وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105] يَقُولُ: بِمَا كُنْتُمْ تُصِيبُونَ فِي الدُّنْيَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ فِيهَا طَاعَةَ اللَّهِ طَلَبَ مَرْضَاتِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الدِّينُ: الْإِخْلَاصُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ تَتَّقُونَ، أَيْ تَرْهَبُونَ وَتَحْذَرُونَ أَنْ يَسْلُبَكُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِإِخْلَاصِكُمُ الْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ، وَإِفْرَادِكُمُ الطَّاعَةَ لَهُ، وَمَا لَكُمْ نَافِعٌ سِوَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 79] فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: دَخَلَتِ الْفَاءُ، لِأَنَّ «مَا» بِمَنْزِلَةِ «مِنْ» فَجَعَلَ الْخَبَرَ بِالْفَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: «مَا» فِي مَعْنَى
جَزَاءٍ، وَلَهَا فِعْلٌ مُضْمَرٌ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: مَا يَكُنْ بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلٍ مَجْزُومٍ، إِنْ ظَهَرَ فَهُوَ جَزْمٌ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ مُضْمَرٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] إِنِ الْعَقْلُ فِي أَمْوَالِنَا لَا نَضِقْ بِهِ ... ذِرَاعًا وَإِنْ صَبْرًا فَنَعْرِفُ لِلصَّبْرِ وَقَالَ: أَرَادَ: إِنْ يَكُنِ الْعَقْلُ فَأَضْمَرَهُ، قَالَ: وَإِنْ جُعِلَتْ «مَا بِكُمْ» فِي مَعْنَى «الَّذِي» جَازَ، وَجُعِلَتْ صِلَتُهُ «بِكُمْ» وَ «مَا» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 79] ، وَأَدْخَلَ الْفَاءَ كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8] وَكُلُّ اسْمِ وَصْلٍ مِثْلَ «مِنْ» وَ «مَا» وَ «الَّذِي» ، فَقَدْ يَجُوزُ دُخُولُ الْفَاءِ فِي خَبَرِهِ لِأَنَّهُ مُضَارِعٌ لِلْجَزَاءِ وَالْجَزَاءُ قَدْ يُجَابُ بِالْفَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَخُوكَ فَهُوَ قَائِمٌ، لِأَنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ مَوْصُولٍ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ: مَالُكَ لِي، فَإِنْ قُلْتَ: مَالُكَ، جَازَ أَنْ تَقُولَ: مَالُكَ فَهُوَ لِي، وَإِنْ أُلْقِيَتِ الْفَاءُ فَصَوَابٌ.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: مَا يَكُنْ بِكُمْ فِي أَبْدَانِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ عَافِيَةٍ وَصِحَّةٍ وَسَلَامَةٍ وَفِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ نَمَاءٍ، فَاللَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ لَا غَيْرُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَبِيَدِهِ
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ [النحل: 53] يَقُولُ: إِذَا أَصَابَكُمْ فِي أَبْدَانِكُمْ سَقَمٌ وَمَرَضٌ وَعِلَّةٌ عَارِضَةٌ وَشِدَّةٌ مِنْ عَيْشٍ، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53] يَقُولُ: فَإِلَى اللَّهِ تَصْرُخُونَ بِالدُّعَاءِ وَتَسْتَغِيثُونَ بِهِ، لِيَكْشِفَ ذَلِكَ عَنْكُمْ وَأَصْلُهُ: مِنْ جُؤَارِ الثَّوْرِ، يُقَالُ مِنْهُ: جَأَرَ الثَّوْرُ يَجْأَرُ جُؤَارًا، وَذَلِكَ إِذَا رَفَعَ صَوْتًا شَدِيدًا مِنْ جُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ،
وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
[البحر المتقارب]
وَمَا أَيْبُلِيُّ عَلَى هَيْكَلٍ ... بَنَاهُ وَصَلَّبَ فِيهِ وَصَارَا
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيكِ ... طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا
يَعْنِي بِالْجُؤَارِ: الصِّيَاحُ، إِمَّا بِالدُّعَاءِ وَإِمَّا بِالْقِرَاءَةِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53]
قَالَ: «تَضْرَعُونَ دُعَاءً» . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " الضُّرُّ: السَّقَمُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ.
لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ إِذَا وَهَبَ لَكُمْ رَبُّكُمُ الْعَافِيَةَ، وَرَفَعَ عَنْكُمْ مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْمَرَضِ فِي أَبْدَانِكُمْ وَمِنَ الشِّدَّةِ فِي مَعَاشِكُمْ، وَفَرَّجَ الْبَلَاءَ عَنْكُمْ، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 54] يَقُولُ: إِذَا جَمَاعَةٌ مِنْكُمْ يَجْعَلُونَ للَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِمْ، فَيَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَيَذْبَحُونَ لَهَا الذَّبَائِحَ شُكْرًا لِغَيْرِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفَرَجِ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الضُّرِّ.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [النحل: 55] يَقُولُ: لِيَجْحَدُوا اللَّهَ نِعْمَتَهُ فِيمَا آتَاهُمْ مِنْ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُمْ.
﴿فَتَمَتَّعُوا، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 55] ، وَهَذَا مِنَ اللَّهِ وَعِيدٌ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَتَهْدِيدٌ لَهُمْ، يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: تَمَتَّعُوا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ تُوَافِيَكُمْ آجَالُكُمْ، وَتَبْلُغُوا الْمِيقَاتَ الَّذِي وَقَّتَهُ لِحَيَاتِكُمْ وَتَمَتُّعِكُمْ فِيهَا، فَإِنَّكُمْ مِنْ ذَلِكَ سَتَصِيرُونَ إِلَى رَبِّكُمْ، فَتَعْلَمُونَ بِلِقَائِهِ
وَبَالَ مَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَتَعْرِفُونَ سُوءَ مَغَبَّةِ أَمْرِكُمْ، وَتَنْدَمُونَ حِينَ لَا يَنْفَعُكُمُ النَّدَمُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ، تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَجْعَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴿نَصِيبًا﴾ [آل عمران: 23] يَقُولُ: حَظًّا وَجَزَاءً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ، إِشْرَاكًا مِنْهُمْ لَهُ، الَّذِي
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَنْفَعُهُمْ وَيَضُرُّهُمْ دُونَ غَيْرِهِ، كَالَّذِي:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: 56] قَالَ: «يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ وَيَضُرُّهُمْ وَيَنْفَعُهُمْ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: 56] «وَهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، جَعَلُوا لِأَوْثَانِهِمْ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ، وَجُزْءًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَجْعَلُونَهُ لِأَوْثَانِهِمْ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: 56] قَالَ: «جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَصِيبٌ وَلَا شَيْءٌ، جَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِمَّا قَالَ اللَّهُ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ، يُسَمُّونَ عَلَيْهَا أَسْمَاءَهَا، وَيَذْبَحُونَ لَهَا»
وَقَوْلُهُ: ﴿تَالَلَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهِ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الْجَاعِلُونَ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ نَصِيبًا فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ شِرْكًا بِاللَّهِ وَكُفْرًا، لَيَسْأَلَنَّكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَفْتَرُونَ، يَعْنِي: تَخْتَلِقُونَ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْإِفْكِ عَلَى اللَّهِ بِدَعْوَاكُمْ لَهُ شَرِيكًا،
وَتَصْيِيرِكُمْ لِأَوْثَانِكُمْ فِيمَا رَزَقَكُمْ نَصِيبًا، ثُمَّ لَيُعَاقِبَنَّكُمْ عُقُوبَةً، تَكُونُ جَزَاءً لِكُفْرَانِكُمْ نِعَمَهُ وَافْتِرَائِكُمْ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ للَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ.
