تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 33-49

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: 59] الَّذِينَ فَعَلُوا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِعْلُهُ

صفحات 33-49
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ سَمَاعًا نَصْرَانُ بِطَرْحِ الْيَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] تَرَاهُ إِذَا زَارَ الْعَشِيُّ مُحَنِّفًا ... وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهُوَ نَصْرَانُ شَامِسُ وَسُمِعَ مِنْهُمْ فِي الْأُنْثَى نَصْرَانَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ: فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةُ لَمْ تَحَنَّفِ يُقَالَ: أَسْجَدَ: إِذَا مَالَ.
وَقَدْ سُمِعَ فِيَ جَمْعِهِمْ أَنْصَارٌ بِمَعْنَى النَّصَارَى، قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرجز] لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصَارًا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الْإِزَارَا كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى لِنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَتَنَاصُرِهِمْ بَيْنَهُمْ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةٌ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: «النَّصَارَى إِنَّمَا سَمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةٌ» وَيَقُولُ آخَرُونَ: لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52]

وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُرْتَضَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " إِنَّمَا سُمِّيَتِ النَّصَارَى نَصَارَى، لِأَنَّ قَرْيَةَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ كَانَتْ تُسَمَّى نَاصِرَةٌ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُسَمَّوْنَ النَّاصِرِيِّينَ، وَكَانَ يُقَالُ لِعِيسَى: النَّاصِرِيُّ " حُدِّثْتُ بِذَلِكَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «إِنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةٌ يَنْزِلُهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَهُوَ اسْمٌ تَسَمَّوْا بِهِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 14] قَالَ: تَسَمَّوْا بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةٌ، كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَنْزِلُهَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: 62] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّابِئُونَ جَمْعُ صَابِئٍ، وَهُوَ الْمُسْتَحْدِثُ سِوَى دِينِهِ دِينًا، كَالْمُرْتَدِّ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ دِينِهِ وَكُلُّ خَارِجٍ مِنْ دِينٍ كَانَ عَلَيْهِ إِلَى آخَرَ غَيْرِهِ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ صَابِئًا، يُقَالُ مِنْهُ: صَبَأَ فُلَانٌ يَصْبَأُ صَبَأَ، وَيُقَالُ: صَبَأَتِ النُّجُومُ: إِذَا طَلَعَتْ،

وَصَبَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي بِهِ طَلَعَ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ هَذَا الِاسْمُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُ ذَلِكَ كُلَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِ دِينٍ.
وَقَالُوا: الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِهَذَا الِاسْمِ قَوْمٌ لَا دِينَ لَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الصَّابِئُونَ لَيْسُوا بِيَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا دِينَ لَهُمْ» حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الصَّابِئُونَ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: «الصَّابِئِينَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ لَا دِينَ لَهُمْ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ؛ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: «الصَّابِئِينَ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ، لَا دِينَ لَهُمْ» ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: «الصَّابِئِينَ زَعَمُوا أَنَّهَا قَبِيلَةٌ مِنْ نَحْوِ السَّوَادِ لَيْسُوا بِمَجُوسَ وَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى» قَالَ: " قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ صَبَأَ "

وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: 62] قَالَ: الصَّابِئُونَ: دِينٌ مِنَ الْأَدْيَانِ، كَانُوا بِجَزِيرَةِ الْمَوْصِلِ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ وَلَا كِتَابٌ وَلَا نَبِيٌّ إِلَّا قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ.
يُشَبِّهُونَهُمْ بِهِمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زِيَادٌ: " أَنَّ الصَّابِئِينَ، يُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيُصَلُّونَ الْخَمْسَ.
قَالَ: فَأَرَادَ أَنْ يَضَعَ عَنْهُمُ الْجِزْيَةَ.
قَالَ: فَخَبَّرَ بَعْدُ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ "

وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلَهُ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: 62] قَالَ: الصَّابِئُونَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا آدَمُ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: «الصَّابِئُونَ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ: وَبَلَغَنِي أَيْضًا أَنَّ الصَّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سُئِلَ السُّدِّيُّ عَنِ الصَّابِئِينَ، فَقَالَ: «هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62] مَنْ صَدَّقَ

وَأَقَرَّ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأَطَاعَ اللَّهَ، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62] فَلَهُمْ ثَوَابُ عَمَلِهِمُ الصَّالِحِ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَأَيْنَ تَمَامُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: 62] قِيلَ: تَمَامُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62] لِأَنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَتَرَكَ ذِكْرَ مِنْهُمْ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ ذِكْرَهُ.
فَإِنْ قَالَ: وَمَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ يُؤْمِنُ الْمُؤْمِنُ؟ قِيلَ: لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْمُؤْمِنِ الْمَعْنَى الَّذِي ظَنَنْتَهُ مِنَ انْتِقَالٍ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ كَانْتِقَالِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إِلَى الْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إِنَّ الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى إِيمَانِهِ بِعِيسَى، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، حَتَّى أَدْرَكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، فَقِيلَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِعِيسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ إِذْ أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَلَكِنْ مَعْنَى إِيمَانِ الْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثَبَاتُهُ عَلَى إِيمَانِهِ وَتَرْكُهُ تَبْدِيلَهُ.

وَأَمَّا إِيمَانُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ، فَالتَّصْدِيقُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، فَمَنْ يُؤْمِنْ مِنْهُمْ بِمُحَمَّدٍ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَعْمَلْ صَالِحًا، فَلَمْ يُبَدِّلْ وَلَمْ يُغَيِّرْ، حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَهُ ثَوَابُ عَمَلِهِ وَأَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَإِنَّمَا لَفْظُهُ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَالْفِعْلُ مَعَهُ مُوَحَّدٌ؟ قِيلَ: مِنْ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَلِيهِ مِنَ الْفِعْلِ مُوَحَّدًا، فَإِنَّ لَهُ مَعْنَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَصُورَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ، فَالْعَرَبُ تُوَحِّدُ مَعَهُ الْفِعْلَ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى جَمْعٍ لِلَفْظِهِ، وَتَجْمَعُ أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْلَ لِمَعْنَاهُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: 43] فَجُمِعَ مَرَّةً مَعَ مِنْ الْفِعْلُ لِمَعْنَاهُ، وَوُحِّدَ أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ فِي لَفْظِ الْوَاحِدِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إِنْ عَرَضْتُمَا ... وَقُولَا لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا فَقَالَ: تَخَلَّفُوا، وَجَعَلَ مِنْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ.
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ

: [البحر الطويل] تَعَالَ فَإِنْ عَاهَدْتَنِي لَا تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ فَثَنَّى يَصْطَحِبَانِ لِمَعْنَى مِنْ.
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62] وَحَّدَ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا لِلَفْظِ مِنْ، وَجَمَعَ ذِكْرَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: 62] لِمَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى جَمْعٍ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَعَيْشِهَا عِنْدَ مُعَايَنَتِهِمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ عِنْدَهُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 62] مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: 62] الْآيَةُ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَكَانَ سَلْمَانُ مِنْ جُنْدِيسَابُورَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدِيقًا لَهُ مُؤَاخِيًا، لَا يَقْضِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَمْرًا دُونَ صَاحِبِهِ، وَكَانَا يَرْكَبَانِ إِلَى الصَّيْدِ جَمِيعًا.
فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الصَّيْدِ إِذْ رُفِعَ لَهُمَا بَيْتٌ مِنْ عَبَاءٍ، فَأَتَيَاهُ فَإِذَا هُمَا فِيهِ بِرَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وَهُوَ يَبْكِي،

