تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 233-245

وَقَوْلُهُ ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ يَعْنِي أَنْ تَقُولَ: يَا نَدَمَا

صفحات 233-245
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثني أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ قَالَ: «النَّدَامَةُ» وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ هِيَ كِنَايَةُ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ: يَا حَسْرَتِي؛ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تُحَوِّلُ الْيَاءَ فِي كِنَايَةِ اسْمِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الِاسْتِغَاثَةِ أَلِفًا، فَتَقُولُ: يَا وَيْلَتَا، وَيَا نَدَمَا، فَيُخْرِجُونَ ذَلِكَ عَلَى لَفْظِ الدُّعَاءِ، وَرُبَّمَا قِيلَ: يَا حَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ، كَمَا قِيلَ: يَا لَهْفَ، وَيَا لَهْفًا عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ أَبَا ثَرْوَانَ أَنْشَدَهُ: [البحر الطويل] تَزُورُونَهَا وَلَا أَزُورُ نِسَاءَكُمْ ... أَلَهْفِ لِأَوْلَادِ الْإِمَاءِ الْحَوَاطِبِ خَفْضًا كَمَا يُخْفَضُ فِي النِّدَاءِ إِذَا أَضَافَهُ الْمُتَكَلِّمُ إِلَى نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا أَدْخَلُوا الْهَاءَ

بَعْدَ هَذِهِ الْأَلْفِ، فَيُخْفِضُونَهَا أَحْيَانًا، وَيَرْفَعُونَهَا أَحْيَانًا؛ وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ بَنِي أَسَدٍ أَنْشَدَ: [البحر الرجز] يَا رَبِّ يَا رَبَّاهُ إِيَّاكَ أَسَلْ ... عَفْرَاءَ يَا رَبَّاهُ مِنْ قَبْلِ الْأَجَلِ خَفْضًا، قَالَ: وَالْخَفْضُ أَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ، إِلَّا فِي قَوْلِهِمْ: يَا هَنَاهُ، وَيَا هَنْتَاهُ، فَإِنَّ الرَّفْعَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنَ الْخَفْضِ، لِأَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56] يَقُولُ عَلَى مَا ضَيَّعْتُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وَقَصَرْتُ فِي الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: «فِي أَمْرِ اللَّهِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56] قَالَ: «فِي أَمْرِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56] قَالَ: «تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: 56] يَقُولُ: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ قَالَ: " فَلَمْ يَكْفِهِ أَنْ ضَيَّعَ طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى جَعَلَ يَسْخَرُ بِأَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ، قَالَ: هَذَا قَوْلُ صِنْفٍ مِنْهُمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: 56] يَقُولُ: «مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْكِتَابِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَأَسْلِمُوا لَهُ، أَنْ لَا تَقُولَ نَفْسٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، فِي أَمْرِ

اللَّهِ، وَأَنْ لَا تَقُولَ نَفْسٌ لِأُخْرَى: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لِلْحَقِّ، فَوَفَّقَنِي لِلرَّشَادِ لَكُنْتُ مِمَّنِ اتَّقَاهُ بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ رِضَاهُ، أَوْ

أَنْ لَا تَقُولَ أُخْرَى حِينَ تَرَى عَذَابَ اللَّهِ فَتُعَايِنُهُ ﴿لَوْ أَنَّ لِيَ كَرَّةً﴾ [الزمر: 58] تَقُولُ لَوْ أَنَّ لِيَ رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا ﴿فَأَكُونُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: 58] الَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: «هَذَا قَوْلُ صِنْفٍ مِنْهُمْ» ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر: 57] الْآيَةَ، قَالَ: «هَذَا قَوْلُ صِنْفٍ آخَرَ» : ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ [الزمر: 58] الْآيَةَ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ أَنَّ لِيَ كَرَّةً﴾ [الزمر: 58] " رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا، قَالَ: هَذَا صِنْفٌ آخَرُ "