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ جَهْلِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَخُبْثِ فِعْلِهِمْ وَقُبْحِ فِرْيَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لِمَنْ خَلَقَهُمْ وَدَبَّرَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَوْجَبَ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمُ
الشُّكْرَ، وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْحَمْدَ ﴿الْبَنَاتِ﴾ [النحل: 57] ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ للَّهِ وَلَدٌ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى سُبْحَانَهُ، نَزَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ عَمَّا أَضَافُوا إِلَيْهِ وَنَسَبُوهُ مِنَ الْبَنَاتِ، فَلَمْ يَرْضَوْا بِجَهْلِهِمْ إِذْ أَضَافُوا إِلَيْهِ مَا لَا يَنْبَغِي إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهِ مَا يَشْتَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَيُحِبُّونَهُ لَهَا، وَلَكِنَّهُمْ أَضَافُوا إِلَيْهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا يَرْضَوْنَهُ لَهَا مِنَ الْبَنَاتِ مَا يَقْتُلُونَهَا إِذَا
كَانَتْ لَهُمْ، وَفِي «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57] وَجْهَانِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ: النَّصَبُ عَطْفًا لَهَا عَلَى «الْبَنَاتِ» ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ: وَيَجْعَلُونَ للَّهِ الْبَنَاتِ وَلَهُمُ الْبَنِينَ الَّذِينَ يَشْتَهُونَ، فَتَكُونُ «مَا» لِلْبَنِينَ، وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ مُبْتَدَأٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57] فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَيَجْعَلُونَ للَّهِ الْبَنَاتِ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: 58] يَقُولُ: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا للَّهِ الْبَنَاتِ بِوِلَادَةِ مَا يُضِيفُهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لَهُ، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا مِنْ كَرَاهَتِهِ لَهُ ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58] يَقُولُ قَدْ كَظَمَ الْحُزْنَ، وَامْتَلَأَ غَمًّا بِوِلَادَتِهِ لَهُ، فَهُوَ لَا يُظْهِرُ ذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ
أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَجْعَلُونَ للَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، يَقُولُ: يَجْعَلُونَ للَّهِ الْبَنَاتِ تَرْضَوْنَهُنَّ لِي وَلَا تَرْضَوْنَهُنَّ لِأَنْفُسِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ جَارِيَةٌ أَمْسَكَهَا عَلَى هُونٍ، أَوْ دَسَّهَا فِي التُّرَابِ وَهِيَ
حَيَّةٌ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58] «وَهَذَا صَنِيعُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِخُبْثِ صَنِيعِهِمْ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، وَقَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قَضَاءِ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ، وَلَعَمْرِي مَا يَدْرِي أَنَّهُ خَيْرٌ، لَرُبَّ جَارِيَةٍ خَيْرٌ لِأَهْلِهَا مِنْ غُلَامٍ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَكُمُ اللَّهُ بِصَنِيعِهِمْ لِتَجْتَنِبُوهُ وَتَنْتَهُوا عَنْهُ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَغْذُو كَلْبَهُ وَيَئِدُ ابْنَتَهُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58] قَالَ: «حَزِينٌ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58] قَالَ: " الْكَظِيمُ: الْكَمِيدُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ، أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ، أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَتَوَارَى هَذَا الْمُبَشَّرُ بِوِلَادَةِ الْأُنْثَى مِنَ الْوَلَدِ لَهُ مِنَ
الْقَوْمِ، فَيَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: 59] يَعْنِي: مِنْ مَسَاءَتِهِ إِيَّاهُ مُمِيلًا بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ عَلَى هُونٍ: أَيْ عَلَى هَوَانٍ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ فِيمَا ذُكِرَ لِي، يَقُولُونَ لِلْهَوَانِ: الْهُونِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ: [البحر الطويل] فَلَمَّا خَشِيتُ الْهُونَ وَالْعَيْرُ مُمْسِكٌ ... عَلَى رَغْمِهِ مَا أَثْبَتَ الْحَبْلَ حَافِرُهْ وَبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ جَعَلَ الْهُونَ مَصْدَرًا لِلشَّيْءِ الْهَيِّنِ، ذَكَرَ الْكَسَائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ: إِنْ كُنْتَ لَقَلِيلُ هَوْنِ الْمُؤْنَةِ مُنْذُ الْيَوْمَ، قَالَ: وَسَمِعْتُ: الْهَوَانُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى، سَمِعْتُ مِنْهُمْ قَائِلًا يَقُولُ لِبَعِيرٍ لَهُ: مَا بِهِ بَأْسٌ غَيْرُ هَوَانِهِ، يَعْنِي خَفِيفَ الثَّمَنِ، فَإِذَا قَالُوا: هُوَ يَمْشِي عَلَى هَوْنِهِ، لَمْ يَقُولُوهُ إِلَّا بِفَتْحِ الْهَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] . ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: 59] يَقُولُ: يَدْفِنُهُ حَيًّا فِي التُّرَابِ فَيَئِدُهُ، كَمَا:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: 59] يَئِدُ ابْنَتَهُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: 59] يَقُولُ: أَلَا سَاءَ الْحُكْمُ الَّذِي يَحْكُمُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، وَذَلِكَ أَنْ جَعَلُوا للَّهِ مَا لَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَجَعَلُوا لِمَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ شِرْكًا فِيمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، وعَبَدُوا غَيْرَ مَنْ خَلَقَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: 60] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58] ، وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا للَّهِ الْبَنَاتِ،
فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل: 60] أَنَّهُ مَثَلٌ، وَعَنَى بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [النحل: 60] لِلَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْمَعَادِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل: 60] وَهُوَ الْقَبِيحُ مِنَ الْمَثَلِ، وَمَا يَسُوءُ مَنْ ضُرِبَ لَهُ ذَلِكَ الْمَثَلُ ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: 60] يَقُولُ: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَطْيَبُ، وَالْأَحْسَنُ، وَالْأَجْمَلُ، وَذَلِكَ التَّوْحِيدُ وَالْإِذْعَانُ لَهُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: 60] قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: 60] الْإِخْلَاصُ وَالتَّوْحِيدُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَعَهَا عُقُوبَةُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَلَا عُقُوبَةُ مَنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ وَشَاءَهُ، لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ، وَالْأَمْرَ أَمْرُهُ، الْحَكِيمُ فِي
تَدْبِيرِهِ، فَلَا يَدْخُلُ تَدْبِيرُهُ خَلَلٌ وَلَا خَطَأٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ﴾ [النحل: 61] عُصَاةَ بَنِي آدَمَ بِمَعَاصِيهِمْ، ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ [النحل: 61] يَعْنِي عَلَى الْأَرْضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الأنعام: 38] تَدِبُّ عَلَيْهَا
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ [النحل: 61] يَقُولُ: وَلَكِنْ بِحِلْمِهِ يُؤَخِّرُ هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ فَلَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: إِلَى وَقْتِهِمُ الَّذِي وَقَّتَ لَهُمْ ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: 34] يَقُولُ: فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي وَقَّتَ لِهَلَاكِهِمْ، ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الأعراف: 34] عَنِ الْهَلَاكِ سَاعَةً فَيُمْهَلُونَ، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34] لَهُ حَتَّى يَسْتَوفُوا آجَالَهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، قَالَ: " كَادَ الْجُعْلُ أَنْ يُعَذَّبَ بِذَنْبِ بَنِي آدَمَ وَقَرَأَ
: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: 61] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَكِيمٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «بَلَى، وَاللَّهِ إِنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا هُزَالًا بِظُلْمِ الظَّالِمِ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «خَطِيئَةُ ابْنِ آدَمَ قَتَلَتِ الْجُعْلَ»
حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «كَادَ الْجُعْلُ أَنْ يَهْلِكَ فِي جُحْرِهِ بِخَطِيئَةِ ابْنِ آدَمَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ اللَّهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34] قَالَ: «نَرَى أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ أَجَلُهُ فَلَا يُؤَخَّرُ سَاعَةً، وَلَا يُقَدَّمُ، مَا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُؤَخِّرُ مَا شَاءَ، وَيُقَدِّمُ مَا شَاءَ»