وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُطَهَّرِ الْمُبَارَكِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ يَقُولُ: الْمُبَارَكُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ، قَوْلُهُ ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ قَالَ: قُدِّسَ بُورِكَ مَرَّتَيْنِ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ قَالَ: بِالْوَادِي الْمُبَارَكِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿طُوًى﴾ [طه: 12] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طَوَيْتُهُ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ قَوْلِهِمْ طُوًى مَصْدَرٌ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: طَوَيْتُ الْوَادِيَ الْمُقَدَّسَ طُوًى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ يَعْنِي الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِوَادِيهَا لَيْلًا فَطَوَاهُ، يُقَالُ: طَوَيْتُ وَادِي كَذَا وَكَذَا طُوًى مِنَ اللَّيْلِ، وَارْتَفَعَ إِلَى أَعْلَى الْوَادِي، وَذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: مَرَّتَيْنٍ، وَقَالَ: نَادَاهُ رَبُّهُ مَرَّتَيْنِ، فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ طُوًى مَصْدَرُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: نُودِيَ يَا مُوسَى مَرَّتَيْنِ نِدَاءَيْنِ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَنْشُدُ شَاهِدًا لِقَوْلِهِ طُوًى، أَنَّهُ بِمَعْنَى مَرَّتَيْنِ، قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْعِبَادِيِّ:
[البحر الطويل]
أَعَاذِلَ إِنَّ اللَّوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ ... عَلَيَّ طُوًى مِنْ غِيِّكِ الْمُتَرَدِّدِ
وَرَوَى ذَلِكَ آخَرُونَ: عَلَيَّ ثِنًى: أَيْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَالُوا: طُوًى وَثِنًى بِمَعْنًى وَاحِدٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ وَادٍ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَّ اسْمَهُ طُوًى وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ قُدِّسَ طُوًى مَرَّتَيْنِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ قَدْ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ طُوًى: اسْمُ الْوَادِي
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿طُوًى﴾ [طه: 12] اسْمٌ لِلْوَادِي
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: طُوًى: قَالَ: اسْمُ الْوَادِي
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12] قَالَ: ذَاكَ الْوَادِي هُوَ طُوًى، حَيْثُ كَانَ مُوسَى،
وَحَيْثُ كَانَ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ مَا كَانَ.
قَالَ: وَهُوَ نَحْوُ الطُّورِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِمُوسَى أَنْ يَطَأَ الْوَادِيَ بِقَدَمَيْهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: ثنا صَالِحُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ قَالَ: طَأَ الْوَادِي
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طُوًى﴾ [طه: 12] قَالَ: طَأَ الْوَادِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿طُوًى﴾ [طه: 12] قَالَ: طَأَ الْأَرْضَ حَافِيًا، كَمَا تَدْخُلُ الْكَعْبَةَ حَافِيًا، يَقُولُ: مِنْ بَرَكَةِ الْوَادِي
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿طُوًى﴾ [طه: 12] طَأَ الْأَرْضَ حَافِيًا وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (طُوَى) بِضَمِّ الطَّاءِ وَتَرْكِ التَّنْوِينِ، كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ اسْمَ الْأَرْضِ الَّتِي بِهَا الْوَادِي، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل]
نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وَشَدُّوا أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنَ حِينَ تَوَاكَلَ الْأَبْطَالُ
فَلَمْ يَجُرَّ حُنَيْنَ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبَلْدَةِ لَا لِلْوَادِي، وَلَوْ كَانَ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْوَادِي لَأَجْرَاهُ كَمَا قَرَأَتِ الْقُرَّاءُ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: 25] وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الوافر]
أَلَسْنَا أَكْرَمَ الثَّقَلَيْنِ رَحْلًا ... وَأَعْظَمَهُمْ بِبَطْنِ حِرَاءَ نَارَا
فَلَمْ يَجُرَّ حِرَاءَ، وَهُوَ جَبَلٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبَلْدَةِ، فَكَذَلِكَ «طُوًى» فِي قِرَاءَةِ مَنْ لَمْ يَجُرَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْأَرْضِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ﴿طُوًى﴾ [طه: 12] بِضَمِّ الطَّاءِ وَالتَّنْوِينِ، وَقَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْتُ مِنَ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ مِنْ طَوَيْتُ، فَلَا مُؤْنَةَ فِي تَنْوِينِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ اسْمًا لِلْوَادِي، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُنَوِّنُهُ لِأَنَّهُ اسْمُ ذَكَرٍ لَا مُؤَنَّثٍ، وَأَنَّ لَامَ الْفِعْلِ مِنْهُ يَاءٌ، فَزَادَهُ ذَلِكَ خِفَّةً فَأَجْرَاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: 25] إِذْ كَانَ حُنَيْنٌ اسْمَ وَادٍ، وَالْوَادِي مُذَكَّرٌ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَالتَّنْوِينِ، لِأَنَّهُ إِنْ يَكُنِ اسْمًا لِلْوَادِي فَحَظُّهُ التَّنْوِينُ لِمَا ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ الْعِلَّةِ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا أَوْ مُفَسِّرًا، فَكَذَلِكَ أَيْضًا حُكْمَهُ التَّنْوِينُ، وَهُوَ عِنْدِي اسْمُ الْوَادِي.