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قَالَ: " أَخْبَرَ اللَّهُ مَا الْعِبَادُ قَائِلُوهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولُوهُ، وَعَمَلَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهُ، قَالَ: ﴿وَلَا يُنْبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 14] ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: 58] يَقُولُ: مِنَ الْمُهْتَدِينَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْهُدَى، وَقَالَ ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28] وَقَالَ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: 110] كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: وَلَوْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا

لَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْهُدَى، كَمَا حِلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُمْ فِي الدُّنْيَا " وَفِي نَصْبِ قَوْلِهِ ﴿فَأَكُونَ﴾ [الزمر: 58] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ لَوْ وَالثَّانِي: عَلَى الرَّدِّ عَلَى مَوْضِعِ الْكَرَّةِ وَتَوْجِيهُ الْكَرَّةِ فِي الْمَعْنَى إِلَى: لَوْ أَنَّ لِيَ أَنْ أَكَرَّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَحَسْرَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا؟ فَنَصَبَ تَسْأَلَ عَطْفًا بِهَا عَلَى مَوْضِعِ الذِّكْرَى، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَمَا لَكَ غَيْرُ أَنْ تَذْكُرَ وَتَسْأَلَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُكَذِّبًا الْقَائِلَ: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: 57] ، وَلِلْقَائِلِ: ﴿لَوْ أَنَّ لِيَ كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: 58] : مَا الْقَوْلُ كَمَا تَقُولُونَ ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ﴾ [الزمر: 59] أَيُّهَا الْمُتَمَنِّي عَلَى اللَّهِ الرَّدَّ

إِلَى الدُّنْيَا لِتَكُونَ فِيهَا مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿آيَاتِي﴾ [الأنعام: 130] يَقُولُ: قَدْ جَاءَتْكَ حُجَجِي مِنْ بَيْنِ رَسُولٍ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكَ، وَكِتَابٍ أَنْزَلْتُهُ يُتْلَى عَلَيْكَ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّذْكِيرِ ﴿فَكَذَبْتَ﴾ [يوسف: 27]

بِآيَاتِي ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: 59] عَنْ قَبُولِهَا وَاتِّبَاعِهَا ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 59] يَقُولُ: وَكُنْتَ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الْكَافِرِينَ، وَيَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِمْ، وَيَتَّبِعُ مِنْهَاجَهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " يَقُولُ اللَّهُ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ، وَتَكْذِيبًا لَهُمْ، يَعْنِي لِقَوْلِ الْقَائِلِينَ: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر: 57] ، وَالصِنْفِ الْآخَرِ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: 59] الْآيَةَ " وَبِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَبْتَ﴾ [الزمر: 59] عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ لِلذُّكُورِ، قَرَأَهُ الْقُرَّاءُ فِي جَمِيعِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ جَمِيعِهِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لِلنَّفْسِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، بَلَى قَدْ جَاءَتْكِ أَيَّتُهَا النَّفْسُ آيَاتِي، فَكَذَبْتِ بِهَا، أَجْرَى الْكَلَامَ كُلَّهُ عَلَى النَّفْسِ، إِذْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ بِهَا جَرَى، وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ خِلَافَهَا، مَا جَاءَتْ بِهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ، نَقْلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْفَتْحُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى﴾ [الزمر: 60] يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: 60] مِنْ قَوْمِكَ فَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَأَنَّ لَهُ شَرِيكًا، وَعَبَدُوا آلِهَةً مِنْ دُونِهِ