فَسَأَلَاهُ مَا هَذَا، فَقَالَ: الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ هَذَا لَا يَقِفُ مَوْقِفَكُمَا، فَإِنْ كُنْتُمَا تُرِيدَانِ أَنْ تَعْلَمَا مَا فِيهِ فَانْزِلَا حَتَّى أُعَلِّمَكُمَا، فَنَزَلَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: هَذَا كِتَابٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَمَرَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، فِيهِ: أَنْ لَا تَزْنِيَ، وَلَا تَسْرِقَ، وَلَا تَأْخُذَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
فَقَصَّ عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ، وَهُوَ الْإِنْجِيلُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عِيسَى.
فَوَقَعَ فِي قُلُوبِهِمَا وَتَابَعَاهُ فَأَسْلَمَا، وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ ذَبِيحَةَ قَوْمِكُمَا عَلَيْكُمَا حَرَامٌ، فَلَمْ يَزَالَا مَعَهُ كَذَلِكَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ، حَتَّى كَانَ عِيدٌ لِلْمَلِكِ، فَجَعَلَ طَعَامًا، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَالْأَشْرَافَ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْمَلِكِ فَدَعَاهُ إِلَى صَنِيعِهِ لِيَأْكُلَ مَعَ النَّاسِ، فَأَبَى الْفَتَى وَقَالَ: إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولٌ، فَكُلْ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ، فَبَعَثَ الْمَلِكُ إِلَى ابْنِهِ، فَدَعَاهُ وَقَالَ: مَا أَمْرُكَ هَذَا؟ قَالَ: إِنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ ذَبَائِحِكُمْ، إِنَّكُمْ كُفَّارٌ لَيْسَ تَحِلُّ ذَبَائِحُكُمْ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّاهِبَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعَا الرَّاهِبَ فَقَالَ: مَاذَا يَقُولُ ابْنِي؟ قَالَ: صَدَقَ ابْنُكَ، قَالَ لَهُ: لَوْلَا أَنَّ الدَّمَ فِينَا عَظِيمٌ لَقَتَلْتُكَ، وَلَكِنِ اخْرُجْ مِنْ أَرْضِنَا، فَأَجَّلَهُ أَجَلًا.
فَقَالَ سَلْمَانُ: فَقُمْنَا نَبْكِي عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: إِنْ كُنْتُمَا صَادِقَيْنِ، فَإِنَّا فِي بَيْعَةٍ بِالْمَوْصِلِ مَعَ سِتِّينَ رَجُلًا نَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا، فَأْتُونَا فِيهَا.
فَخَرَجَ الرَّاهِبُ، وَبَقِيَ سَلْمَانُ وَابْنُ الْمَلِكِ؛ فَجَعَلَ يَقُولُ لِابْنِ الْمَلِكِ: انْطَلِقْ بِنَا، وَابْنُ الْمَلِكِ يَقُولُ: نَعَمْ، وَجَعَلَ ابْنُ

