وَقَوْلُهُ: ﴿هُنَالِكَ﴾ [آل عمران: 38] مِنْ صِلَةِ مَهْزُومٌ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً، وَكَانَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذًى، أَمَرَهُ اللَّهُ بِالصَّبِرِ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ قَضَاؤُهُ فِيهِمْ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] بَيَانُ أَيِّ الْقُطُوطِ إِرَادَتُهُمْ، لَمْ يَكُنْ لِمَا تَوْجِيهُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ الْقُطُوطَ بِبَعْضِ مَعَانِي الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ مَسْأَلَتَمْ كَانَتْ بِمَا ذَكَرْتُ مِنْ حُظُوظِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى
مَا يَقُولُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ لَكَ مِمَّا تَكْرَهُ قِيلَهُمْ لَكَ، فَإِنَّا مُمْتَحِنُوكَ بِالْمَكَارِهِ امْتِحَانَنَا سَائِرَ رُسُلِنَا قَبْلَكَ، ثُمَّ جَاعِلُو الْعُلُوَّ وَالرِّفْعَةَ وَالظَّفَرَ لَكَ عَلَى مَنْ كَذَّبَكَ وَشَاقَّكَ سُنَّتَنَا فِي الرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ إِلَى عِبَادِنَا قَبْلَكَ فَمِنْهُمْ عَبْدُنَا أَيُّوبُ وَدَاوُدُ بْنُ إِيشَا، فَاذْكُرْهُ ذَا الْأَيْدِ؛ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: 17] ذَا الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ الشَّدِيدِ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ قَالَ: «ذَا الْقُوَّةِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثني أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: 17] قَالَ: «ذَا الْقُوَّةِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿اذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ قَالَ: «أُعْطِيَ قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ، وَفِقْهًا فِي الْإِسْلَامِ» وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ دَاوُدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ «ذَا الْقُوَّةِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ قَالَ: " ذَا الْقُوَّةِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ " وَقَرَأَ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] قَالَ: «بِقُوَّةٍ»
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17] يَقُولُ: إِنَّ دَاوُدَ رَجَّاعٌ لِمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إِلَى مَا يُرْضِيهِ أَوَّابٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: آبَ الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ: إِذَا رَجَعَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17] قَالَ: «رَجَّاعٌ عَنِ الذُّنُوبِ»
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17] قَالَ: «الرَّاجِعُ عَنِ الذُّنُوبِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17] «أَيْ كَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ كَثِيرَ الصَّلَاةِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17] قَالَ: «الْمُسَبِّحُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17] قَالَ: " الْأَوَّابُ التَّوَّابُ الَّذِي يَؤُوبُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَيَرْجِعُ إِلَيْهَا، ذَلِكَ الْأَوَّابُ، قَالَ: وَالْأَوَّابُ: الْمُطِيعُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ مَعَ دَاوُدَ بِالْعَشِيِّ، وَذَلِكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ، وَالْإِشْرَاقِ، وَذَلِكَ بِالْغَدَاةِ وَقْتَ الضُّحَى ذِكْرُ أَنَّ دَاوُدَ كَانَ إِذَا سَبَّحَ سَبَّحَتْ مَعَهُ الْجِبَالُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: 18] بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ «يُسَبِّحْنَ مَعَ دَاوُدَ إِذَا سَبَّحَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: 18] قَالَ: «حِينَ تُشْرِقَ الشَّمْسُ وَتَضْحَى»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ
مُوسَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ، ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ لِهَذِهِ السَّاعَةِ صَلَاةً، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: 18]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا صَدَقَةُ، قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى، قَالَ: فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ، فَقُلْتُ: اخْبِرِي هَذَا بِمَا أَخْبَرْتِنِي بِهِ، فَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فِي بَيْتِي، فَأَمَرَ بِمَاءٍ فَصَبَّ فِي قَصعَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ رَشَّ نَاحِيَةَ الْبَيْتِ فَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، وَذَلِكَ مِنَ الضُّحَى قِيَامُهُنَّ وَرُكُوعُهُنَّ وَسُجُودُهُنَّ وَجُلُوسُهُنَّ سَوَاءٌ، قَرِيبٌ بَعْضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ قَرَأْتِ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، مَا عَرَفْتُ صَلَاةَ الضُّحَى إِلَّا الْآنَ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: 18] وَكُنْتُ أَقُولُ: أَيْنَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ، ثُمَّ قَالَ: بَعْدَهُنَّ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ " حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مُتَوَكِّلٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ صَفْوَانَ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ابْنَةَ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ دَخَلَ