وَإِذْ كَانَ
ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى الْوَادِي
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأْتُهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا: (وَأَنَّا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَ ﴿أَنَا﴾ [البقرة: 258] بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ «أَنَا» رَدًّا عَلَى: نُودِيَ يَا مُوسَى، كَأَنَّ
مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ: نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ، وَبِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ.
وَأَمَّا عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَرَءُوهُ: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه: 13] بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ اخْتَارَهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قُرَّاءُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ، مَعَ اتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِيهِ.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: نُودِيَ أَنَّا اخْتَرْنَاكَ، فَاجْتَبَيْنَاكَ لِرِسَالَتِنَا إِلَى مَنْ نُرْسِلُكَ إِلَيْهِ فَاسْتَمِعْ إِلَى مَا يُوحَى يَقُولُ: فَاسْتَمِعْ لِوَحْيِنَا الَّذِي نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَعِهِ، وَاعْمَلْ بِهِ.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّنِي أَنَا الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَلَا تَعْبُدْ غَيْرِي، فَإِنَّهُ لَا مَعْبُودَ تَجُوزُ أَوْ تَصْلُحُ لَهُ الْعِبَادَةُ سِوَايَ ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14] يَقُولُ: فَأَخْلِصِ الْعِبَادَةَ لِي دُونَ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِي
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِي فَإِنَّكَ إِذَا أَقَمْتَهَا ذَكَرْتَنِي
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] قَالَ: إِذَا صَلَّى ذَكَرَ رَبَّهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] قَالَ: إِذَا ذَكَرَ عَبَدَ رَبَّهُ قَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ حِينَ تَذْكُرُهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] قَالَ: يُصَلِّيَهَا حِينَ يَذْكُرُهَا
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: ثني عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: ثني يُونُسُ وَمَالِكُ بْنُ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا
إِذَا ذَكَرَهَا، قَالَ اللَّهُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقْرَؤُهَا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] بِمَنْزِلَةِ فِعْلِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ: حِينَ تَذْكُرُهَا، لَكَانَ التَّنْزِيلُ: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِكَهَا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ قِرَاءَةً مُسْتَفِيضَةً فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، كَانَ صَحِيحًا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ حِينَ تَذْكُرُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَجَّهَ بِقِرَاءَتِهِ ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] بِالْأَلِفِ لَا بِالْإِضَافَةِ، إِلَى أَقِمْ لِذِكْرَاهَا، لِأَنَّ الْهَاءَ وَالْأَلِفَ حُذِفَتَا، وَهُمَا مُرَادَتَانِ فِي الْكَلَامِ لِيُوَفَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ رُءُوسِ الْآيَاتِ، إِذْ كَانَتْ بِالْأَلِفِ وَالْفَتْحِ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي قِرَاءَةِ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْهُ، إِنَّمَا قَصَدَ الزُّهْرِيُّ بِفَتْحِهَا تَصْيِيرَهُ الْإِضَافَةَ أَلِفًا لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُءُوسِ الْآيَاتِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، لِأَنَّهُ خَالَفَ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَنْ قَرَأَهُ بِالْإِضَافَةِ، وَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
أُطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي ... إِلَى أُمَّا وَيُرْوِينِي النَّقِيعُ
وَهُوَ يُرِيدُ: إِلَى أُمِّي، وَكَقَوْلِ الْعَرَبِ: يَا أَبَا وَأُمَّا، وَهِيَ تُرِيدُ: يَا أَبِي وَأُمِّي،
كَانَ لَهُ بِذَلِكَ مَقَالٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ السَّاعَةَ الَّتِي يَبْعَثُ اللَّهُ فِيهَا الْخَلَائِقَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِمَوْقِفِ الْقِيَامَةِ جَائِيَةٌ ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] فَعَلَى ضَمِّ الْأَلِفِ مِنْ أُخْفِيهَا قِرَاءَةُ
جَمِيعِ قُرَّاءِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ، بِمَعْنَى: أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي، لِئَلَّا يَطَّلِعَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، وَبِذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] يَقُولُ: لَا أُظْهِرُ عَلَيْهَا أَحَدًا غَيْرِي
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قَالَ: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قَالَ: مِنْ نَفْسِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] قَالَ: مِنْ نَفْسِي
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسيَنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] قَالَ: مِنْ نَفْسِي
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الطَّنَافِسِيُّ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] قَالَ: يُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِهِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: «أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي» وَلَعَمْرِي لَقَدْ أَخْفَاهَا اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ: «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي» وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا هُوَ: «أَكَادُ أَخْفِيهَا» بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَخْفِيهَا بِمَعْنَى: أُظْهِرُهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: سَأَلَنِي رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ عَنْ هَذَا الْبَيْتِ، [البحر الخفيف] دَابَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ... بَأَرِيكَيْنِ يَخْفَيَانِ غَمِيرَا فَقُلْتُ: يَظْهَرَانِ، فَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ إِيَاسَ وَهُوَ خَلْفِي: أَقْرَأَنِيهَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «أَكَادُ أَخْفِيهَا» بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وِفَاقٌ لِقَوْلِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ قَالُوا: مَعْنَاهُ: أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَا ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قَالَا: مِنْ نَفْسِي
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَبَّارِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] قَالَ: مِنْ نَفْسِي