الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: 282] قَالَ: «لَا يُنْقِصْ مِنْ حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا إِذَا أَمْلَى»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: 282] فَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ سَفِيهًا، يَعْنِي جَاهِلًا بِالصَّوَابِ فِي الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُمِلَّهُ عَلَى
الْكَاتِبِ
كَمَا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: 282] " أَمَّا السَّفِيهُ: فَالْجَاهِلُ بِالْإِمْلَاءِ وَالْأُمُورِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ السَّفِيهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ: الطِّفْلُ الصَّغِيرُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: 282] " أَمَّا السَّفِيهُ: فَهُوَ الصَّغِيرُ "
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: 282] قَالَ: " هُوَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ، ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] " وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: السَّفِيهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْجَاهِلُ بِالْإِمْلَاءِ وَمَوْضِعِ صَوَابِ ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ، لِمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى السَّفَهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ:
الْجَهْلُ.
وَقَدْ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: 282] كُلُّ جَاهِلٍ بِصَوَابِ مَا يُمِلُّ مِنْ خَطَئِهِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَذَكَرٍ وَأُنْثَى، غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهَا كُلُّ جَاهِلٍ بِمَوْضِعِ خَطَأِ مَا يُمِلُّ وَصَوَابِهِ مِنْ بِالِغِي الرِّجَالِ الَّذِينَ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ، وَالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَجَّلَ ذِكْرَهُ ابْتَدَأَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: 282] وَالصَّبِيُّ وَمَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ مُدَايَنَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ اسْتَثْنَى مِنَ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِإِمْلَالِ كِتَابِ الدَّيْنِ مَعَ السَّفِيهِ الضَّعِيفَ وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِمْلَالَهُ، فَفِي فَصْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ الضَّعِيفَ مِنَ السَّفِيهِ وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِمْلَاءَ الْكِتَابِ فِي الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَنْبَأَ عَنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ بَيَّنَ اللَّهُ صَفَاتِهِمْ غَيْرُ الصَّنْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالسَّفَهِ مِنْهُمْ دُونَ الضَّعْفِ هُوَ ذُو الْقُوَّةِ عَلَى الْإِمْلَالِ، غَيْرَ أَنَّهُ وُضِعَ عَنْهُ فَرْضُ الْإِمْلَالِ بِجَهْلِهِ بِمَوْضِعِ صَوَابِ ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ، وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالضَّعْفِ مِنْهُمْ هُوَ الْعَاجِرُ عَنْ إِمْلَالِهِ وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا رَشِيدًا إِمَّا لِعِيِّ لِسَانِهِ أَوْ خَرَسٍ بِهِ، وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ الْمَمْنُوعُ مِنْ إِمْلَالِهِ، إِمَّا بِالْحَبْسِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى حُضُورِ الْكَاتِبِ الَّذِي يَكْتُبُ الْكِتَابَ فَيُمِلَّ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَوْضِعِ الْإِمْلَالِ فَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ مِنْ أَجْلِ غَيْبَتِهِ عَنْ إِمْلَالِ الْكِتَابِ.
فَوَضَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَرْضَ إِمْلَالِ ذَلِكَ لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْنَا إِذَا كَانَتْ بِهِمْ، وَعَذَرَهُمْ بِتَرْكِ الِإْمِلَالِ مِنْ أَجْلِهَا، وَأَمَرَ عِنْدَ سُقُوطِ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلِيَّ الْحَقِّ بِإِمْلَالِهِ فَقَالَ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ
ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] يَعْنِي وَلِيَّ الْحَقِّ.
وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّفِيهَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الصَّغِيرُ، وَأَنَّ الضَّعِيفَ هُوَ الْكَبِيرُ الْأَحْمَقُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: 282] هُوَ الْعَاجِزُ مِنَ الرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ الْجَائِزِي الْأَمْرِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَنِ الْإِمْلَالِ، إِمَّا لِعِلَّةٍ بِلِسَانِهِ مِنْ خَرَسٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْعِلَلِ، وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَوْضِعِ الْكِتَابِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ بَطَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] لِأَنَّ الْعَاقِلَ الرَّشِيدَ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ غَائِبًا، وَلَا يَجُوزُ حُكْمُ أَحَدٍ فِي مَالِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ، وَفِي صِحَّةِ مَعْنَى ذَلِكَ مَا يَقْضِي عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّفِيهَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ أَوِ الْكَبِيرُ الْأَحْمَقُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: «وَلِيُّ الْحَقِّ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] قَالَ: يَقُولُ: «إِنْ كَانَ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَمَلَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِالْعَدْلِ» ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ قَالَ: عَنَى بِالضَّعِيفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْأَحْمَقَ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] وَلِيُّ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: 282] قَالَ: «أَمَرَ وَلِيَّ السَّفِيهِ أَوِ الضَّعِيفِ أَنْ يُمِلَّ بِالْعَدْلِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: «أَمَّا الضَّعِيفُ، فَهُوَ الْأَحْمَقُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «أَمَّا الضَّعِيفُ فَالْأَحْمَقُ»
حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: 282] «لَا يَعْرِفُ فَيُثْبِتُ لِهَذَا حَقَّهُ وَيَجْهَلُ ذَلِكَ، فَوَلِيُّهُ بِمَنْزِلَتِهِ حَتَّى يَضَعَ لِهَذَا حَقَّهُ» وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْحَقِّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَاسْتَشْهِدُوا عَلَى حُقُوقِكُمْ شَاهِدَيْنِ، يُقَالُ: فُلَانٌ شَهِيدِي عَلَى هَذَا الْمَالِ وَشَاهِدِي عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ أَحْرَارِكُمُ الْمُسْلِمِينَ دُونَ عَبِيدِكُمْ، وَدُونَ أَحْرَارِكُمُ الْكُفَّارِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] قَالَ: «الْأَحْرَارُ» حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ، فَلْيَكُنْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَرُفِعَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ بِالرَّدِّ عَلَى الْكَوْنِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى
ذَلِكَ، وَإِنْ شِئْتَ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ قُلْتَ: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَامْرَأَتَانِ كَانَ صَوَابًا كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ نَصَبًا كَانَ جَائِزًا عَلَى تَأْوِيلِ: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنٍ، فَاسْتَشْهِدُوا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] يَعْنِي مِنَ الْعُدُولِ الْمُرْتَضَى دِينُهُمْ وَصُلَاحُهُمْ
كَمَا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] «يَقُولُ فِي الدَّيْنِ» ، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] «وَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ» ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: «عُدُولٌ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] «أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْ رِجَالِهِمْ» ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَ عَامَّةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ
الْعِرَاقِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتَذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] بِفَتْحِ الْأَلْفِ مِنْ «أَنْ» وَنَصِبْ «تَضِلَّ» وَ «تُذَكِّرَ» ، بِمَعْنَى: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ كَيْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إِنْ ضَلَّتْ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّ التَّذْكِيرَ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ «تَضِلَّ» لِأَنَّ الْمَعْنَى مَا وَصَفْنَا فِي قَوْلِهِمْ.
