تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 495-496

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 19] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ فِرَارًا مِنْهُ

صفحات 495-496
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ

قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249] أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: «أَنْتُمْ بِعُدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ ثَلَثِمِائَةٍ» قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْغُرْفَةَ أَقْوَى مِنَ الَّذِينَ أَخَذُوا، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] "

وَيَجِبُ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، «أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزِ النَّهَرَ مَعَ طَالُوتَ إِلَّا عِدَّةُ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَهُمَا اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُمَا بِهِ أَمَرَهُمَا» عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ فِيهِمَا قَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ آنِفًا.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: 249] فَإِنَّهُ يَعْنِي: قَالَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَيَسْتَيْقِنُونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: 249] الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ " فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: قَالَ الَّذِينَ يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ، وَيُصَدِّقُونَ بِالْمَرْجِعِ إِلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: 249] : {كَمْ مِنْ فِئَةٍ

قَلِيلَةٍ} [البقرة: 249] يَعْنِي بِكَمْ: كَثِيرًا غَلَبَتْ فِئَةٌ قَلِيلَةٌ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، يَعْنِي: بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] يَقُولُ: مَعَ الْحَابِسِينَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى رِضَاهُ وَطَاعَتِهِ.
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ وُجُوهِ الظَّنِّ وَأَنَّ أَحَدَ مَعَانِيهِ الْعِلْمُ الْيَقِينُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ.
وَأَمَّا الْفِئَةُ فَإِنَّهُمُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَهُوَ مِثْلُ الرَّهْطِ، وَالنَّفَرِ جَمْعُهُ فِئَاتٌ وَفِئُونَ فِي الرَّفْعِ وَفِئِينَ فِي النَّصْبِ وَالْخَفْضِ بِفَتْحِ نُونِهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَفِئِينٌ بِالرَّفْعِ بِإِعْرَابِ نُونِهَا بِالرَّفْعِ وَتَرْكِ الْيَاءِ فِيهَا، وَفِي النَّصْبِ فِئِينًا، وَفِي الْخَفْضِ فِئِينِ، فَيَكُونُ الْإِعْرَابُ فِي الْخَفْضِ وَالنَّصْبُ فِي نُونِهَا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ مُقَرَّةٌ فِيهَا الْيَاءُ عَلَى حَالِهَا، فَإِنْ أُضِيفَتْ، قِيلَ: هَؤُلَاءِ فِئِينُكَ بِإِقْرَارِ النُّونِ وَحَذْفِ التَّنْوِينِ، كَمَا قَالَ الَّذِينَ لُغَتُهُمْ هَذِهِ سِنِينٌ فِي جَمْعِ السَّنَةِ هَذِهِ سِنِينُكَ بِإِثْبَاتِ النُّونِ وَإِعْرَابِهَا، وَحَذْفِ التَّنْوِينِ مِنْهَا لِلْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ مَنْقُوصٍ، مِثْلَ مِائَةٍ وَثِبَةٍ، وَقِلَّةٍ، وَعِزَّةٍ، فَأَمَّا مَا كَانَ نَقْصُهُ مِنْ أَوَّلِهِ؛ فَإِنَّ جَمْعَهُ بِالتَّاءِ مِثْلُ عِدَّةٍ وَعِدَاتٍ وَصِلَةٍ وَصِلَاتٍ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاللَّهُ مَعِينٌ الصَّابِرِينَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَظُهُورِهِمْ وَنَصْرِهِمْ عَلَى أَعْدَائِهِ

الصَّادِينَ عَنْ سَبِيلِهِ، الْمُخَالِفِينَ مِنْهَاجَ دِينِهِ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِكُلِّ مَعِينٍ رَجُلًا عَلَى غَيْرِهِ هُوَ مَعَهُ بِمَعْنَى هُوَ مَعَهُ بِالْعَوْنِ لَهُ وَالنُّصْرَةِ

جارٍ التحميل