تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 615-627

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 71] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: كَانَ عَلَى رَبِّكَ قَضَاءً مَقْضِيًّا

صفحات 615-627
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ

الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَزِيدُ اللَّهُ مَنْ سَلَكَ قَصْدَ الْمَحَجَّةِ، وَاهْتَدَى لِسَبِيلِ الرُّشْدِ، فَآمَنَ بِرَبِّهِ، وَصَدَّقَ بِآيَاتِهِ، فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ هُدًى بِمَا يَتَجَدَّدُ لَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي يَفْرِضُهَا عَلَيْهِ.
وَيُقِرُّ بِلُزُومِ فَرْضِهَا إِيَّاهُ، وَيَعْمَلُ بِهَا، فَذَلِكَ زِيَادَةٌ مِنَ اللَّهِ فِي اهْتِدَائِهِ بِآيَاتِهِ هُدًى عَلَى هَدَاهُ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124] . وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى بِنَاسِخٍ الْقُرْآنَ وَمَنْسُوخِهِ، فَيُؤْمِنُ بِالنَّاسِخِ، كَمَا آمَنَ مِنْ قَبْلُ بِالْمَنْسُوخِ، فَذَلِكَ زِيَادَةُ هُدًى مِنَ اللَّهِ لَهُ عَلَى هَدَاهُ مِنْ قَبْلُ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالْأَعْمَالُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ وَرَضِيَهَا مِنْهُمْ.
الْبَاقِيَاتُ لَهُمْ غَيْرُ الْفَانِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ جَزَاءً لِأَهْلِهَا ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: 76] عَلَيْهِمْ مِنْ مَقَامَاتِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، وَأَنْدِيَتِهِمُ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ، وَدَلَّلْنَا عَلَى الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: جَلَسَ

النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَخَذَ عُودًا يَابِسًا، فَحَطَّ وَرَقَهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ، تَحُطُّ الْخَطَايَا، كَمَا تَحُطُّ وَرَقَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الرِّيحُ، خُذْهُنَّ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُنَّ، هُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءٍ إِذَا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: لِأُهَلِّلَنَّ اللَّهَ وَلَأُكَبِّرَنَّ اللَّهَ، وَلَأُسَبِّحَنَّ اللَّهَ، حَتَّى إِذَا رَآنِي الْجَاهِلُ حَسِبَ أَنِّي مَجْنُونٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ [مريم: 77] يَا مُحَمَّدُ ﴿الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: 77] حُجَجِنَا فَلَمْ يُصَدِّقْ بِهَا، وَأَنْكَرَ وَعِيدَنَا مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ﴿وَقَالَ﴾ [البقرة: 118] وَهُوَ بِاللَّهِ كَافِرٌ

وَبِرَسُولِهِ ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾ [مريم: 77] فِي الْآخِرَةِ ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39] . وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ أُنْزِلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، وَسَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ،

فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: فَقَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ كَمَا تَقُولُ، جِئْتَنِي وَلِي مَالٌ وَوَلَدٌ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80] حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو السَّائِبِ، وَقَرَأَ فِي الْحَدِيثِ: وَوَلَدًا

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رِجَالًا، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ بِدَيْنٍ، فَأَتَوْهُ يَتَقَاضَوْنَهُ، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ فِيَ الْجَنَّةِ فِضَّةً وَذَهَبًا وَحَرِيرًا، وَمَنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْآخِرَةُ، فَوَاللَّهِ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، وَلَأُوتَيَنَّ مِثْلَ كِتَابِكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ، فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهُ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا﴾ [مريم: 77] . . إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77] قَالَ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ يَقُولُهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77] فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَتَوْا رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَتَقَاضَوْنَهُ دَيْنًا، فَقَالَ: أَلَيْسَ يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ أَنَّ فِيَ الْجَنَّةِ حَرِيرًا وَذَهَبًا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ فَمِيعَادُكُمُ الْجَنَّةَ، فَوَاللَّهِ لَا أُومِنُ بِكِتَابِكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ، اسْتِهْزَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا.
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ: كُنْتُ قَيْنًا بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ أَعْمَلُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَتْ لِي عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَجِئْتُ لِأَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ لِي: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ: لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: فَإِذَا بُعِثْتُ كَانَ لِي مَالٌ وَوَلَدٌ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77] . . إِلَى ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ﴿وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39] بِفَتْحِ الْوَاوِ مِنَ الْوَلَدِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ خَصَّ الَّتِي فِي سُورَةِ نُوحٍ بِالضَّمِّ، فَقَرَأَهَا: (مَالُهُ وَوُلْدُهُ) وَأَمَّا عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ غَيْرَ عَاصِمٍ، فَإِنَّهُمْ قَرَءُوا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَاللَّتَيْنِ فِي الزُّخْرُفِ، وَالَّتِي فِي نُوحٍ، بِالضَّمِّ وَسُكُونِ اللَّامِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا ضُمَّتْ وَاوُهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ضَمُّهَا وَفَتْحُهَا وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا هُمَا لُغَتَانِ، مِثْلُ قَوْلِهِمُ الْعُدْمُ وَالْعَدَمُ، وَالْحُزْنُ وَالْحَزَنُ.
وَاسْتَشْهَدُوا لِقِيلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل]