وَقَالُوا: إِنَّمَا نَصَبْنَا «تُذَكِّرَ» ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَمَّا تَقَدَّمَ اتَّصَلَ بِمَا قَبْلَهُ فَصَارَ جَوَابُهُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: إِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَسْأَلَ السَّائِلُ فَيُعْطَى، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يُعْطَى السَّائِلُ إِنْ سَأَلَ أَوْ إِذَا سَأَلَ، فَالَّذِي يُعْجِبُكَ هُوَ الْإِعْطَاءُ دُونَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: أَنْ يَسْأَلَ، لَمَّا تَقَدَّمَ اتَّصَلَ بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَيُعْجِبُنِي، فَتَحَ «أَنْ» وَنَصَبَ بِهَا، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: «يُعْطَى» ، فَنَصَبَهُ بِنَصْبِ قَوْلِهِ: «لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَسْأَلَ» ، نَسَقًا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْجَزَاءِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهُ بِتَسْكِينِ الذَّالِ مِنْ «تُذَكِّرَ» وَتَخْفِيفِ كَافِهَا، وَقَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي تَأْوِيلِ قِرَاءَتِهِمْ إِيَّاهُ كَذَلِكَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَتُصَيِّرُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ذَكَرًا بِاجْتِمَاعِهِمَا، بِمَعْنَى أَنَّ شَهَادَتَهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ وَشَهَادَةُ صَاحِبَتِهَا جَازَتْ، كَمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ مِنَ الذُّكُورِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً غَيْرُ جَائِزَةٍ فِيمَا جَازَتْ فِيهِ مِنَ الدُّيُونِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ اثْنَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، فَتَصِيرَ شَهَادَتُهُمَا حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ
شَهَادَةِ وَاحِدٍ مِنَ الذُّكُورِ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي قَوْلِ مُتَأَوِّلِي ذَلِكَ بِهَذَا الْمَعْنَى صَيَّرَتْ صَاحِبَتَهَا مَعَهَا ذَكَرًا؛ وَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ: لَقَدْ أَذْكَرَتْ بِفُلَانٍ أُمُّهُ، أَيْ وَلَدَتْهُ ذَكَرًا، فَهِيَ تُذْكِرُ بِهِ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مُذْكِرَةٌ إِذَا كَانَتْ تَلِدُ الذُّكُورَ مِنَ الْأَوْلَادِ وَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ
حُدِّثْتُ بِذَلِكَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ قَالَ: " لَيْسَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] مِنَ الذِّكْرِ بَعْدَ النِّسْيَانِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الذِّكْرِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا إِذَا شَهِدَتْ مَعَ الْأُخْرَى صَارَتْ شَهَادَتُهُمَا كَشَهَادَةِ الذَّكَرِ " وَكَانَ آخَرُونَ مِنْهُمْ يُوَجِّهُونَهُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الذِّكْرِ بَعْدَ النِّسْيَانِ وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: (إِنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) بِكَسْرِ «إِنْ» مِنْ قَوْلِهِ: (إِنْ تَضِلَّ) وَرَفْعِ «تُذَكِّرُ» وَتَشْدِيدِهِ، كَأَنَّهُ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الْخَبَرِ عَمَّا تَفْعَلُ الْمَرْأَتَانِ، إِنْ نَسِيَتْ إِحْدَاهُمَا شَهَادَتَهَا تُذَكِّرُهَا الْأُخْرَى مِنْ تَثْبِيتِ الذَّاكِرَةِ النَّاسِيَةِ وَتَذْكِيرِهَا ذَلِكَ، وَانْقِطَاعِ ذَلِكَ عَمَّا قَبْلَهُ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَ قَارِئِ ذَلِكَ كَذَلِكَ: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ،
فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ، فَإِنَّ إِحْدَاهُمَا إِنْ ضَلَّتْ ذَكَّرَتْهَا الْأُخْرَى؛ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْخَبَرِ عَنْ فِعْلِهَا إِنْ نَسِيَتْ إِحْدَاهُمَا شَهَادَتَهَا مِنْ تَذْكِيرِ الْأُخْرَى مِنْهُمَا صَاحِبَتَهَا النَّاسِيَةِ، وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ كَانَ الْأَعْمَشُ يَقْرَؤُهَا وَمَنْ أَخَذَهَا عَنْهُ، وَإِنَّمَا نَصَبَ الْأَعْمَشُ ﴿تَضِلَّ﴾ [البقرة: 282] لِأَنَّهَا فِي مَحَلِّ جَزْمٍ بِحَرْفِ الْجَزَاءِ، وَهُوَ «إِنْ» وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَتِهِ: إِنْ تَضْلِلْ، فَلَمَّا أُدْغِمَتْ إِحْدَى اللَّامَيْنِ فِي الْأُخْرَى حَرَّكَهَا إِلَى أَخَفِّ الْحَرَكَاتِ وَرَفَعَ «تُذَكِّرُ» بِالْفَاءِ، لِأَنَّهُ جَوَابُ الْجَزَاءِ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ «أَنْ» مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] وَبِتَشْدِيدِ الْكَافِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] وَنَصْبِ الرَّاءِ مِنْهُ، بِمَعْنَى: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ كَي إِنْ ضَلَّتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَّرَتْهَا الْأُخْرَى، وَأَمَّا نَصْبُ «فَتُذَكِّرَ» فَبِالْعَطْفِ عَلَى «تَضِلَّ» ، وَفُتِحَتْ «أَنْ» بِحُلُولِهَا مَحَلِّ «كَيْ» ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ جَزَاءٍ، وَالْجَوَابُ بَعْدَهُ اكْتِفَاءً بِفَتْحِهَا، أَعْنِي بِفَتْحِ «أَنْ» مِنْ «كَيْ» وَنَسَقَ الثَّانِي، أَعْنِي ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة: 282] عَلَى
﴿تَضِلَّ﴾ [البقرة: 282] ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الَّذِيَ قَامَ مَقَامَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ وَأَدَّى عَنْ مَعْنَاهُ وَعَمَلِهِ، أَيْ عَنْ «كَيْ» ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ فِي الْقِرَاءَةِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُدَمَاءِ الْقُرَّاءِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَانْفِرَادُ الْأَعْمَشِ وَمَنْ قَرَأَ قِرَاءَتَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ قِرَاءَةٍ جَاءَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مُسْتَفِيضَةٍ بَيْنَهُمْ إِلَى غَيْرِهَا، وَأَمَّا اخْتِيَارُنَا ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة: 282] بِتَشْدِيدِ الْكَافِ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى تَأْدِيَةِ الذِّكْرِ مِنْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَتَعْرِيفِهَا بِإِنْهَاءِ ذَلِكَ لِتَذَّكُّرَ، فَالتَّشْدِيدُ بِهِ أَوْلَى مِنَ التَّخْفِيفِ.
وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَتَأْوِيلٌ خَطَأٌ لَا مَعْنًى لَهُ لِوُجُوهٍ شَتَّى: أَحَدُهَا: أَنَّهُ خِلَافٌ لِقَوْلِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِأَنَّ ضَلَالَ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ خَطْوُهَاعَنْهَا بِنِسْيَانِهَا إِيَّاهَا كَضَلَالِ الرَّجُلِ فِي دَيْنِهِ إِذَا تَحَيَّرَ فِيهِ فَعَدَلَ عَنِ الْحَقِّ، وَإِذَا صَارَتْ إِحْدَاهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُصَيِّرَ الْأُخْرَى ذَكَرًا مَعَهَا مَعَ نِسْيَانِهَا شَهَادَتَهَا وَضَلَالِهَا فِيهَا؟ فَالضَّالَّةُ مِنْهُمَا فِي شَهَادَتِهَا حِينَئِذٍ لَا شَكَّ أَنَّهَا إِلَى التَّذْكِيرِ أَحْوَجُ مِنْهَا إِلَى الْإِذْكَارِ، إِلَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ إِذَا ضَعُفَتْ صَاحِبَتُهَا عَنْ ذِكْرِ شَهَادَتِهَا سَتُجَرِّئُهَا عَلَى ذِكْرِ مَا ضَعُفَتْ عَنْ ذِكْرِهِ فَنَسِيَتْهُ،
فَقَوَّتْهَا بِالذِّكْرِ حَتَّى صَيَّرَتْهَا كَالرَّجُلِ فِي قُوَّتِهَا فِي ذِكْرِ مَا ضَعُفَتْ عَنْ ذِكْرِهِ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا يُقَالُ لِلشَّيْءِ الْقَوِيِّ فِي عَمَلِهِ: ذَكَرٌ، وَكَمَا يُقَالُ لِلسَّيْفِ الْمَاضِي فِي ضَرْبِهِ: سَيْفٌ ذَكَرٌ، وَرَجُلٌ ذَكَرٌ، يُرَادُ بِهِ: مَاضٍ فِي عَمَلِهِ، قَوِيُّ الْبَطْشِ، صَحِيحُ الْعَزْمِ، فَإِنْ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا أَرَادَ، فَهُوَ مَذْهَبٌ مِنْ مَذَاهِبِ تَأْوِيلِ ذَلِكَ؟ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، صَارَ تَأْوِيلُهُ إِلَى نَحْوِ تَأْوِيلِنَا الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِيهِ، وَإِنْ خَالَفَتِ الْقِرَاءَةُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْقِرَاءَةَ الَّتِي اخْتَرِنَاهَا بِأَنْ تُغَيَّرَ الْقِرَاءَةُ حِينَئِذٍ الصَّحِيحَةُ بِالَّذِي اخْتَارَ قِرَاءَتَهُ مِنْ تَخْفِيفِ الْكَافِ مِنْ قَوْلِهِ: فَتُذَكِّرَ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهُ كَذَلِكَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، فَالصَّوَابُ فِي قَوْلِهِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَامًا عَلَى مَا وَصَفْنَا مَا اخْتَرْنَا.
ذِكْرُ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] نَحْوَ تَأْوِيلِنَا الَّذِي قُلْنَا فِيهِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] «عَلِمَ اللَّهُ أَنْ سَتَكُونُ حُقُوقٌ، فَأَخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ الثِّقَةَ، فَخُذُوا بِثِقَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ أَطْوَعُ لِرَبِّكُمْ، وَأَدْرَكَ لِأَمْوَالِكُمْ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانَ تَقِيًّا لَا يَزِيدُهُ الْكِتَابُ إِلَّا خَيْرًا، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُؤَدِّيَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ شُهُودًا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: «أَنْ تَنْسَى إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَهَا الْأُخْرَى»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: تَنْسَى إِحْدَاهُمَا الشَّهَادَةَ فَتُذَكِّرُهَا الْأُخْرَى "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: «إِنْ تنسَ إِحْدَاهُمَا تُذَكِّرْهَا الْأُخْرَى»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] قَالَ: " كِلَاهُمَا لُغَةٌ وَهُمَا سَوَاءٌ، وَنَحْنُ نَقْرَأُ: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة: 282] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَالِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ الشُّهَدَاءَ عَنْ إِبَاءِ الْإِجَابَةِ إِذَا دُعُوا
بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ أَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا لِيَشْهَدُوا عَلَى الْكِتَابِ وَالْحُقُوقِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] كَانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ فِي الْحِوَاءِ الْعَظِيمِ فِيهِ الْقَوْمُ، فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الشَّهَادَةِ فَلَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ " قَالَ: وَكَانَ قَتَادَةُ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] لِيَشْهَدُوا لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ فِي الْقَوْمِ الْكَثِيرِ يَدْعُوهُمْ لِيَشْهَدُوا، فَلَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] قَالَ: «لَا تَأْبَ أَنْ تَشْهَدَ إِذَا مَا دُعِيتَ إِلَى شَهَادَةٍ» وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى هَؤُلَاءِ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: يَجِبُ فَرْضُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُعِيَ لِلْإِشْهَادِ عَلَى الْحُقُوقِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، فَأَمَّا إِذَا وُجِدَ غَيْرُهُ فَهُوَ فِي الْإِجَابَةِ إِلَى
ذَلِكَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَجَابَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِبْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: ﴿لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] قَالَ: «إِنْ شَاءَ شَهِدَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَدْ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ شَهِدَ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا لِلشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ أَرَادَ الدَّاعِي إِشْهَادَهُ عَلَيْهِ، وَالْقِيَامَ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ مِنَ الْإِجَابَةِ