تفسير الطبري = جامع البيانوَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ [البقرة: 139] قُلْ أَتُخَاصِمُونَنَا وَتُجَادِلُونَنَا

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ [البقرة: 139] قُلْ أَتُخَاصِمُونَنَا وَتُجَادِلُونَنَا

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ [البقرة: 139] قُلْ أَتُخَاصِمُونَنَا "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ [البقرة: 139] أَتُخَاصِمُونَنَا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي

أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ [البقرة: 139] أَتُجَادِلُونَنَا "

فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: 139] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَنَحْنُ لِلَّهِ مُخْلِصُو الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَلَا نَعْبُدُ غَيْرَهُ أَحَدًا، كَمَا عَبَدَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ مَعَهُ الْأَوْثَانَ، وَأَصْحَابُ الْعِجْلِ مَعَهُ الْعِجْلَ.
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَوْبِيخٌ لِلْيَهُودِ وَاحْتِجَاجٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ

مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكُمْ: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: 135] : ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ [البقرة: 139] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فِي اللَّهِ﴾ [البقرة: 139] فِي دِينِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَنَا أَنْ نَدِينَهُ بِهِ، وَرَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَاحِدٌ عَدْلٌ لَا يَجُورُ، وَإِنَّمَا يُجَازَى الْعِبَادُ عَلَى مَا اكْتَسَبُوا.
وَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنَّا لِقِدَمِ دِينِكُمْ وَكِتَابِكُمْ وَنَبِيِّكُمْ، وَنَحْنُ مُخْلِصُونَ لَهُ الْعِبَادَةَ لَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَقَدْ أَشْرَكْتُمْ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ، فَعَبَدَ بَعْضُكُمُ الْعِجْلَ وَبَعْضُكُمُ الْمَسِيحَ.
فَأَنَّى تَكُونُوا خَيْرًا مِنَّا، وَأَوْلَى بِاللَّهِ مِنَّا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ [البقرة: 80] بِالتَّاءِ، فَمَنْ

قَرَأَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْقَائِلِينَ لَكَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: 135] أَتُجَادِلُونَنَا فِي اللَّهِ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ؟

فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ [البقرة: 139] . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا (أَمْ يَقُولُونَ) بِالْيَاءِ.
وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وُجِّهَ قَوْلُهُ: (أَمْ يَقُولُونَ) إِلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس: 38] وَكَمَا يُقَالُ: إِنَّهَا لَإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ.
وَإِنَّمَا جَعَلَهُ اسْتِفْهَامًا مُسْتَأَنَفًا لِمَجِيءِ خَبَرٍ مُسْتَأْنَفٍ، كَمَا يُقَالُ: أَتَقُومُ أَمْ يَقُومُ أَخُوكَ؟ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: أَمْ يَقُومُ أَخُوكَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا لِجُمْلَةٍ لَيْسَتْ مِنَ الْأَوَّلِ وَاسْتِفْهَامًا مُبْتَدَأً.
وَلَوْ كَانَ نَسَقًا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْأَوَّلِ لَكَانَ خَبَرًا عَنِ الْأَوَّلِ، فَقِيلَ: أَتَقُومُ أَمْ تَقْعُدُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ بِالْيَاءِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي بَعْدَ أَمْ جُمْلَةً تَامَّةً فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: قِيلَ أَيُّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ كَائِنٌ، هَذَا أَمْ هَذَا؟ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ [البقرة: 80] بِالتَّاءِ دُونَ الْيَاءِ عَطْفَا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ [البقرة: 139] بِمَعْنَى: أَيَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ تَفْعَلُونَ؟ أَتُجَادِلُونَنَا فِي دِينِ اللَّهِ، فَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى مِنَّا، وَأَهْدَى مِنَّا سَبِيلًا، وَأَمْرُنَا وَأَمْرُكُمْ مَا وَصَفْنَا عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ آنِفًا، أَمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَمَنْ سَمَّى اللَّهُ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى عَلَى مِلَّتِكُمْ، فَيَصِحُّ لِلنَّاسِ بَهْتُكُمْ وَكَذِبُكُمْ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ حَدَثَتْ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَغَيْرُ جَائِزَةٍ قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِالْيَاءِ لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ قِصَصَهُمْ.
يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ، وَتَزْعُمُونَ أَنَّ دِينَكُمْ أَفْضَلَ مِنْ دِينِنَا، وَأَنَّكُمْ عَلَى هُدًى وَنَحْنُ عَلَى ضَلَالَةٍ بِبُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَتَدْعُونَنَا إِلَى دِينِكُمْ؟ فَهَاتُوا بُرْهَانَكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَنَتَّبِعَكُمْ عَلَيْهِ.
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى عَلَى دِينِكُمْ؟ فَهَاتُوا عَلَى دَعْوَاكُمْ مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بُرْهَانًا فَنُصَدِّقَكُمْ.
فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنِ ادَّعَوْا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى: أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ وَبِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَدْيَانِ أَمِ اللَّهُ؟

