تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 499-512

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾

صفحات 499-512
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[الأعراف: 158]

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: 157] فَإِنَّهُ مِنْ نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى النَّبِيِّ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: 158] يَقُولُ: الَّذِي يُصَدِّقُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: 158] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ:

وَآيَاتِهِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ يَقُولُ: آيَاتِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ، قَوْلُهُ: " ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: 158] قَالَ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ "

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: 158] فَهُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَصَّدِّقُوا بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ.
وَلَمْ يُخَصِّصِ الْخَبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ إِيمَانِهِ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ بِبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ، بَلْ أَخْبَرَهُمْ عَنْ جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ، فَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَعُمَّ الْقَوْلُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْمِنُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ كُلِّهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158] فَاهْتَدُوا بِهِ أَيُّهَا

النَّاسُ، وَاعْمَلُوا بِمَا أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53] يَقُولُ: لِكَيْ تَهْتَدُوا فَتَرْشُدُوا، وَتُصِيبُوا الْحَقَّ فِي اتِّبَاعِكُمْ إِيَّاهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [الأعراف: 159] يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿أُمَّةٌ﴾ [البقرة: 128] يَقُولُ: جَمَاعَةٌ، ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 159] يَقُولُ: يَهْتَدُونَ بِالْحَقِّ: أَيْ: يَسْتَقِيمُونَ عَلَيْهِ وَيَعْمَلُونَ، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] أَيْ: وَبِالْحَقِ يُعْطُونَ وَيَأْخُذُونَ، وَيُنْصِفُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ

فَلَا يَجُورُونَ.
وَقَدْ قَالَ فِي صِفَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الْآيَةِ جَمَاعَةٌ أَقْوَالًا نَحْنُ ذَاكِرُو مَا حَضَرَنَا مِنْهَا

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَدَقَةَ أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] قَالَ: قَوْمٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ نَهْرٌ مِنْ شَهْدٍ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُمْ كَفَرُوا، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأَ سِبْطٌ مِنْهُمْ مِمَّا صَنَعُوا، وَاعْتَذَرُوا، وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ،

فَسَارُوا فِيهِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ وَرَاءِ الصِّينِ، فَهُمْ هُنَالِكَ حُنَفَاءَ مُسْلِمُونَ، يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنَا.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: 104] وَوَعْدُ الْآخِرَةِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَخْرُجُونَ مَعَهُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَارُوا فِي السَّرَبِ سَنَةً وَنِصْفًا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 160] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَرَّقْنَاهُمْ، يَعْنِي قَوْمَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَّقَهُمُ اللَّهُ فَجَعَلَهُمْ قَبَائِلَ شَتَّى، اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَسْبَاطِ فِيمَا مَضَى وَمَنْ هُمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ تَأْنِيثِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَالْأَسْبَاطُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: أَرَادَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْفَرِقَ أَسْبَاطٌ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْعَدَدَ عَلَى أَسْبَاطٍ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَسْتَخِلُّ هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَقُولُ: لَا يَخْرُجُ الْعَدَدُ عَلَى عَيْنِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْفِرَقَ قَبْلَ الِاثْنَتَي عَشْرَةَ حَتَّى تَكُونَ الِاثْنَتَا عَشْرَةَ مُؤَنَّثَةً عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَيَكُونُ الْكَلَامُ: وَقَطَّعْنَاهُمْ فَرِقًا اثْنَتَي عَشْرَةَ أَسْبَاطًا، فَيَصِحُّ التَّأْنِيثُ لَمَّا تَقَدَّمَ.

وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ، إِنَّمَا قَالَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ بِالتَّأْنِيثِ وَالسِّبْطُ مُذَكَّرٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ ذَهَبَ إِلَى الْأُمَمِ فَغَلَبَ التَّأْنِيثُ وَإِنْ كَانَ السِّبْطُ ذَكَرًا، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] وَإِنَّ كِلَابًا هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ ذَهَبَ بِالْبَطْنِ إِلَى الْقَبِيلَةِ وَالْفَضِيلَةِ، فَلِذَلِكَ جَمَعَ الْبَطْنَ بِالتَّأْنِيثِ.
وَكَانَ آخَرُونَ مِنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا أُنِّثَتِ الِاثْنَتَا عَشْرَةَ وَالسِّبْطُ ذَكَرٌ، لِذِكْرِ الْأُمَمِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الِاثْنَتَى عَشْرَةَ أُنِّثَتْ لِتَأْنِيثِ الْقِطْعَةِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَقَطَّعْنَاهُمْ قِطَعًا اثْنَتَى عَشْرَةَ، ثُمَّ تَرْجَمَ عَنِ الْقِطَعِ بِالْأَسْبَاطِ.
وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ الْأَسْبَاطُ مُفَسَّرَةً عَنِ الِاثْنَتَى عَشْرَةَ وَهِيَ جَمْعٌ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ فِيمَا فَوْقَ الْعَشْرِ إِلَى الْعِشْرِينِ بِالتَّوْحِيدِ لَا بِالْجَمْعِ، وَالْأَسْبَاطُ جَمْعٌ لَا وَاحِدٌ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي اثْنَتَا عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَلَا يُقَالُ: عِنْدِي اثْنَتَا عَشْرَةَ نِسْوَةً، فَفِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَسْبَاطَ لَيْسَتْ بِتَفْسِيرٍ لِلِاثْنَتَي عَشْرَةَ، وَإِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَأَمَّا الْأُمَمُ فَالْجَمَاعَاتُ، وَالسِّبْطُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ نَحْوُ الْقَرْنِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا فُرِّقُوا أَسْبَاطًا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي دِينِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 160] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ فَرَّقْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمَهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، وَتَيَّهْنَاهُمْ فِي التِّيهِ فَاسْتَسْقَوْا مُوسَى مِنَ الْعَطَشِ وَغِئُورِ الْمَاءِ.
﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف: 160] وَقَدْ بَيَّنَّا السَّبَبَ الَّذِي كَانَ قَوْمُهُ اسْتَسْقَوْهُ وَبَيَّنَا مَعْنَى الْوَحْيِ بِشَوَاهِدِهِ.
﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: 160] فَانْصَبَّتْ وَانْفَجَرَتْ مِنَ الْحَجَرِ ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60] مِنَ الْمَاءِ، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ [البقرة: 60] يَعْنِي: كُلُّ أُنَاسٍ مِنَ الْأَسْبَاطِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60] لَا يَدْخُلُ سِبْطٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي شُرْبِهِ.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف: 160] يَكُنَّهُمْ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَأَذَاهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْغَمَامِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ، وَكَذَلِكَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف: 160] طَعَامًا لَهُمْ.
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 57] يَقُولُ: وَقُلْنَا لَهُمْ: كُلُوا مِنْ حَلَالِ مَا رَزَقْنَاكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَطَيَّبْنَاهُ لَكُمْ.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57] ، وَفِي الْكَلَامِ

مَحْذُوفٌ تُرِكَ ذِكْرُهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا ظَهَرَ عَمَّا تُرِكَ، وَهُوَ: فَأَجْمَعُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، فَاسْتَبْدَلُوا الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: 57] يَقُولُ: وَمَا أَدْخَلُوا عَلَيْنَا نَقْصًا فِي مُلْكِنَا وَسُلْطَانِنَا بِمَسْأَلَتِهِمْ مَا سَأَلُوا، وَفِعْلِهِمْ مَا فَعَلُوا.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57] أَيْ: يَنْقُصُونَهَا حُظُوظَهَا بِاسْتِبْدَالِهِمُ الْأَدْنَى بِالْخَيْرِ وَالْأَرْذَلِ بِالْأَفْضَلِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ أَيْضًا يَا مُحَمَّدُ مِنْ خَطَإِ فِعْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَخِلَافِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ

وَعِصْيَانِهِمْ نَبِيَّهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَبْدِيلِهِمُ الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ حِينَ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف: 161] وَهِيَ قَرْيَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ﴿وَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الأعراف: 161] يَقُولُ: مِنْ ثِمَارِهَا وَحُبُوبِهَا وَنَبَاتِهَا، ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 58] مِنْهَا يَقُولُ: أَنَّى شِئْتُمْ مِنْهَا، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] يَقُولُ: وَقُولُوا هَذِهِ الْفِعْلَةَ حِطَّةٌ تَحُطُّ ذُنُوبَنَا، ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [البقرة: 58] يَتَغَمَّدُ لَكُمْ رَبُّكُمْ ذُنُوبَكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ، فَيَعْفُو لَكُمْ عَنْهَا، فَلَا يُؤَاخِذُكُمْ بِهَا.
﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 161] مِنْكُمْ، وَهُمُ الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ، عَلَى مَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ غُفْرَانِ الْخَطَايَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَاتِ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ وَالصَّحِيحَ مِنَ الْقَوْلِ لَدَيْنَا فِيهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 162] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَغَيَّرَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ، فَقَالُوا وَقَدْ قِيلَ لَهُمْ: قُولُوا: هَذِهِ حِطَّةٌ: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ؛ وَقَوْلُهُمْ

