تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33] يَقُولُ: وَأَكُنْ بِصَبْوَتِي إِلَيْهِنَّ مِنَ الَّذِينَ جَهِلُوا حَقَّكَ وَخَالَفُوا أَمْرَكَ وَنَهْيَكَ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33] يَقُولُ: وَأَكُنْ بِصَبْوَتِي إِلَيْهِنَّ مِنَ الَّذِينَ جَهِلُوا حَقَّكَ وَخَالَفُوا أَمْرَكَ وَنَهْيَكَ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33] : أَيْ جَاهِلًا إِذَا رَكِبْتُ مَعْصِيَتَكَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: 34] إِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: 34] وَلَا مَسْأَلَةَ تَقَدَّمَتْ مِنْ يُوسُفَ لِرَبِّهِ، وَلَا دَعَا بِصَرْفِ كَيْدِهِنَّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ رَبَّهُ أَنَّ السِّجْنَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ؟ قِيلَ: إِنَّ فِي إِخْبَارِهِ بِذَلِكَ شِكَايَةً

مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ مِمَّا لَقِيَ مِنْهُنَّ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: 33] مَعْنَى دُعَاءٍ وَمَسْأَلَةٍ مِنْهُ رَبَّهُ صَرْفَ كَيْدِهِنَّ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: 34] وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِآخَرَ: إِنْ لَا تَزُرْنِي أُهِنْكَ، فَيُجِيبُهُ الْآخَرُ: إِذَنْ أَزُورَكَ، لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: إِنْ لَا تَزُرْنِي أُهِنْكَ، مَعْنَى الْأَمْرِ بِالزِّيَارَةِ.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِيُوسُفَ دُعَاءَهُ، فَصَرَفَ عَنْهُ مَا أَرَادَتْ مِنْهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ وَصَوَاحِبَاتُهَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: 34] : أَيْ نَجَّاهُ مِنْ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ فِيهِنَّ، وَقَدْ نَزَلَ بِهِ بَعْضُ مَا حَذَرَ مِنْهُنَّ "

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ [الأنفال: 61] دُعَاءَ يُوسُفَ حِينَ دَعَاهُ بِصَرْفِ كَيَدِ النِّسْوَةِ عَنْهُ، وَدُعَاءَ كُلِّ دَاعٍ مِنْ خَلْقِهِ.
﴿الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 32] بِمَطْلَبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَمَا يُصْلِحُهُ، وَبِحَاجَةِ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ بَدَا لِلْعَزِيزِ زَوْجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي رَاوَدْتُ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ: «بَدَا لَهُمْ» ، وَهُوَ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بِاسْمِهِ، وَيُقْصَدُ بِعَيْنِهِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173] وَقِيلَ: إِنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَانَ وَاحِدًا.
وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ [يوسف: 35] فِي الرَّأْيِ الَّذِي كَانُوا رَأَوْهُ مِنْ تَرْكِ يُوسُفَ مُطْلَقًا، وَرَأَوْا أَنْ يَسْجُنُوهُ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ [يوسف: 35] بِبَرَاءَتِهِ مِمَّا قَذَفَتْهُ بِهِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ.
وَتِلْكَ الْآيَاتُ كَانَتْ: قَدَّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ، وَخَمْشًا فِي الْوَجْهِ، وَقَطْعَ أَيْدِيهِنَّ

كَمَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ نَضْرِ بْنِ عَرَبِي، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ [يوسف: 35] قَالَ: كَانَ مِنَ الْآيَاتِ قَدٌّ فِي

الْقَمِيصِ وَخَمْشٌ فِي الْوَجْهِ " حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ نَضْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدَ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ [يوسف: 35] قَالَ: قَدَّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ [يوسف: 35] قَالَ: قَدَّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ قَالَ: وثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ [يوسف: 35] قَالَ: الْآيَاتُ: حَزُّهُنَّ أَيْدِيَهُنَّ، وَقَدُّ الْقَمِيصِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «قَدُّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] بِبَرَاءَتِهِ مِمَّا اتُّهِمَ بِهِ مِنْ شَقِّ قَمِيصِهِ مِنْ دُبُرٍ، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ [يوسف: 35] قَالَ: الْآيَاتُ: الْقَمِيصُ، وَقَطْعُ الْأَيْدِي "

وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينَ﴾ [يوسف: 35] يَقُولُ: لَيَسْجُنُنَّهُ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ رَأْيَهُمْ.
وَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْحَبْسَ لِيُوسُفَ فِيمَا ذُكِرَ عُقُوبَةً لَهُ مِنْ هَمِّهِ بِالْمَرْأَةِ وَكَفَّارَةً لِخَطِيئَتِهِ

حُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] عَثَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَلَاثَ عَثَرَاتٍ: حِينَ هَمَّ بِهَا فَسُجِنَ، وَحِينَ قَالَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42] فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، وَقَالَ لَهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: 70] فَ ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 77] " وَذُكِرَ أَنَّ سَبَبَ حَبْسِهِ فِي السِّجْنِ: كَانَ شَكْوَى امْرَأَةِ الْعَزِيزِ إِلَى زَوْجِهَا

أَمْرَهُ وَأَمْرَهَا

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] قَالَ: قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْعِبْرَانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاسِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ وَيُخْبِرُهُمْ أَنِّي رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَسْتُ أُطِيقُ أَنْ أَعْتَذِرَ بِعُذْرِي، فَإِمَّا أَنْ تَأْذَنَ لِي فَأَخْرَجَ فَأَعْتَذِرَ، وَإِمَّا أَنْ تَحْبِسَهُ كَمَا حَبَسْتَنِي، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] " وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ هَذِهِ اللَّامِ فِي: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: دَخَلَتْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَقَعُ فِيهِ «أَيْ» ، فَلَمَّا كَانَ حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ يَدْخُلُ فِيهِ دَخَلَتْهُ النُّونُ، لِأَنَّ النُّونَ تَكُونُ فِي الِاسْتِفْهَامِ، تَقُولُ: بَدَا لَهُمْ أَيُّهُمْ يَأْخُذُنَّ: أَيِ اسْتَبَانَ لَهُمْ.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ: هَذَا يَمِينٌ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: هَلْ تَقُومَنَّ بِيَمِينٍ، وَلَتَقُومَنَّ، لَا يَكُونُ إِلَّا يَمِينًا.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: بَدَا لَهُمْ، بِمَعْنَى: الْقَوْلُ، وَالْقَوْلُ يَأْتِي بِكُلٍّ: الْكَلَامُ بِالْقَسَمِ وَبِالِاسْتِفْهَامِ، فَلِذَلِكَ جَازَ: بَدَا لَهُمْ قَامَ زَيْدٌ، وَبَدَا لَهُمْ لَيَقُومَنَّ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْحِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنِيٌّ بِهِ سَبْعُ سِنِينَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، " ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] قَالَ: سَبْعِ سِنِينَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَدَخَلَ مَعَ يُوسُفَ السِّجْنَ فَتَيَانِ، فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى مَتْرُوكٍ قَدْ تُرِكَ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ:

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] فَسَجَنُوهُ وَأَدْخَلُوهُ السِّجْنَ، وَدَخَلَ مَعَهُ فَتَيَانِ، فَاسْتَغْنَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: 36] عَلَى إِدْخَالِهِمْ يُوسُفَ السِّجْنَ مِنْ ذِكْرِهِ.
وَكَانَ الْفِتْيَانُ فِيمَا ذُكِرَ: غُلَامَيْنِ مِنْ غِلْمَانِ مَلِكِ مِصْرَ الْأَكْبَرِ: أَحَدُهُمَا صَاحِبُ شَرَابِهِ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ طَعَامِهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " فَطُرِحَ فِي السِّجْنِ، يَعْنِي يُوسُفَ، وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ، غُلَامَانِ كَانَا لِلْمَلِكِ الْأَكْبَرِ: الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ، كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى شَرَابِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى بَعْضِ أَمْرِهِ، فِي

سَخْطَةٍ سَخِطَهَا عَلَيْهِمَا، اسْمُ أَحَدِهِمَا مَجْلَثُ، وَالْآخَرُ نَبُو، وَنَبُو الَّذِي كَانَ عَلَى الشَّرَابِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: 36] قَالَ: كَانَ أَحَدُهُمَا خَبَّازًا لِلْمَلِكِ عَلَى طَعَامِهِ، وَكَانَ الْآخَرُ سَاقِيهِ عَلَى شَرَابِهِ " وَكَانَ سَبَبُ حَبْسِ الْمَلِكِ الْفَتَيَيْنِ فِيمَا ذُكِرَ

مَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " إِنَّ الْمَلِكَ غَضِبَ عَلَى خَبَّازِهِ، بَلَغَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُسِمَّهُ، فَحَبَسَهُ وَحَبَسَ صَاحِبَ شَرَابِهِ، ظَنَّ أَنَّهُ مَالَأَهُ عَلَى ذَلِكَ فَحَبَسَهُمَا جَمِيعًا؛ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنُ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: 36] "