عَلَيْهَا ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص: 18] مِثْلُ ذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَسَخَّرْنَا الطَّيْرَ يُسَبِّحْنَ مَعَهُ مَحْشُورَةً بِمَعْنَى: مَجْمُوعَةً لَهُ؛ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَبَّحَ إِجَابَتْهُ الْجِبَالُ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الطَّيْرُ، فَسَبَّحَتْ مَعَهُ وَاجْتِمَاعُهَا إِلَيْهِ كَانَ حَشْرَهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْحَشْرِ فِيمَا مَضَى،
فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: 19] «مُسَخَّرَةً»
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 19] يَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ لَهُ مُطِيعٌ رَجَّاعٌ إِلَى طَاعَتِهِ وَأَمْرِهِ.
وَيَعْنِي بِالْكُلِّ: كُلِّ الطَّيْرِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 19] أَيْ مُطِيعٌ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 19] قَالَ: «كُلٌّ لَهُ مُطِيعٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: كُلُّ ذَلِكَ لِلَّهِ مُسَبِّحٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 19] يَقُولُ: «مُسَبِّحٌ لِلَّهِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: 20] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ شَدَّدَ مُلْكَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَدَّدَ ذَلِكَ بِالْجُنُودِ وَالرِّجَالِ، فَكَانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: 20] قَالَ: «كَانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ»
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ الَّذِي شَدَّدَ بِهِ مُلْكَهُ أَنْ أُعْطِي هَيْبَةً مِنَ النَّاسِ لَهُ لِقَضِيَّةٍ كَانَ قَضَاهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي ابْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا مُوسَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عِلْبَاءِ بْنِ أَحْمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ دَاوُدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْمُسْتَعْدِي: إِنَّ هَذَا اغْتَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَأَلَ دَاوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَأَلَ الْآخَرَ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقَالَ لَهُمَا دَاوُدُ: قَوْمَا حَتَّى أَنْظُرُ فِي أَمْرِكُمَا؛ فَقَامَا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتُعْدِيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذِهِ رُؤْيَا وَلَسْتُ أَعْجَلَ حَتَّى أَتَثَبَّتُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ فِي مَنَامِهِ مَرَّةً أُخْرَى أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ تَأْتِيهِ الْعُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى الرَّجُلِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أَقَتُلَكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا تَثَبُّتٍ؟ فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ؛ فَلَمَّا عَرَفَ الرَّجُلُ أَنَّهُ قَاتِلُهُ، قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتَّى أُخْبِرَكَ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُخِذْتُ بِهَذَا الذَّنْبِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ وَلَدَ هَذَا فَقَتَلْتُهُ، فَبِذَلِكَ قُتِلْتُ، فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ فَقُتِلَ، فَاشْتَدَّتْ هَيْبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ لِدَاوُدَ، وَشَدَّدَ بِهِ مُلْكَهُ، فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: 20]
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ شَدَّدَ مُلْكَ دَاوُدَ، وَلَمْ يُحْضِرْ ذَلِكَ مِنْ تُشْدِيدِهِ عَلَى التَّشْدِيدِ بِالرِّجَالِ وَالْجُنُودِ دُونَ الْهَيْبَةِ مِنَ النَّاسِ لَهُ وَلَا عَلَى هَيْبَةِ النَّاسِ لَهُ دُونَ الْجُنُودِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَشْدِيدُهُ ذَلِكَ كَانَ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِجَمِيعِهَا، وَلَا قَوْلَ أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، إِذْ لَمْ يَحْصُرْ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ مَعَانِي التَّشْدِيدِ خَبَرٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