ذَلِكَ كَذَلِكَ هُوَ غَيْرُ الْقَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ قُولُوهُ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 162] بَعَثْنَا عَلَيْهِمْ عَذَابًا أَهْلَكْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يُغَيِّرُونَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ، فَيَفْعَلُونَ خِلَافَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِفِعْلِهِ وَيَقُولُونَ غَيْرَ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِيلِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرِّجْزِ فِيمَا مَضَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاسْأَلْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ وَهُمْ مُجَاوِرُوكَ، عَنْ أَمْرِ الْقَرْيَةِ الَّتِي

كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ، يَقُولُ: كَانَتْ بِحَضْرَةِ الْبَحْرِ أَيْ: بِقُرْبِ الْبَحْرِ وَعَلَى شَاطِئِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ أَيْلَةُ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي، كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] قَالَ: هِيَ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا أَيْلَةُ، بَيْنَ مَدْيَنَ وَالطُّورِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي، كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] قَالَ: سَمِعْنَا أَنَّهَا أَيْلَةُ "

حَدَّثَنِي سَلَّامُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ فَقَالَ: " وَيْلَكَ وَتَعْرِفُ الْقَرْيَةَ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ؟ فَقُلْتُ: تِلْكَ أَيْلَةُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ﴾ [الأعراف: 163] قَالَ: هِيَ أَيْلَةُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ بَيْنَ مِصْرَ وَالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا أَيْلَةُ»

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «هُمْ أَهْلُ أَيْلَةَ، الْقَرْيَةُ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ»

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي، كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] قَالَ أَيْلَةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: سَاحِلُ مَدْيَنَ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] الْآيَةَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا كَانَتْ قَرْيَةً عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا أَيْلَةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مقنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي، كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] قَالَ: هِيَ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا مقنا بَيْنَ مَدْيَنَ وَعَيْنُونَى " وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَدْيَنُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «هِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ أَيْلَةَ وَالطُّورِ يُقَالُ لَهَا مَدْيَنُ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: هِيَ قَرْيَةٌ حَاضِرَةُ الْبَحْرِ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ أَيْلَةَ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مَدْيَنَ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مقنا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَاضِرَةُ الْبَحْرِ.
وَلَا خَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ الْعُذْرَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَيٍّ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْتُ، وَلَا يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ مَا قَدْ كَانَ فَمَضَى مِمَّا لَمْ نُعَايِنْهُ، إِلَّا بِخَبَرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَلَا خَبَرَ كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: 163] يَعْنِي بِهِ أَهْلَهُ: إِذْ يَعْتَدُونَ فِي السَّبْتِ أَمْرَ اللَّهِ، وَيَتَجَاوَزُونَهُ إِلَى مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، يُقَالُ مِنْهُ: عَدَا فُلَانٌ أَمْرِي وَاعْتَدَى: إِذَا تُجَاوِزَهُ.
وَكَانَ اعْتِدَاؤُهُمْ فِي السَّبْتِ أَنَّ اللَّهَ كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ السَّبْتَ، فَكَانُوا يَصْطَادُونَ فِيهِ السَّمَكَ ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: 163] يَقُولُ: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمُ الَّذِي نُهُوا فِيهِ عَنِ الْعَمَلِ شُرَّعًا، يَقُولُ: شَارِعَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْمَاءِ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ وَنَاحِيَةٍ كَشَوَارِعِ الطُّرُقِ