﴿وَجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60] ؛ وَالْوُجُوهُ وَإِنْ كَانَتْ مَرْفُوعَةً بِمُسْوَدَّةٌ، فَإِنَّ فِيهَا مَعْنَى نَصْبٍ، لِأَنَّهَا مَعَ خَبَرِهَا تَمَامُ تَرَى وَلَوْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ مُسْوَدَّةٌ قَبْلَ الْوجُوهِ، كَانَ نَصْبًا، وَلَوْ نَصَبَ الْوجُوهَ الْمُسْوَدَّةَ نَاصِبٌ فِي الْكَلَامِ لَا فِي الْقُرْآنِ، إِذَا كَانَتِ الْمُسْوَدَّةُ مُؤْخِرَةً كَانَ جَائِزًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] ذَرِينِي إِنَّ أَمْرَكِ لَنْ يُطَاعَا ... وَمَا أَلْفَيْتَنِي حِلْمِي مُضَاعَا فَنُصِبَ الْحِلْمُ وَالْمُضَاعُ عَلَى تَكْرِيرِ أَلْفَيْتَنِي، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ مَا احْتَاجَ إِلَى اسْمٍ وَخَبَرٍ، مِثْلُ ظَنَّ وَأَخَوَاتِهَا؛ وَفِي مُسْوَدَّةٌ لِلْعَرَبِ لُغَتَانِ: مُسْوَدَّةٌ، وَمُسْوَادَّةٌ، وَهِيَ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ يَقُولُونَ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ: قَدِ اسْوَادَّ وَجْهُهُ، وَاحْمَارَّ، وَاشْهَابَّ وَذَكَرَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَكُونُ افْعَالَّ إِلَّا فِي ذِي اللَّوْنِ الْوَاحِدِ نَحْوَ الْأَشْهَبِ، قَالَ: وَلَا يَكُونُ فِي نَحْوِ الْأَحْمَرِ؛ لِأَنَّ الْأَشْهَبَ لَوْنٌ يُحْدَثُ، وَالْأَحْمَرُ لَا يُحْدَثُ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 60] يَقُولُ: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمِ مَأْوًى وَمَسْكَنٌ لِمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ تَوْحِيدِهِ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ عَنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيُنَجِّي اللَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ وَعَذَابِهَا، الَّذِينَ اتَّقَوْهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ فِي الدُّنْيَا، بِمَفَازَتِهِمْ: يَعْنِي بِفَوْزِهِمْ،

وَهِيَ مُفْعَلَةٌ مِنْهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، وَإِنْ خَالَفَتْ أَلْفَاظُ بَعْضِهِمُ اللَّفْظَةَ الَّتِي قُلْنَاهَا فِي ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: 61] قَالَ: «بِفَضَائِلِهِمْ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: 61] قَالَ: " بِأَعْمَالِهِمْ، قَالَ: وَالْآخَرُونَ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ، وَبَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: 61] عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ

: (بِمَفَازَاتِهِمْ) عَلَى الْجِمَاعِ وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، لِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا؛ وَالْعَرَبُ تُوَحِّدُ مِثْلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا وَتَجْمَعُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: سَمِعْتُ صَوْتَ الْقَوْمِ، وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19] ، وَلَمْ يَقُلْ: أَصْوَاتُ الْحَمِيرِ، وَلَوْ جَاءَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ صَوَابًا

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَمَسَّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: 61] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَمَسُّ الْمُتَّقِينَ مِنْ أَذَى جَهَنَّمَ شَيْءٌ، وَهُوَ السُّوءُ الَّذِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَنْ يَمَسَّهُمْ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ؛ يَقُولُ: وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ آرَابِ الدُّنْيَا، إِذْ صَارُوا إِلَى كَرَامَةِ اللَّهِ وَنُعَيْمِ الْجِنَّانِ

وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ مِنْ كُلِّ خَلْقِهِ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، لَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: 102] ؛ يَقُولُ: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَيِّمٌ بِالْحِفْظِ وَالْكَلَاءَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَهُ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَفْتَحُ مِنْهَا عَلَى مَنْ