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] يَعْنِي: فَإِنْ زَعَمَتْ يَا مُحَمَّدُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، فَمَنْ أَظْلَمُ مِنْهُمْ؟ يَقُولُ: وَأَيُّ امْرِئٍ أَظْلِمُ

مِنْهُمْ وَقَدْ كَتَمُوا شَهَادَةً عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا مُسْلِمِينَ.
فَكَتَمُوا ذَلِكَ وَنَحَلُوهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ

فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] ، قَالَ: فِي قَوْلِ يَهُودَ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُمَا إِنَّهُمْ كَانُوا يَهُودًا أَوْ نَصَارَى.
فَيَقُولُ اللَّهُ: لَا تَكْتُمُوا مِنِّي شَهَادَةً إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ فِيهِمْ.
وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَمَنْ أَظْلِمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] فِي قَوْلِ الْيَهُودِ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُمَا إِنَّهُمْ كَانُوا يَهُودًا أَوْ نَصَارَى.
فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: لَا تَكْتُمُوا مِنِّي الشَّهَادَةَ فِيهِمْ إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ فِيهِمْ.
وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ: " أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ.
. .﴾ [البقرة: 140] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلِمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ عِنْدَ الْقَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهَادَةٌ أَنَّ أَنْبِيَاءَهُ بُرَآءُ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، كَمَا أَنَّ عِنْدَ الْقَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهَادَةً أَنَّ أَمْوَالَكُمَ وَدِمَاءَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، فَبِمَ اسْتَحَلُّوهَا؟ "

حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] أَهْلُ الْكِتَابِ، كَتَمُوا الْإِسْلَامَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى، وَكَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ بِزَمَانٍ.
وَأَنَّهُ عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِنِ ادَّعَوْا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ سُمِّيَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، تَبَيَّنَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ هُمْ نُصَرَاؤُهُمْ كَذِبُهُمْ وَادِّعَاؤُهُمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْبَاطِلَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ حَدَثَتْ

بَعْدَهُمْ، وَإِنْ هُمْ نَفَوْا عَنْهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، قِيلَ لَهُمْ: فَهَلُمُّوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، فَإِنَّا وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ جَمِيعًا بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ، وَنَحْنُ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا خَالَفَ الدِّينَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] الْيَهُودَ فِي كِتْمَانِهِمْ أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: « ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ أُولَئِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَتَمُوا الْإِسْلَامَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وَاتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، وَكَتَمُوا مُحَمَّدًا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] ، قَالَ: الشَّهَادَةُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي كَتَمُوا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، نَحْوُ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ يَزِيدَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] ، قَالَ: هُمْ يَهُودٌ يُسْأَلُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ صِفَتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ، فَيَكْتُمُونَ الصِّفَةَ " وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140] فِي أَثَرِ قِصَّةِ مِنْ سَمَّى اللَّهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَأَمَامِ قِصَّتِهِ لَهُمْ.
فَأَوْلَى بِالَّذِي هُوَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَصَصِهِمِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَأَيَّةُ شَهَادَةٍ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ اللَّهِ فِي أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ؟ قِيلَ: الشَّهَادَةُ الَّتِي عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ فِي أَمْرِهِمْ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَأَمَرَهُمْ فِيهَا بِالِاسْتِنَانِ بِسُنَّتِهِمْ وَاتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ.
وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ الَّتِي كَتَمُوهَا حِينَ دَعَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا لَهُ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 111] وَقَالُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: 135] . فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي تَكْذِيبِهِمْ وَكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْبَاطِلَ وَالزُّورَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَقُلْ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ يُحَاجُّونَكَ يَا مُحَمَّدُ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] مِنْ كِتْمَانِكُمُ الْحَقَّ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ فِي كِتَابِهِ بَيَانَهُ لِلنَّاسِ، مِنْ أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ

وَالْأَسْبَاطِ فِي أَمْرِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الدَّيْنُونَةُ بِهِ دُونَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمِلَلِ.
وَلَا هُوَ سَاهٍ عَنْ عِقَابِكُمْ عَلَى فِعْلِكُمْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُحْصٍ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ مِنَ الْجَزَاءِ مَا أَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ.
فَجَازَاهُمْ عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ وَإِجْلَائِهِ عَنْ وَطَنِهِ وَدَارِهِ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ الْعَذَابَ الْمُهِينَ

جارٍ التحميل