الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ [البقرة: 57] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْمَنِّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ [البقرة: 57] قَالَ: الْمَنُّ: صَمْغَةٌ " حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: 57] يَقُولُ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الثَّلْجِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ شَرَابٌ "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: " الْمَنُّ: شَرَابٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الْعَسَلِ، فَيَمْزِجُونَهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ يَشْرَبُونَهُ " وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَنُّ: عَسَلٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الْمَنُّ: عَسَلٌ كَانَ يَنْزِلُ لَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: «عَسَلُكُمْ هَذَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمَنِّ» وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَنُّ: خُبْزُ الرِّقَاقِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ سَمِعْتُ وَهْبًا: وَسُئِلَ، مَا الْمَنُّ؟ قَالَ: «خُبْزُ الرِّقَاقِ، مِثْلُ الذُّرَةِ، وَمِثْلُ النِّقْيِ» وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَنُّ: التَّرَنْجَبِينُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: «الْمَنُّ كَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرِ التَّرَنْجَبِينِ» وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَنُّ هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النَّاسُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَى شَجَرِهِمْ فَيَغْدُونَ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شَاءُوا»
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ [البقرة: 57] قَالَ: الْمَنُّ: الَّذِي يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ "
وَحُدِّثْنَا عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿الْمَنَّ﴾ [البقرة: 57] قَالَ: الْمَنُّ: الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ فَتَأْكُلُهُ النَّاسُ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: " الْمَنُّ: هَذَا الَّذِي يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ.
وَقَدْ قِيلَ.
إِنَّ الْمَنَّ: هُوَ التَّرَنْجَبِينُ " وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَنُّ: هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الثُّمَامِ وَالْعُشَرِ، وَهُوَ حُلْوٌ كَالْعَسَلِ، وَإِيَّاهُ عَنَى الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ بِقَوْلِهِ:
لَوْ أُطْعِمُوا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مَكَانَهُمُ ... مَا أَبْصَرَ النَّاسُ طُعْمًا فِيهِمُ نَجَعَا
وَتَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَنُّ: شَرَابٌ حُلْوٌ كَانُوا يَطْبُخُونَهُ فَيَشْرَبُونَهُ.
وَأَمَّا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ فِي شِعْرِهِ عَسَلًا، فَقَالَ يَصِفُ أَمْرَهُمْ فِي التِّيهِ وَمَا رُزِقُوا فِيهِ:
فَرَأَى اللَّهُ أَنَّهُنَّ بِمَضِيعٍ ... لَا بِذِي مَزْرَعٍ وَلَا مَثْمُورَا
فَنَسَّاهَا عَلَيْهِمْ غَادِيَاتٍ ... وَمَرَى مُزْنَهُمْ خَلَايَا وَخُورَا عَسَلًا نَاطِفًا وَمَاءً فُرَاتًا ... وَحَلِيبًا ذَا بَهْجَةٍ مَمْرُورَا الْمَمْرُورُ: الصَّافِي مِنَ اللَّبَنِ، فَجَعَلَ الْمَنَّ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَسَلًا نَاطِفًا، وَالنَّاطِفُ: هُوَ الْقَاطِرُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: 57] وَالسَّلْوَى: اسْمُ طَائِرٍ يُشْبِهُ السُّمَانَى، وَاحِدُهُ وَجِمَاعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، كَذَلِكَ السُّمَانَى لَفْظُ جَمَاعِهَا وَوَاحِدِهَا سَوَاءٌ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَاحِدَةَ السَّلْوَى سَلْوَاةٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " السَّلْوَى: طَيْرٌ يُشْبِهُ
السُّمَانَى "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «كَانَ طَيْرًا أَكْبَرَ مِنَ السُّمَانَى»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " السَّلْوَى: طَائِرٌ كَانَتْ تَحْشُرُهَا عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْجَنُوبُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " السَّلْوَى: طَائِرٌ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " السَّلْوَى: طَيْرٌ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا: وَسُئِلَ: مَا السَّلْوَى؟ فَقَالَ: «طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " السَّلْوَى: طَيْرٌ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " السَّلْوَى: كَانَ طَيْرًا يَأْتِيهِمْ مِثْلَ السُّمَانَى "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ
مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: " السَّلْوَى: السُّمَانَى "
حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " السَّلْوَى: هُوَ السُّمَانَى "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: " السَّلْوَى: السُّمَانَى "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «السُّمَانَى هُوَ السَّلْوَى» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا سَبَبُ تَظْلِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْغَمَامَ وَإِنْزَالِهِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مَا حَضَرَنَا مِنْهُ
فَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: " لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى قَوْمِ مُوسَى وَأَحْيَا السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى بَعْدَ مَا أَمَاتَهُمْ، أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَرِيحَا، وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهَا بَعَثَ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا.
وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ الْجَبَّارِينَ، وَأَمْرِ قَوْمِ مُوسَى مَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24] فَغَضِبَ مُوسَى، فَدَعَا عَلَيْهِمْ قَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 25] فَكَانَتْ عُجْلَةً مِنْ مُوسَى عَجِلَهَا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26] فَلَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ نَدِمَ مُوسَى، وَأَتَاهُ قَوْمُهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يُطِيعُونَهُ، فَقَالُوا لَهُ: مَا صَنَعْتَ بِنَا يَا مُوسَى؟ فَلَمَّا نَدِمَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ؛ أَيْ لَا تَحْزَنْ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ سَمَّيْتُهُمْ فَاسِقِينَ.
فَلَمْ يَحْزَنْ.
فَقَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ لَنَا بِمَاءٍ هَهُنَا، أَيْنَ الطَّعَامُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ، فَكَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرِ التَّرَنْجَبِينِ، وَالسَّلْوَى: وَهُوَ طَيْرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى، فَكَانَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ، فَيَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ إِنْ كَانَ سَمِينًا ذَبَحَهُ، وَإِلَّا أَرْسَلَهُ، فَإِذَا سَمِنَ أَتَاهُ.
فَقَالُوا: هَذَا الطَّعَامُ، فَأَيْنَ الشَّرَابُ؟ فَأَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَشَرِبَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ عَيْنٍ، فَقَالُوا: هَذَا الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، فَأَيْنَ الظِّلُّ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ، فَقَالُوا: هَذَا الظِّلُّ فَأَيْنَ اللِّبَاسُ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ
مَعَهُمْ كَمَا تَطُولُ الصِّبْيَانُ، وَلَا يَتَخَرَّقُ لَهُمْ ثَوْبُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: 57] وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَمَرَ مُوسَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ السَّيْفَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَقَالَ: إِنَّنِي قَدْ كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا، فَاخْرُجْ إِلَيْهَا وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ فَإِنَّى نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ.
فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيهَ بَيْنَ مِصْرَ وَالشَّامِ وَهِيَ أَرْضٌ لَيْسَ فِيهَا خَمْرٌ وَلَا ظِلٌّ، دَعَا مُوسَى رَبَّهُ حِينَ آذَاهُمُ الْحَرُّ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ، وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " قَوْلُهُ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: 57] قَالَ: ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ فِي التِّيهِ: تَاهُوا فِي خَمْسَةِ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةٍ، كُلَّمَا أَصْبَحُوا سَارُوا غَادِينَ، فَأَمْسَوْا فَإِذَا هُمْ فِي مَكَانِهِمُ الَّذِي ارْتَحَلُوا مِنْهُ، فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً.
قَالَ: وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَمَعَهُمْ حَجَرٌ مِنْ حِجَارَةِ الطُّورِ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، فَإِذَا
نَزَلُوا ضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا، يَقُولُ: " إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ شَكَوْا إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: مَا نَأْكُلُ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ.
قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَنَا إِلَّا أَنْ يُمْطِرَ عَلَيْنَا خُبْزًا؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُنْزِلُ عَلَيْكُمْ خُبْزًا مَخْبُوزًا.