يَشَاءُ، وَيُمْسِكُهَا عَمَّنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ؛ وَاحِدُهَا: مِقْلِيدُ.
وَأَمَّا الْإِقْلِيدُ: فَوَاحِدُ الْأَقَالِيدِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ «مَفَاتِيحُهَا»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ «أَيْ مَفَاتِيحُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: «خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: " الْمَقَالِيدُ: الْمَفَاتِيحُ، قَالَ: لَهُ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِحُجَجِ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهَا وَأَنْكَرُوهَا، أُولَئِكَ هُمُ الْمَغْبُونُونَ

حُظُوظَهُمْ مِنْ خَيْرِ السَّمَوَاتِ الَّتِي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُهَا، لِأَنَّهُمْ حُرِمُوا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْآخِرَةِ بِخُلُودِهِمْ فِي النَّارِ، وَفِي الدُّنْيَا بِخُذْلَانِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرُ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ، الدَّاعِيكَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 114] أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ

﴿تَأْمُرُونِّيَ﴾ [الزمر: 64] أَنْ ﴿أَعْبُدُ﴾ [الأنعام: 56] وَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَاهُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْعَامِلِ، فِي قَوْلِهِ ﴿أَفَغَيْرَ﴾ [آل عمران: 83] النَّصْبَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي، يَقُولُ: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَعْبُدُ تَأْمُرُونِّي، كَأَنَّهُ أَرَادَ الْإِلْغَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَمَا تَقُولُ: ذَهَبَ فَلَأَنٌ يَدْرِي، جَعَلَهُ عَلَى مَعْنَى فَمَا يَدْرِي وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: غَيْرَ مُنْتَصِبَةٌ بِأَعْبُدُ، وَأَنْ تُحْذَفُ وَتُدْخَلُ، لِأَنَّهَا عَلَمٌ لِلِاسْتِقْبَالِ، كَمَا تَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ أَضْرِبَ، وَأُرِيدُ أَضْرِبَ، وَعَسَى أَنْ أَضْرِبَ، وَعَسَى أَضْرِبَ، فَكَانَتْ فِي طَلَبِهَا الِاسْتِقْبَالَ، كَقَوْلِكَ: زَيْدًا سَوْفَ أَضْرِبُ، فَلِذَلِكَ حُذِفَتْ وَعَمِلَ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى اللَّغْوِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزمر: 65] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أَوْحَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ رَبَّكَ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] يَقُولُ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ بِاللَّهِ شَيْئًا يَا مُحَمَّدُ، لَيَبْطُلَنَّ عَمَلُكَ، وَلَا تَنَالُ بِهِ ثَوَابًا، وَلَا تُدْرِكُ جَزَاءً إِلَّا جَزَاءَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَهَذَا

مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ؛ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ، بِمَعْنَى: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ مِنْ ذَلِكَ، مِثْلَ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْهُ، فَاحْذَرْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا فَتَهْلَكَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65] وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْهَالِكِينَ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ إِنْ أَشْرَكْتَ بِهِ شَيْئًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَعْبُدْ مَا أَمَرَكَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمِكَ يَا

مُحَمَّدُ بِعِبَادَتِهِ، بَلِ اللَّهُ فَاعْبُدْ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144] لِلَّهِ عَلَى نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ بِمَا أَنْعَمَ مِنَ الْهِدَايَةِ لِعِبَادَتِهِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَنُصْبَ اسْمُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَاعْبُدْ﴾ [الزمر: 2] وَهُوَ بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ رَدَّ الْكَلَامِ، وَلَوْ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ قَبْلَهُ، إِذَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: زَيْدٌ فَلْيَقُمْ وَزَيْدًا فَلْيَقُمْ رَفْعًا وَنَصْبًا، الرَّفْعُ عَلَى فَلْيَنْظُرْ زَيْدٌ،

فَلْيَقُمْ، وَالنَّصْبُ عَلَى انْظُرُوا زَيْدًا فَلْيَقُمْ كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا عَظَّمَ اللَّهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، الَّذِينَ يَدْعُونَكَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

جارٍ التحميل