فَلَيْتَ فُلَانًا كَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ... وَلَيْتَ فُلَانًا كانَ وُلْدَ حِمَارِ وَيَقُولُ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: [البحر الكامل]

وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا ... قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدَا وَقَوْلُ رُؤْبَةَ: [البحر الرجز]

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَزِيزِ فَرْدَا لَمْ يَتَّخِذْ مِنْ وُلْدِ شَيْءٍ وُلْدَا وَتَقُولُ الْعَرَبُ فِي مِثْلِهَا: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ وَاحِدٌ، بِمَعْنَى الْوَلَدِ.
وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ قَيْسًا تَجْعَلُ الْوَلَدَ جَمْعًا، وَالْوَلَدَ وَاحِدًا.
وَلَعَلَّ الَّذِينَ

قَرَءُوا ذَلِكَ بِالضَّمِّ فِيمَا اخْتَارُوا فِيهِ الضَّمَّ، إِنَّمَا قَرَءُوهُ كَذَلِكَ لَيُفَرِّقُوا بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْوَاحِدِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْفَتْحَ فِي الْوَاوِ مِنَ الْوَلَدِ وَالضَّمِّ فِيهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ، غَيْرَ أَنَّ الْفَتْحَ أَشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ فِيهَا.
فَالْقِرَاءَةُ بِهِ أَعْجَبُ إِلَيَّ لِذَلِكَ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: أَعَلِمَ هَذَا الْقَائِلُ هَذَا الْقَوْلَ عِلْمَ الْغَيْبِ، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مَالًا وَوَلَدًا بِاطِّلَاعِهِ عَلَى عِلْمِ مَا غَابَ عَنْهُ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 78] يَقُولُ: أَمْ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَ بِهِ، وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ، فَكَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا أَنْ يُؤْتِيَهُ مَا

يَقُولُ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بِعَمَلِ صَالِحِ قَدَمِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿كَلَّا﴾ [النساء: 130] لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، مَا اطَّلَعَ الْغَيْبَ، فَعَلِمَ صِدْقَ مَا يَقُولُ، وَحَقِيقَةُ مَا يُذْكَرُ، وَلَا اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ،

بَلْ كَذَّبَ وَكَفَرَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 79] أَيْ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ هَذَا الْكَافِرُ بِرَبِّهِ، الْقَائِلُ ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾ [مريم: 77] فِي الْآخِرَةِ ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39] ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: 79] يَقُولُ: وَنَزِيدُهُ مِنَ الْعَذَابِ فِي جَهَنَّمَ بِقِيلِهِ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ فِي الدُّنْيَا، زِيَادَةً عَلَى عَذَابِهِ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 80] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَنَسْلُبُ هَذَا الْقَائِلَ: لَأُوتَيَنَّ فِي الْآخِرَةِ مَالًا وَوَلَدًا، مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَيَصِيرُ لَنَا مَالُهُ وَوَلَدُهُ دُونَهُ، وَيَأْتِينَا هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا، وَحْدَهُ لَا مَالَ مَعَهُ وَلَا وَلَدَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، ح وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 80] مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَذَلِكَ الَّذِي قَالَ الْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80] لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 80] قَالَ: مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77] وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَنَرِثُهُ مَا عِنْدَهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 80] قَالَ: مَا جَمَعَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَمِلَ فِيهَا.
قَالَ: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80] قَالَ:

فَرْدًا مِنْ ذَلِكَ، لَا يَتْبَعُهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 80] نَرِثُهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاتَّخَذَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمِكَ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونَ اللَّهِ، لِتَكُونَ هَؤُلَاءِ الْآلِهَةُ لَهُمْ عِزًّا، يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَيَتَّخِذُونَ

عِبَادَتَهُمُوهَا عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَى

وَقَوْلُهُ: ﴿كَلَّا﴾ [النساء: 130] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوا وَأَمَّلُوا مِنْ هَذِهِ الْآلِهَةِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فِي أَنَّهَا تُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَتُنْجِيهِمْ مِنْهُ، وَمِنْ سُوءٍ إِنْ أَرَادَهُ بِهِمْ رَبُّهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: 82] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَلَكِنْ سَيَكْفُرُ الْآلِهَةُ فِي الْآخِرَةِ بِعِبَادَةِ هَؤُلَاءِ

الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِيَّاهَا، وَكُفْرِهِمْ بِهَا قِيلُهُمْ لِرَبِّهِمْ: تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ، فَجَحَدُوا أَنْ يَكُونُوا عَبَدُوهُمْ أَوْ أَمَرُوهُمْ بِذَلِكَ، وَتَبَرَّءُوا مِنْهُمْ، وَذَلِكَ كُفْرُهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَتَكُونُ آلِهَتُهُمْ عَلَيْهِمْ عَوْنًا، وَقَالُوا: الضِّدُّ: الْعَوْنُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] يَقُولُ: أَعْوَانًا

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، ح وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] قَالَ: عَوْنًا عَلَيْهِمْ تُخَاصِمُهُمْ وَتُكَذِّبُهُمْ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] قَالَ: أَوْثَانُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِالضِّدِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْقَرْنَاءَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] يَقُولُ: يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ قُرَنَاءَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] قُرَنَاءَ فِي النَّارِ، يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿ضِدًّا﴾ [مريم: 82] قَالَ: قُرَنَاءُ فِي النَّارِ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الضِّدِّ هَهُنَا: الْعَدُوُّ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] قَالَ: أَعْدَاءً وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الضِّدِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْبَلَاءُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] قَالَ: يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ بَلَاءً الضِّدُّ: الْبَلَاءُ، وَالضِّدُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْخِلَافُ، يُقَالُ: فُلَانٌ يُضَادُّ فُلَانًا فِي كَذَا، إِذَا كَانَ يُخَالِفُهُ فِي صَنِيعِهِ، فَيُفْسِدُ مَا أَصْلَحَهُ، وَيُصْلِحُ مَا أَفْسَدَهُ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، وَكَانَتْ آلِهَةُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ، وَيَنْتَفُونَ يَوْمَئِذٍ، صَارُوا لَهُمْ أَضْدَادًا، فَوُصِفُوا بِذَلِكَ

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ تَوْحِيدِ الضِّدِّ، وَهُوَ صِفَةٌ لِجَمَاعَةٍ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: وُحِّدَ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَمَاعَةً، وَوَاحِدًا مِثْلُ الرَّصَدِ وَالْأَرْصَادِ.
قَالَ: وَيَكُونُ الرَّصَدُ أَيْضًا لِجَمَاعَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ وُحِّدَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَوْنًا، وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا نَهِيكٍ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَهِيكٍ الْأَزْدِيَّ، يَقْرَأُ: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ﴾ [مريم: 82] يَعْنِي الْآلِهَةَ كُلَّهَا أَنَّهُمْ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 84] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ [مريم: 83] يَقُولُ: تُحَرِّكُهُمْ بِالْإِغْوَاءِ وَالْإِضْلَالِ،

فَتُزْعِجُهُمْ إِلَى مَعَاصِي اللَّهِ، وَتُغْرِيهِمْ بِهَا حَتَّى يُوَاقِعُوهَا ﴿أَزًّا﴾ [مريم: 83] إِزْعَاجًا وَإِغْوَاءً.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

جارٍ التحميل