فَكَانَ يُنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ، سُئِلَ وَهْبٌ: مَا الْمَنُّ؟ قَالَ: خُبْزُ الرِّقَاقِ مِثْلُ الذُّرَةِ أَوْ مِثْلُ النِّقْيِ، قَالُوا: وَمَا نَأَتَدِمُ، وَهَلْ بُدِّلْنَا مِنْ لَحْمٍ؟ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِيكُمْ بِهِ.
فَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَنَا إِلَّا أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: فَإِنَّ الرِّيحَ تَأْتِيكُمْ بِهِ وَكَانَتِ الرِّيحُ تَأْتِيهِمْ بِالسَّلْوَى فَسُئِلَ وَهْبٌ: مَا السَّلْوَى؟ قَالَ: طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مِنَ السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ، قَالُوا: فَمَا نَلْبَسُ؟ قَالَ: لَا يَخْلَقُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ ثَوْبٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَالُوا: فَمَا نَحْتَذِي؟ قَالَ: لَا يَنْقَطِعُ لِأَحَدِكُمْ شِسْعٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالُوا: فَإِنَّ فِينَا أَوْلَادًا فَمَا نَكْسُوهُمْ؟ قَالَ: ثَوْبُ الصَّغِيرِ يَشُبُّ مَعَهُ.
قَالُوا: فَمِنْ أَيْنَ لَنَا الْمَاءُ؟ قَالَ: يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ.
قَالُوا: فَمِنْ أَيْنَ؟ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ لَنَا مِنَ الْحَجَرِ.
فَأَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُوسَى، أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ.
قَالُوا: فِيمَ نُبْصِرُ؟ تَغْشَانَا الظُّلْمَةُ.
فَضُرِبَ لَهُمْ عَمُودٌ مِنْ نُورٍ فِي وَسَطِ عَسْكَرِهِمْ أَضَاءَ عَسْكَرَهُمْ كُلَّهُ، قَالُوا: فَبِمَ نَسْتَظِلُّ؟ فَإِنَّ الشَّمْسَ عَلَيْنَا
شَدِيدَةٌ قَالَ: يُظِلُّكُمُ اللَّهُ بِالْغَمَامِ " حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ هَارُونَ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: «خُلِقَ لَهُمْ فِي التِّيهِ ثِيَابٌ لَا تَخْلَقُ وَلَا تَدْرَنُ»
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «إِنْ أَخَذَ الرَّجُلُ مِنَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى فَوْقَ طَعَامِ يَوْمٍ فَسَدَ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ طَعَامَ يَوْمِ السَّبْتِ فَلَا يُصْبِحُ فَاسِدًا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 57] وَهَذَا مِمَّا اسْتَغْنَى بِدَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ عَلَى مَا تَرْكٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَقُلْنَا لَكُمْ: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.
فَتَرَكَ ذِكْرَ قَوْلِهِ: وَقُلْنَا لَكُمْ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ دَلَالَةِ
الظَّاهِرِ فِي الْخِطَابِ عَلَيْهِ.
وَعَنَى جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 57] كُلُوا مِنْ مُشْتَهِيَاتِ رِزْقِنَا
الَّذِي رَزَقْنَاكُمُوهُ.
وَقَدْ قِيلَ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 57] مِنْ حَلَالِهِ الَّذِي أَبَحْنَاهُ لَكُمْ، فَجَعَلْنَاهُ لَكُمْ رِزْقًا.
وَالْأَوَّلُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالتَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ وَصْفُ مَا كَانَ الْقَوْمُ فِيهِ مِنْ هَنِيءِ الْعَيْشِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ، فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالطَّيِّبِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى اللَّذَّةِ أَحْرَى مِنْ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ حَلَالٌ مُبَاحٌ.
وَمَا الَّتِي مَعَ رَزَقْنَاكُمْ بِمَعْنَى الَّذِي كَأَنَّهُ قِيلَ: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ الَّذِي رَزَقْنَاكُمُوهُ