الْمَلِكِ يَبِيعُ مَتَاعَهُ يُرِيدُ الْجِهَازَ.
فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَى سَلْمَانَ، خَرَجَ سَلْمَانُ حَتَّى أَتَاهُمْ، فَنَزَلَ عَلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ رَبُّ الْبَيْعَةِ، وَكَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَيْعَةِ مِنْ أَفْضَلِ الرُّهْبَانِ، فَكَانَ سَلْمَانُ: مَعَهُمْ يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، وَيُتْعِبُ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: إِنَّكَ غُلَامٌ حَدَثٌ تَتَكَلَّفُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا تُطِيقُ، وَأَنَا خَائِفٌ أَنْ تَفْتُرَ وَتَعْجِزَ، فَارْفُقْ بِنَفْسِكَ وَخَفِّفْ عَلَيْهَا.
فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: أَرَأَيْتَ الَّذِيَ تَأْمُرُنِي بِهِ أَهُوَ أَفْضَلُ، أَوِ الَّذِي أَصْنَعُ؟ قَالَ: بَلِ الَّذِي تَصْنَعُ؟ قَالَ: فَخَلِّ عَنِّي.
ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الْبَيْعَةِ دَعَاهُ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ لِي، وَأَنَا أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْرِجَ هَؤُلَاءِ مِنْهَا لَفَعَلْتُ؟ وَلَكِنِّي رَجُلٌ أَضْعَفُ عَنْ عِبَادَةِ هَؤُلَاءِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَحَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْبَيْعَةِ إِلَى بَيْعَةٍ أُخْرَى هُمْ أَهْوَنُ عِبَادَةً مِنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ هَهُنَا فَأَقِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فَانْطَلِقْ.
قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: أَيُّ الْبَيْعَتَيْنِ أَفْضَلُ أَهْلًا؟ قَالَ: هَذِهِ.
قَالَ سَلْمَانُ: فَأَنَا أَكُونُ فِي هَذِهِ.
فَأَقَامَ سَلْمَانُ بِهَا وَأَوْصَى صَاحِبَ الْبَيْعَةِ عَالِمَ الْبَيْعَةِ بِسَلْمَانَ، فَكَانَ سَلْمَانُ يَتَعَبَّدُ مَعَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ الْعَالِمَ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ لِسَلْمَانَ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فَانْطَلِقْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ فَأَقِمْ.
فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ أَنْطَلِقُ مَعَكَ أَمْ أُقِيمُ؟ قَالَ: لَا بَلْ تَنْطَلِقُ مَعِي.
فَانْطَلَقَ

مَعَهُ فَمَرُّوا بِمُقْعَدٍ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ مُلْقًى، فَلَمَّا رَآهُمَا نَادَى: يَا سَيِّدَ الرُّهْبَانِ ارْحَمْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ، وَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ الشَّيْخُ لِسَلْمَانَ: اخْرُجْ فَاطْلُبِ الْعِلْمَ فَإِنَّهُ يَحْضُرُ هَذَا الْمَسْجِدَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْأَرْضِ.
فَخَرَجَ سَلْمَانُ يَسْمَعُ مِنْهُمْ، فَرَجَعَ يَوْمًا حَزِينًا، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: مَا لَكَ يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ: أَرَى الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدْ ذَهَبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: يَا سَلْمَانُ لَا تَحْزَنْ، فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ نَبِيٌّ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ بِأَفْضَلَ تَبَعًا مِنْهُ وَهَذَا زَمَانَهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَلَا أُرَانِي أُدْرِكُهُ، وَأَمَّا أَنْتَ فَشَابٌّ لَعَلَّكَ أَنْ تُدْرِكَهُ، وَهُوَ يَخْرُجُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ فَآمِنْ بِهِ وَاتَّبِعْهُ.
فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَلَامَتِهِ بِشَيْءٍ.
قَالَ: نَعَمْ، هُوَ مَخْتُومٌ فِي ظَهْرِهِ بِخَاتَمَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ.
ثُمَّ رَجَعَا حَتَّى بَلَغَا مَكَانَ الْمُقْعَدِ، فَنَادَاهُمَا فَقَالَ: يَا سَيِّدَ الرُّهْبَانِ ارْحَمْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَعَطَفَ إِلَيْهِ حِمَارَهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَفَعَهُ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ وَدَعَا لَهُ، وَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَامَ صَحِيحًا يَشْتَدُّ، فَجَعَلَ سَلْمَانُ يَتَعَجَّبُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ يَشْتَدُّ.
وَسَارَ الرَّاهِبُ فَتَغَيَّبَ عَنْ سَلْمَانَ وَلَا يَعْلَمُ سَلْمَانُ.
ثُمَّ إِنَّ سَلْمَانَ فَزِعَ فَطَلَبَ الرَّاهِبَ، فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ كَلْبٍ فَسَأَلَهُمَا: هَلْ رَأَيْتُمَا الرَّاهِبَ؟ فَأَنَاخَ أَحَدُهُمَا رَاحِلَتَهُ، قَالَ: نَعَمْ رَاعِي الصِّرْمَةِ هَذَا، فَحَمَلَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ سَلْمَانُ: فَأَصَابَنِي مِنَ الْحُزْنِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ.
فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ فَكَانَ يَرْعَى عَلَيْهَا هُوَ وَغُلَامٌ لَهَا يَتَرَاوَحَانِ الْغَنَمَ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، فَكَانَ سَلْمَانُ يَجْمَعُ الدَّرَاهِمَ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ

مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَرْعَى، إِذْ أَتَاهُ صَاحِبُهُ الَّذِي يَعْقُبُهُ، فَقَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ الْيَوْمَ الْمَدِينَةَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: أَقِمْ فِي الْغَنَمِ حَتَّى آتِيَكَ.
فَهَبَطَ سَلْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَارَ حَوْلَهُ.
فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مَا يُرِيدُ، فَأَرْسَلَ ثَوْبَهُ.
حَتَّى خَرَجَ خَاتَمُهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَتَاهُ وَكَلَّمَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ بِبَعْضِهِ شَاةً وَبِبَعْضِهِ خُبْزًا، ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا» ؟ قَالَ سَلْمَانُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ قَالَ: «لَا حَاجَةَ لِي بِهَا فَأَخْرِجْهَا فَيَأْكُلَهَا الْمُسْلِمُونَ» ثُمَّ انْطَلَقَ فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ آخَرَ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا» ؟ قَالَ: هَذِهِ هَدِيَّةٌ، قَالَ: «فَاقْعُدْ» فَقَعَدَ فَأَكَلَا جَمِيعًا مِنْهَا.
فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ، فَقَالَ: كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيُؤْمِنُونَ بِكَ، وَيَشْهَدُونَ أَنَّكَ سَتُبْعَثُ نَبِيًّا؛ فَلَمَّا فَرَغَ سَلْمَانُ مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا سَلْمَانُ هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَانَ، وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: لَوْ أَدْرَكُوكَ صَدَّقُوكَ وَاتَّبَعُوكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62] " فَكَانَ إِيمَانُ الْيَهُودِ أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّةِ مُوسَى حَتَّى جَاءَ عِيسَى، فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخَذَ بِسُنَّةِ مُوسَى فَلَمْ يَدَعْهَا وَلَمْ يَتَّبِعْ عِيسَى كَانَ هَالِكًا وَإِيمَانُ النَّصَارَى أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِعِ عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنْهُ، حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ لَمْ يَتْبَعْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ

وَيَدَعْ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ عِيسَى وَالْإِنْجِيلِ كَانَ هَالِكًا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: 62] الْآيَةُ.
قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُولَئِكَ النَّصَارَى وَمَا رَأَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ: لَمْ يَمُوتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ سَلْمَانُ: فَأَظْلَمَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ.
وَذَكَرَ اجْتِهَادَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَدَعَا سَلْمَانَ فَقَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِكَ» ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ عَلَى دِينِ عِيسَى وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ بِي فَهُوَ عَلَى خَيْرٍ وَمَنْ سَمِعَ بِيَ الْيَوْمَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِي فَقَدْ هَلَكَ»

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: 62] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62] . فَأَنْزَلَ

اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] " وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَانَ قَدْ وَعَدَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ عَلَى عَمَلِهِ فِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةَ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] . فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62] . وَالَّذِي قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخَصِّصْ بِالْأَجْرِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَعَ الْإِيمَانِ بَعْضَ خَلْقِهِ دُونَ بَعْضٍ مِنْهُمْ، وَالْخَبَرُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62] عَنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْمِيثَاقُ: الْمِفْعَالُ مِنَ الْوَثِيقَةِ إِمَّا بِيَمِينٍ، وَإِمَّا بِعَهْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَثَائِقِ

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: 63] الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] الْآيَاتُ الَّذِي ذُكِرَ مَعَهَا

وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ زَيْدٍ مَا حَدَّثَنِي بِهِ، يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " لَمَّا رَجَعَ مُوسَى مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ بِالْأَلْوَاحِ قَالَ لِقَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْوَاحَ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ، وَأَمْرُهُ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهْيُهُ الَّذِي نَهَاكُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِقَوْلِكَ أَنْتَ؟ لَا وَاللَّهِ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً حَتَّى يَطْلُعَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَيَقُولَ: هَذَا كِتَابِي فَخُذُوهُ.
فَمَا لَهُ لَا يُكَلِّمُنَا كَمَا كَلَّمَكَ أَنْتَ يَا مُوسَى فَيَقُولُ: هَذَا كِتَابِي فَخُذُوهُ؟ قَالَ: فَجَاءَتْ غَضْبَةٌ مِنَ اللَّهِ فَجَاءَتْهُمْ صَاعِقَةٌ فَصَعَقَتْهُمْ، فَمَاتُوا أَجْمَعُونَ.
قَالَ: ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: خُذُوا كِتَابَ اللَّهِ.
فَقَالُوا: لَا، قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَصَابَكُمْ؟ قَالُوا: مِتْنَا ثُمَّ حَيِينَا، قَالَ: خُذُوا كِتَابَ اللَّهِ.
قَالُوا: لَا.
فَبَعَثَ مَلَائِكَتَهُ فَنَتَقَتِ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، هَذَا الطُّورُ، قَالَ: خُذُوا الْكِتَابَ وَإِلَّا طَرَحْنَاهُ عَلَيْكُمْ.
قَالَ: فَأَخَذُوهُ بِالْمِيثَاقِ.
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] قَالَ: وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَأَخَذُوهُ بِغَيْرِ مِيثَاقٍ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: 63] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا الطُّورُ فَإِنَّهُ الْجَبَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] دَانَى جَنَاحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرَّ ... تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ وَقِيلَ إِنَّهُ اسْمُ جَبَلٍ بِعَيْنِهِ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي نَاجَى اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْجِبَالِ مَا أَنْبَتَ دُونَ مَا لَمْ يُنْبِتْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: هُوَ الْجَبَلُ كَائِنًا مَا كَانَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَيَقُولُوا حِطَّةٌ وَطُؤْطِئَ لَهُمُ الْبَابُ لِيَسْجُدُوا، فَلَمْ يَسْجُدُوا وَدَخَلُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَقَالُوا حِنْطَةٌ.
فَنُتِقَ فَوْقَهُمُ الْجَبَلُ، يَقُولُ: أَخْرَجَ أَصْلَ الْجَبَلِ مِنَ الْأَرْضِ فَرَفَعَهُ فَوْقَهُمْ كَالظُّلَّةِ، وَالطُّورُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ: الْجَبَلُ، تَخْوِيفًا، أَوْ خَوْفًا، شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ، فَدَخَلُوا سُجَّدًا عَلَى خَوْفٍ وَأَعْيُنُهُمْ إِلَى الْجَبَلِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي تَجَلَّى لَهُ رَبُّهُ "

وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " رَفَعَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَالسَّحَابَةِ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَتُؤْمِنُنَّ أَوْ لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَآمَنُوا.
وَالْجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ: الطُّورُ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: 63] قَالَ: الطُّورُ: الْجَبَلُ، كَانُوا بِأَصْلِهِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمْ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ، فَقَالَ: لَتَأْخُذُنَّ أَمْرِي أَوْ لَأَرْمِيَنَّكُمْ بِهِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: 63] قَالَ: الطُّورُ: الْجَبَلُ اقْتَلَعَهُ اللَّهُ فَرَفَعَهُ فَوْقَهُمْ، فَقَالَ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63] فَأُقِرُّوا بِذَلِكَ "

وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: 63] قَالَ: رَفَعَ فَوْقَهُمُ الْجَبَلَ يُخَوِّفُهُمْ بِهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ النَّضْرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " الطُّورُ: الْجَبَلُ "

جارٍ التحميل