوا قَبْلَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهَا يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْآخَرُ يَسْتَنُّ سُنَّةَ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] "
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ التَّشْبِيهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ صَوْمَهُمْ كَانَ مِنَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ كَانَ فَرْضُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ.
وَوَافَقَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ الْقَائِلِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] النَّصَارَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] " أَمَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا فَالنَّصَارَى، كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَمَضَانُ، وَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا وَلَا يَشْرَبُوا بَعْدَ النَّوْمِ، وَلَا يَنْكِحُوا النِّسَاءَ شَهْرَ رَمَضَانَ.
فَاشْتَدَّ عَلَى النَّصَارَى صِيَامُ رَمَضَانَ، وَجَعَلَ يُقَلِّبُ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ؛ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَجَعَلُوا صِيَامًا فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ، وَقَالُوا: نَزِيدُ عِشْرِينَ يَوْمًا نُكَفِّرُ بِهَا مَا صَنَعْنَا.
فَجَعَلُوا صِيَامَهُمْ خَمْسِينَ، فَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ يَصْنَعُونَ كَمَا تَصْنَعُ النَّصَارَى، حَتَّى كَانَ مَنْ أَمْرِ أَبِي قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَا كَانَ، فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالْجِمَاعَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] قَالَ «كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى الْعَتَمَةِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] أَهْلُ الْكِتَابِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] أَهْلُ الْكِتَابِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ ذَلِكَ كَانَ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] قَالَ " كُتِبَ شَهْرُ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلَهُمْ.
قَالَ: وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] رَمَضَانُ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْآيَةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا فُرِضَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَيَّامًا
مَعْدُودَاتٍ، وَهِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ مَنْ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَانَ جَعَلَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا، وَقَدِ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ دِينَهُ كَانَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ، فَأَمَرَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَأَمَّا التَّشْبِيهُ فَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْوَقْتِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إِنَّمَا كَانَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ مِثْلَ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْنَا سَوَاءً
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: لِتَتَّقُوا أَكْلَ الطَّعَامِ وَشُرْبَ الشَّرَابِ وَجِمَاعَ النِّسَاءِ فِيهِ، يَقُولُ: فَرَضْتُ عَلَيْكُمُ الصَّوْمَ وَالْكَفَّ عَمَّا تَكُونُونَ بِتَرْكِ الْكَفِّ عَنْهُ مُفْطِرِينَ لِتَتَّقُوا مَا يُفْطِرُكُمْ فِي وَقْتِ صَوْمِكُمْ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] يَقُولُ «فَتَتَّقُونَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالشُّرْبِ، وَالنِّسَاءِ مِثْلَ مَا اتَّقُوا، يَعْنِي مِثْلَ الَّذِي اتَّقَى النَّصَارَى قَبْلَكُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الصِّيَامُ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
وَنَصَبَ «أَيَّامًا» بِمُضْمَرٍ مِنَ الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنْ تَصُومُوا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، كَمَا يُقَالُ: أَعْجَبَنِي الضَّرْبُ زَيْدًا وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] مِنَ الصِّيَامِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الَّذِي كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنْ تَصُومُوا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.
قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي فُرِضَ عَلَى النَّاسِ مِنَ الصِّيَامِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ " كَانَ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَلَمْ يُسَمِّ الشَّهْرَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، قَالَ: وَكَانَ هَذَا صِيَامَ النَّاسِ قَبْلُ ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّاسِ شَهْرَ رَمَضَانَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] «وَكَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالَّذِي أُنْزِلَ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ، فَهَذَا الصَّوْمُ الْأَوَّلُ مِنَ الْعَتَمَةِ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فَرْضَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ «قَدْ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ صَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ رَمَضَانَ كَانَ تَطَوُّعًا صَوْمُهُنَّ، وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184]
أَيَّامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، لَا الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَ يَصُومُهُنَّ قَبْلَ وُجُوبِ فَرْضِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: ثنا أَصْحَابُنَا، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَطَوُّعًا لَا فَرِيضَةً؛ قَالَ، ثُمَّ نَزَلَ صِيَامُ رَمَضَانَ» قَالَ أَبُو مُوسَى: قَوْلُهُ قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا، يُرِيدُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، كَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْقَائِلَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ منْ قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] شَهْرُ رَمَضَانَ.
وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] أَيَّامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ خَبَرٌ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ بِأَنَّ صَوْمًا فُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ نُسِخَ بِصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّ الصِّيَامَ الَّذِي أَوْجَبُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْنَا هُوَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ بِإِبَانَتِهِ عَنِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْنَا صَوْمَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ صَوْمًا كَانَ قَدْ
لَزِمَ الْمُسْلِمِينَ فَرْضُهُ غَيْرَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِينَ هُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى وُجُوبِ فَرْضِ صَوْمِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خَبَرٍ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، إِذْ كَانَ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِخَبَرٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ.
وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا لِلَّذِي بَيَّنَّا، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ هِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ.
وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا الْمَعْدُودَاتُ: فَهِيَ الَّتِي تُعَدُّ مَبَالِغُهَا وَسَاعَاتُ أَوْقَاتِهَا، وَحَتَّى بِقَوْلِهِ مَعْدُودَاتٍ: مُحْصَيَاتٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا مِمَّنْ كُلِّفَ صَوْمَهُ أَوْ كَانَ صَحِيحًا غَيْرَ مَرِيضٍ، وَكَانَ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
يَقُولُ: فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي
أَفْطَرَهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ فِي سَفَرِهِ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يَعْنِي مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غَيْرِ أَيَّامِ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ.
وَالرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] نَظِيرُ الرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ: {فَاتِّبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178] وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ هُنَالِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فَإِنَّ قِرَاءَةَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] وَعَلَى ذَلِكَ خُطُوطُ مَصَاحِفِهِمْ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ خِلَافَهَا لِنَقْلِ جَمِيعِهِمْ تَصْوِيبَ ذَلِكَ قَرْنًا عَنْ قَرْنٍ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ» . ثُمَّ اخْتَلَفَ قُرَّاءُ ذَلِكَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا فُرِضَ الصَّوْمُ، وَكَانَ مَنْ أَطَاقَهُ مِنَ الْمُقِيمِينَ صَامَهُ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ وَافْتَدَى فَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ مِسْكِينًا حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَصَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ فَرَضَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَأَطْعَمَ مِسْكِينًا.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْجَبَ الصِّيَامَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ، وَثَبَتَ الْإِطْعَامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 185] . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَطَوُّعًا غَيْرِ فَرِيضَةٍ، قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ صِيَامُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَكَانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيَامَ، قَالَ: وَكَانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ، قَالَ: فَكَانَ مَنْ لَمْ يَصُمْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] فَكَانَتِ الرُّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ، وَأُمِرْنَا بِالصِّيَامِ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: قَوْلُهُ قَالَ عَمْرٌو، حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا: يُرِيدُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، كَأَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، الْقَائِلُ حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قَالَ " كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَأَطْعَمَ نِصْفَ صَاعٍ مِسْكِينًا، فَنَسَخَهَا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: 185] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، بِنَحْوِهِ، وَزَادَ فِيهِ قَالَ «فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ، وَصَارَتِ الْآيَةُ الْأُولَى لِلشَّيْخِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ يَتَصَدَّقُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ أَبُو تُمَيْلَةَ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَوْلَهُ " ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فَكَانَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَصُومَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَدِيَ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ افْتَدَى وَتَمَّ لَهُ صَوْمُهُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] "
حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْأَعْمَشَ عَنْ قَوْلِهِ " ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامٌ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فَحَدَّثَنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَا: نَسَخَتْهَا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ " نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَعْنِي: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ فِي قَوْلِهِ " ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قَالَ: نَسَخَتْهَا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] "
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ أَبُو هَمَّامٍ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] كَانَ الرَّجُلُ يُفْطِرُ فَيُتَصَدَّقُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى مِسْكِينٍ طَعَامًا، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] فَلَمْ تَنْزِلِ الرُّخْصَةُ إِلَّا لِلْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ "
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلنَّاسِ عَامَّةً: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] وَكَانَ الرَّجُلُ يُفْطِرُ، وَيَتَصَدَّقُ بِطَعَامِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] قَالَ: فَلَمْ تَنْزِلِ الرُّخْصَةُ إِلَّا لِلْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ، وَهُوَ يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ: " إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ إِنَّ الصَّوْمَ نَزَلَ، فَكَانَ مِنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَأَطْعَمَ مِسْكِينًا، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] فَوَجَبَ الصَّوْمُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا مَرِيضًا، أَوْ مُسَافِرًا، أَوْ شَيْخًا كَبِيرًا مَثَلِي يَفْتَدِي "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، " كَتَبَ اللَّهُ الصِّيَامَ عَلَيْنَا، فَكَانَ مِنْ شَاءَ افْتَدَى مِمَّنْ يُطِيقُ الصِّيَامَ مِنْ صَحِيحٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ الصِّيَامَ، فَمَنْ كَانَ صَحِيحًا يُطِيقُهُ وُضِعَ عَنْهُ الْفِدْيَةُ، وَكَانَ مَنْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ أَوْ كَانَ مَرِيضًا فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
قَالَ: وَبَقِيَتِ الْفِدْيَةُ الَّتِي كَانَتْ تُقْبَلُ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، وَالَّذِي يَعْرِضُ لَهُ الْعَطَشُ أَوِ الْعِلَّةُ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا الصِّيَامَ "