تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 470-482

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 19] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ فِرَارًا مِنْهُ

صفحات 470-482
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنَ الْجَنَّةِ، كَانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ "

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248] السَّكِينَةَ: طَسْتً مِنْ ذَهَبٍ يُغْسَلُ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ، أَعْطَاهَا اللَّهُ مُوسَى، وَفِيهَا وَضَعَ الْأَلْوَاحَ؛ وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ فِيمَا بَلَغَنَا مِنْ دُرٍّ، وَيَاقُوتٍ، وَزَبَرْجَدٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: السَّكِينَةُ: رُوحٌ مِنَ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " سَأَلْنَا وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، فَقُلْنَا لَهُ: السَّكِينَةُ؟ قَالَ: رُوحٌ مِنَ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ تَكَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِبَيَانِ مَا يُرِيدُونَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَسْكَرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: ثنا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: السَّكِينَةُ: مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ فَيَسْكُنُونَ إِلَيْهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248] الْآيَةَ.
قَالَ: أَمَّا السَّكِينَةُ: فَمَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ تَسْكُنُونَ إِلَيْهَا " وَقَالَ آخَرُونَ: السَّكِينَةُ: الرَّحْمَةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248] أَيْ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: السَّكِينَةُ: هِيَ الْوَقَارُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248] أَيْ وَقَارٌ "

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالْحَقِّ فِي مَعْنَى السَّكِينَةِ، مَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، مِنَ الشَّيْءِ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَعْرِفُونَهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ السَّكِينَةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَعِيلَةِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَكَنَ فُلَانٌ إِلَى كَذَا وَكَذَا: إِذَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَهَدَأَتْ عِنْدَهُ نَفْسُهُ، فَهُوَ يَسْكُنُ سُكُونًا وَسَكِينَةً، مِثْلَ قَوْلِكَ: عَزَمَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ عَزْمًا وَعَزِيمَةً، وَقَضَى الْحَاكِمُ بَيْنَ الْقَوْمِ قَضَاءً وَقَضِيَّةً، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: لِلَّهِ قَبْرٌ غَالَهَا مَاذَا يُجِنُّ ... لَقَدْ أَجَنَّ سَكِينَةً وَوَقَارَا وَإِذَا كَانَ مَعْنَى السَّكِينَةِ مَا وَصَفْتُ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى مَا رُوِّينَا عَنْهُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَمَا قَالَهُ السُّدِّيُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ آيَاتٌ كَافِيَاتٌ تَسْكُنُ إِلَيْهِنَّ النُّفُوسُ وَتَثْلُجُ بِهِنَّ الصُّدُورُ.
وَإِذَا كَانَ مَعْنَى السَّكِينَةِ مَا وَصَفْنَا، فَقَدِ اتَّضَحَ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي التَّابُوتِ الَّتِي كَانَتِ النُّفُوسُ تَسْكُنُ إِلَيْهَا لِمَعْرِفَتِهَا بِصِحَّةِ أَمْرِهَا إِنَّمَا هِيَ مُسَمَّاةٌ بِالْفِعْلِ، وَهِيَ غَيْرُهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ [البقرة: 248] الشَّيْءَ الْبَاقِيَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَدْ بَقِيَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بَقِيَّةٌ، وَهِيَ فَعْلِيَةٌ مِنْهُ، نَظِيرَ السَّكِينَةِ مِنْ سَكَنَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] يَعْنِي بِهِ: مِنْ تَرِكَةِ آلِ مُوسَى، وَآلِ

هَارُونَ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْبَقِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ تَرِكَتِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ عَصَا مُوسَى، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: أَحْسَبُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: رُضَاضُ الْأَلْوَاحِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: ثنا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ دَاوُدُ: وَأَحْسَبُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: عَصَا مُوسَى، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: فَكَانَ فِي التَّابُوتِ عَصَا مُوسَى، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: الْبَقِيَّةُ:

عَصَا مُوسَى، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] أَمَا الْبَقِيَّةُ فَإِنَّهَا عَصَا مُوسَى، وَرُضَاضُةُ الْأَلْوَاحِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] عَصَا مُوسَى، وَأُمُورٌ مِنَ التَّوْرَاةِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: التَّوْرَاةُ، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ، وَالْعَصَا " قَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ وَكِيعٌ: وَرُضَاضُهُ: كِسَرُهُ "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: رُضَاضُ الْأَلْوَاحِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ: عَصَا مُوسَى، وَعَصَا هَارُونَ، وَشَيْءٌ مِنَ الْأَلْوَاحِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ، فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: كَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى، وَعَصَا هَارُونَ، وَلَوْحَانِ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَالْمَنُّ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: عَصَا مُوسَى، وَعَصَا هَارُونَ، وَثِيَابُ مُوسَى، وَثِيَابُ هَارُونَ، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ الْعَصَا وَالنَّعْلَانِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: " سَأَلْتُ الثَّوْرِيَّ، عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْبَقِيَّةُ: قَفِيزٌ مِنْ مِنِ، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْعَصَا وَالنَّعْلَانِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ الْعَصَا وَحْدَهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْنَا لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: " مَا كَانَ فِيهِ؟ يَعْنِي فِي التَّابُوتِ.
قَالَ: كَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى، وَالسَّكِينَةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ رُضَاضَ الْأَلْوَاحِ وَمَا تَكَسَّرَ مِنْهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: كَانَ مُوسَى حِينَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ وَرَفَعَ مِنْهَا، فَجَعَلَ الْبَاقِيَ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] الْعِلْمُ، وَالتَّوْرَاةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248] يَعْنِي بِالْبَقِيَّةِ: الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَبِذَلِكَ قَاتَلُوا مَعَ طَالُوتَ، وَبِذَلِكَ أُمِرُوا " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنِ التَّابُوتِ الَّذِي جَعَلَهُ آيَةً لِصِدْقِ قَوْلِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247] أَنَّ فِيهِ سَكِينَةً مِنْهُ، وَبَقِيَّةً مِمَّا تَرَكَهُ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ: الْعَصَا، وَكِسَرَ الْأَلْوَاحِ، وَالتَّوْرَاةَ، أَوْ بَعْضَهَا وَالنَّعْلَيْنِ، وَالثِّيَابَ، وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُدْرِكُ عِلْمَهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِخْرَاجِ، وَلَا اللُّغَةِ، وَلَا يُدْرَكُ عِلْمُ ذَلِكَ إِلَّا بِخَبَرٍ يُوجِبُ عَنْهُ الْعِلْمَ، وَلَا خَبَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ لِلصَّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا.
وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهِ تَصْوِيبُ قَوْلٍ وَتَضْعِيفُ آخَرَ غَيْرَهُ، إِذْ كَانَ جَائِزًا فِيهِ مَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 248]

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ حَمْلِ الْمَلَائِكَةِ ذَلِكَ التَّابُوتَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى تَضَعَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى وَضَعَتْهُ عِنْدَ طَالُوتَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " لَمَّا قَالَ لَهُمْ: يَعْنِي النَّبِيَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 247] قَالُوا: فَمَنْ لَنَا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ آتَاهُ هَذَا، مَا هُوَ إِلَّا لِهَوَاكَ فِيهِ؟ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمُونِي وَاتَّهَمْتُمُونِي ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248] الْآيَةَ.
قَالَ: فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ نَهَارًا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ عَيَانًا، حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَأَقَرُّوا غَيْرَ رَاضِينَ، وَخَرَجُوا سَاخِطِينَ.
وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] قَالُوا: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَأْتِنَا بِآيَةٍ أَنَّ هَذَا مَلَكٌ قَالَ ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 248] وَأَصْبَحَ التَّابُوتُ وَمَا فِيهِ فِي

دَارِ طَالُوتَ، فَآمَنُوا بِنُبُوَّةِ شمعون، وَسَلَّمُوا مُلْكَ طَالُوتَ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 248] قَالَ: تَحْمِلُهُ حَتَّى تَضَعَهُ فِي بَيْتِ طَالُوتَ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَسُوقُ الْمَلَائِكَةُ الدَّوَابَّ الَّتِي تَحْمِلُهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ بَعْضِ، أَشْيَاخِهِ، قَالَ: «تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى عَجَلَةٍ، عَلَى بَقَرَةٍ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: «وُكِّلَ بِالْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَارَتَا بِالتَّابُوتِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا، فَسَارَتِ الْبَقَرَتَانِ بِهِمَا سَيْرًا سَرِيعًا حَتَّى إِذَا بَلَغَتَا طَرَفَ الْقُدْسِ ذَهَبَتَا» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: حَمَلَتِ التَّابُوتَ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ بَيْنَ أَظْهُرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ

قَالَ: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 248] وَلَمْ يَقُلْ: تَأْتِي بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَمَا جَرَّتْهُ الْبَقَرُ عَلَى عَجَلٍ.
وَإِنْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ سَائِقَتُهَا، فَهِيَ غَيْرُ حَامِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ الْمَعْرُوفَ هُوَ مُبَاشَرَةُ الْحَامِلِ بِنَفْسِهِ حَمْلَ مَا حَمَلَ، فَأَمَّا مَا حَمَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ فِي حَمْلِهِ بِمَعْنَى مَعُونَتِهِ الْحَامِلَ، أَوْ بِأَنَّ حَمْلَهُ كَانَ عَنْ سَبَبِهِ، فَلَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَا بَاشَرَ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ فِي تَعَارُفِ النَّاسِ إِيَّاهُ بَيْنَهُمْ؛ وَتَوْجِيهِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى الْأَشْهَرِ مِنَ اللُّغَاتِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْأَشْهُرُ مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 248] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّهُ أشمويل قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ فِي مَجِيئِكُمُ التَّابُوتَ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ، حَامِلَتُهُ الْمَلَائِكَةُ ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ [البقرة: 248] يَعْنِي لَعَلَامَةً لَكُمْ وَدَلَالَةً أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى

صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا إِنْ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمُونِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ تَمْلِيكِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَيْكُمْ وَاتَّهَمْتُمُونِي فِي خَبَرِي إِيَّاكُمْ بِذَلِكَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91] يَعْنِي بِذَلِكَ: إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْآيَةِ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ طَالُوتَ وَمُلْكِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ كَانُوا كَفَرُوا بِاللَّهِ فِي تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهُمْ، وَرَدَّهُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247] بِقَوْلِهِمْ: {أَنَّى

يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} [البقرة: 247] وَفِي مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ الْآيَةَ عَلَى صِدْقِهِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كُفْرًا، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ لَكُمْ فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ آيَةٌ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَلَا بِرَسُولِهِ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ مَعْنَاهُ، لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا الْآيَةَ عَلَى صِدْقِ خَبَرِهِ إِيَّاهُمْ لِيُقِرُّوا بِصِدْقِهِ، فَقَالَ لَهُمْ فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ عَلَى مَا وَصَفَهُ لَهُمْ آيَةٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ عِنْدَ مَجِيئِهِ كَذَلِكَ مُصَدِّقِيَّ بِمَا قُلْتُ لَكُمْ وَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَتْرُوكٌ قَدِ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ عَنْ ذِكْرِهِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَأَتَاهُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ، وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَصَدَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ نَبِيَّهُمْ، وَأَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ طَالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِذَلِكَ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: 249] وَمَا كَانَ لِيَفْصِلَ بِهِمْ إِلَّا بَعْدَ رِضَاهُمْ بِهِ وَتَسْلِيمِهِمُ الْمُلْكَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَقْدِرُونَ عَلَى إِكْرَاهِهِمْ عَلَى ذَلِكَ فَيَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَرْهًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَصَلَ﴾ [البقرة: 249] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ شَخَصَ بِالْجُنْدِ وَرَحَلَ بِهِمْ.
وَأَصْلُ الْفَصْلِ: الْقَطْعُ، يُقَالُ مِنْهُ: فَصَلَ الرَّجُلُ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي

بِهِ قَطَعَ ذَلِكَ، فَجَاوَزَهُ شَاخِصًا إِلَى غَيْرِهِ، يَفْصِلُ فُصُولًا؛ وَفَصَلَ الْعَظْمَ وَالْقَوْلَ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ يَفْصِلُهُ فَصْلًا: إِذَا قَطَعَهُ فَأَبَانَهُ؛ وَفَصَلَ الصَّبِيُّ فِصَالًا: إِذَا قَطَعَهُ عَنِ اللَّبَنِ؛ وَقَوْلٌ فَصْلٌ: يَقْطَعُ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ لَا يُرَدُّ.
وَقِيلَ: إِنَّ طَالُوتَ فَصَلَ بِالْجُنُودِ يَوْمَئِذٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنِ الْفُصُولِ مَعَهُ إِلَّا ذُو عِلَّةٍ لِعِلَّتِهِ، أَوْ كَبِيرٌ لِهَرَمِهِ، أَوْ مَعْذُورٌ لَا طَاقَةَ لَهُ بِالنُّهُوضِ مَعَهُ

جارٍ التحميل