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36] ذُكِرَ أَنَّ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمَّا أُدْخِلَ السِّجْنَ، قَالَ لِمَنْ فِيهِ مِنَ الْمُحَبَّسِينَ، وَسَأَلُوهُ عَنْ عَمَلِهِ:

إِنِّي أَعْبُرُ الرُّؤْيَا، فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ اللَّذَيْنِ أُدْخِلَا مَعَهُ السِّجْنَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ فَلْنُجَرِّبْهُ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا دَخَلَ يُوسُفُ السِّجْنَ قَالَ: أَنَا أَعْبُرُ الْأَحْلَامَ.
فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ لِصَاحِبِهِ: هَلُمَّ نُجَرِّبُ هَذَا الْعَبْدَ الْعِبْرَانِيَّ نَتَرَاءَى لَهُ فَسَأَلَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَا رَأَيَا شَيْئًا.
فَقَالَ الْخَبَّازُ: إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، وَابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «مَا رَأَى صَاحِبَا يُوسُفَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا لِيُجَرِّبَا عَلِمَهُ» وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا سَأَلَهُ الْفِتْيَانِ عَنْ رُؤْيَا كَانَا رَأَيَاهَا عَلَى صِحَّةٍ وَحَقِيقَةٍ، وَعَلَى تَصْدِيقٍ مِنْهُمَا لِيُوسُفَ لَعَلِمِهِ بِتَعْبِيرِهَا ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " لَمَّا رَأَى الْفِتْيَانِ يُوسُفَ، قَالَا: وَاللَّهِ يَا فَتَى لَقَدْ أَحْبَبْنَاكَ حِينَ رَأَيْنَاكَ "

قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ " أَنْ يُوسُفَ، قَالَ لَهُمْ حِينَ قَالَا لَهُ ذَلِكَ: أَنْشُدُكُمَا اللَّهُ أَنْ لَا تُحِبَّانِي فَوَاللَّهِ مَا أَحَبَّنِي أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا دَخَلَ عَلَيَّ مِنْ حُبِّهِ بَلَاءٌ، لَقَدْ أَحَبَّتْنِي عَمَّتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ مِنْ حُبِّهَا بَلَاءٌ، ثُمَّ لَقَدْ أَحَبَّنِي أَبِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ بِحُبِّهِ بَلَاءٌ، ثُمَّ لَقَدْ أَحَبَّتْنِي زَوْجَةُ صَاحِبِي هَذَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ بِحُبِّهَا إِيَّايَ بَلَاءٌ، فَلَا تُحِبَّانِي بَارِكَ اللَّهُ فِيكُمَا قَالَ: فَأَبَيَا إِلَّا حُبَّهُ، وَإِلْفَهُ حَيْثُ كَانَ، وَجَعَلَا يُعْجِبُهُمَا مَا يَرَيَانِ مِنْ فَهْمِهِ وَعَقْلِهِ، وَقَدْ كَانَا رَأَيَا حِينَ أُدْخِلَا السِّجْنَ رُؤْيَا، فَرَأَى مَجْلِثُ أَنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ، خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، وَرَأَى نَبُو أَنَّهُ يَعْصِرُ خَمْرًا، فَاسْتَفْتِيَاهُ فِيهَا وَقَالَا لَهُ: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36] إِنْ فَعَلْتَ " وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36] أَيْ إِنِّي أَرَى فِي نَوْمِي أَنِّي أَعْصِرُ عِنَبًا.
وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الصَّائِغِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةَ، قَالَ " فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا»

وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ لُغَةِ أَهْلِ عُمَانَ، وَأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36] يَقُولُ: أَعْصِرُ عِنَبًا، وَهُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ عُمَانَ، يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، وَثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36] قَالَ: عِنَبًا، أَرْضُ كَذَا وَكَذَا يَدْعُونَ الْعِنَبَ خَمْرًا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36] قَالَ: عِنَبًا "

حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " أَتَاهُ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنِّي غَرَسْتُ حَبَلَةً مِنْ عِنَبٍ، فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَنَاقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ، ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ الْمَلِكَ، فَقَالَ: تَمْكُثُ فِي السِّجْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الْآخَرُ مِنَ الْفَتَيَيْنِ: إِنِّي أَرَانِي فِي مَنَامِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا؛ يَقُولُ: أَحْمِلُ عَلَى رَأْسِي، فَوُضِعَتْ «فَوْقَ» مَكَانَ «عَلَى» ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ [يوسف: 36] يَعْنِي مِنَ الْخُبْزِ

جارٍ التحميل