كَالَّذِي حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ

عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: 163] يَقُولُ: ظَاهِرَةً عَلَى الْمَاءِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿شُرَّعًا﴾ [الأعراف: 163] يَقُولُ: مِنْ كُلِّ مَكَانٍ " وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ [الأعراف: 163] يَقُولُ: وَيَوْمَ لَا يُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمَهُمُ السَّبْتَ، وَذَلِكَ سَائِرُ الْأَيَّامِ غَيْرُ يَوْمِ السَّبْتِ، لَا تَأْتِيهِمُ الْحِيتَانُ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163] يَقُولُ: كَمَا وَصَفْنَا لَكُمْ مِنَ الِاخْتِبَارِ وَالِابْتِلَاءِ الَّذِي ذَكَرْنَا بِإِظْهَارِ السَّمَكِ لَهُمْ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ فِي الْيَوْمِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ صَيْدُهُ، وَإِخْفَائِهِ عَنْهُمْ فِي الْيَوْمِ الْمُحَلَّلِ صَيْدُهُ، كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ وَنَخْتَبِرُهُمْ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163] يَقُولُ: بِفِسْقِهِمْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَخُرُوجِهِمْ عَنْهَا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ [الأعراف: 163] فَقُرِئَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ ﴿يَسْبِتُونَ﴾ [الأعراف: 163] مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَبَتَ فُلَانٌ يَسْبِتُ سَبْتًا وَسُبُوتًا: إِذَا عَظَّمَ السَّبْتَ.
وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: (وَيَوْمَ لَا يُسْبِتُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ، مِنْ أَسْبَتَ الْقَوْمُ يُسْبِتُونَ: إِذَا دَخَلُوا فِي السَّبْتِ، كَمَا يُقَالُ: أَجْمَعْنَا: مَرَّتْ بِنَا جُمُعَةٌ، وَأَشْهَرْنَا: مَرَّ بِنَا شَهْرٌ، وَأَسْبَتْنَا: مَرَّ بِنَا سَبْتٌ.

وَنَصْبُ ﴿يَوْمَ﴾ [الأعراف: 163] مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ [الأعراف: 163] بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: 163] ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: لَا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ أَيْضًا يَا مُحَمَّدُ، إِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ، جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ لِجَمَاعَةٍ كَانَتْ تَعِظُ الْمُعْتَدِينَ فِي

السَّبْتِ وَتَنْهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِيهِ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] فِي الدُّنْيَا بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَخِلَافِهِمْ أَمْرَهُ، وَاسْتِحْلَالِهِمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ.
﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] فِي الْآخِرَةِ، قَالَ الَّذِينَ كَانُوا يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مُجِيبِيهِمْ عَنْ قَوْلِهِمْ: عِظَتُنَا إِيَّاهُمْ ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 164] نُؤَدِّي فَرْضَهُ عَلَيْنَا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] يَقُولُ: وَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ فَيَخَافُوهُ، فيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِهِ وَيَتُوبُوا مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ وَتَعَدِّيهِمْ عَلَى مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ اعْتِدَائِهِمْ فِي السَّبْتِ

كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 164] لِسَخَطِنَا أَعْمَالَهُمْ.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] أَيْ: يَنْزِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] قَالَ: يَتْرُكُونَ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ "

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً﴾ [الأعراف: 164] فَقَرَأَ ذَلَكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (مَعْذِرَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ مَعْنَاهَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ﴿مَعْذِرَةً﴾ [الأعراف: 164] نَصْبًا، بِمَعْنَى: إِعْذَارًا وَعَظْنَاهُمْ وَفَعَلْنَا ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْفِرْقَةِ الَّتِي قَالَتْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] هَلْ كَانَتْ مِنَ النَّاجِيَةِ، أَمْ مِنَ الْهَالِكَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ مِنَ النَّاجِيَةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنَ النَّاهِيَةِ الْفِرْقَةَ الْهَالِكَةَ عَنِ الِاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا أَيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَإِذَا مَضَى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَخَذُوا الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، فَنَهَتْهُمْ طَائِفَةٌ وَقَالُوا: تَأْخُذُونَهَا وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ سَبْتِكُمْ، فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا غَيًّا وَعُتُوًّا، وَجَعَلَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى تَنْهَاهُمْ.
فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النُّهَاةِ: تَعْلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] وَكَانُوا أَشَدَّ غَضَبًا لِلَّهِ مِنَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، فَقَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] وَكُلٌّ قَدْ كَانُوا يَنْهَوْنَ.
فَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ

غَضَبُ اللَّهِ، نَجَتِ الطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: 164] ، وَالَّذِينَ قَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 164] ، وَأَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ، فَجَعَلَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ "

جارٍ التحميل