وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: 62] يَقُولُ: وَيَسْتَخْلِفُ بَعْدَ أُمَرَائِكُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْكُمْ خُلَفَاءَ أَحْيَاءَ يَخْلُفُونَهُمْ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 60] يَقُولُ: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ سِوَاهُ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِكُمْ،
وَيُنْعِمُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعَمَ؟
وَقَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3] يَقُولُ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَأَيَادِيهِ عِنْدَكُمْ تَذْكُرُونَ وَتَعْتَبِرُونَ حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يَسِيرًا، فَلِذَلِكَ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ غَيْرَهُ فِي عِبَادَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ، وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ مَا تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ خَيْرٌ، أَمِ الَّذِي يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ إِذَا ضَلَلْتُمْ فِيهِمَا الطَّرِيقَ، فَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمُ
السُّبُلُ فِيهِمَا؟
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلَهُ: " ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: 63] وَالظُّلُمَاتُ فِي الْبِرِّ ضَلَالَةُ الطَّرِيقِ، وَالْبَحْرِ ضَلَالَةُ طَرِيقِهِ، وَمَوْجُهُ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ "
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) يَقُولُ: وَالَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُرًا لِمَوَتَانِ الْأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، يَعْنِي: قُدَّامَ الْغَيْثِ الَّذِي يُحْيِي مَوَاتَ الْأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ سِوَى اللَّهِ يَفْعَلُ بِكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَتَعْبُدُوهُ مِنْ دُونِهِ، أَوْ تُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ.
﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾ [النمل: 63] يَقُولُ: لِلَّهِ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ عَنْ شِرْكِكُمُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ، وَعِبَادَتِكُمْ مَعَهُ مَا تَعْبُدُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ مَا تُشْرِكُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ خَيْرٌ، أَمِ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَيُنْشِئُهُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، وَيَبْتَدِعُهُ ثُمَّ يَفْنِيهِ إِذَا شَاءَ،
ثُمَّ يُعِيدُهُ إِذَا أَرَادَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْنِيَهُ، وَالَّذِي يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيُنْزِلُ مِنْ هَذِهِ الْغَيْثَ، وَيُنْبِتُ مِنْ هَذِهِ النَّبَاتَ لِأَقْوَاتِكُمْ، وَأَقْوَاتِ أَنْعَامكُمْ.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 60] سِوَى اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ إِلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، فَ ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: 111] أَيْ حُجَّتَكُمْ عَلَى أَنَّ شَيْئًا سِوَى اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] فِي دَعْوَاكُمْ.
و «مَنْ» الَّتِي فِي «أَمَّنْ» وَ «مَا» مُبْتَدَأٌ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا يُشْرِكُونَ، وَالْآيَاتُ بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: 64] بِمَعْنَى «الَّذِي» ، لَا بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَدْخُلُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا، بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِسَائِلِيكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَنِ السَّاعَةِ مَتَى هِيَ قَائِمَةٌ ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾ الَّذِي قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَحَجَبَ عَنْهُ خَلْقَهُ غَيْرَهُ وَالسَّاعَةُ مِنْ ذَلِكَ ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9] يَقُولُ: وما يَدْرِي مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ مَتَى هُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِقِيَامِ السَّاعَةِ
وَقَدْ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: " مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ رَفْعِ اللَّهِ، فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ كَمَا تَقُولُ: إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ.
وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَلِيلًا بَدَلًا مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّكَ نَفَيْتَهُ عَنْهُ وَجَعَلْتَهُ لِلْآخَرِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَتَوَهَّمَ فِي «مَنْ» الْمَجْهُولَ، فَتَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى: قُلْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَنْ»
مَعْرِفَةً، وَنَزَلَ مَا بَعْدَ «إِلَّا» عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَطْفًا وَلَا يَكُونُ بَدَلًا، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَنْفِيُّ، وَالثَّانِي مُثْبَتٌ، فَيَكُونُ فِي النَّسَقِ كَمَا تَقُولُ: قَامَ زَيْدٌ إِلَّا عَمْرٌو، فَيَكُونُ الثَّانِي عَطْفًا عَلَى الْأَوَّلِ، وَالتَّأْوِيلُ جَحَدَ، وَلَا يَكُونُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ جَحْدًا، أَوِ الْجَحْدُ خَبَرًا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 66] وَقَلِيلًا؛ مَنْ نَصَبَ فَعَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الْعَطْفِ، وَلَا يَكُونُ بَدَلًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: 66] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ [النمل: 66] بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ «بَلْ» وَتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنْ «ادَّارَكَ» ، بِمَعْنَى: بَلْ تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ أَيْ تَتَابَعَ عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ هَلْ هِيَ كَائِنَةٌ أَمْ لَا، ثُمَّ
أَدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ كَمَا قِيلَ: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38] وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) ، بِسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْأَلْفِ، بِمَعْنَى هَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ عَلِمَ الْآخِرَةِ.
وَكَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يُنْكِرُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: (بَلْ أَدْرَكَ) ،
وَيَقُولُ: إِنَّ «بَلْ» إِيجَابٌ وَالِاسْتِفْهَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْكَارٌ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ (بَلْ أَدْرَكَ) ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَبِالِاسْتِفْهَامِ قَرَأَ ذَلِكَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو أَنْكَرَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي ذَكَرْتُ عَنِ الْمَكِّيِّينَ أَنَّهُمْ قَرَءُوهُ ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي مَوْضِعِ بَلْ: أَمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَرَأَ «أَمْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ» . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقْرَأُ بِإِثْبَاتِ يَاءٍ فِي بَلْ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ أَدَّارَكَ بِفَتْحِ أَلِفِهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: «بَلَى أَدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ» : أَيْ لَمْ يُدْرِكْ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ «بَلَى أَدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ» إِنَّمَا هُوَ
اسْتِفْهَامٌ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ". وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَاتِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ الْقِرَاءَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرْتُ إِحْدَاهُمَا عَنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ، وَهِيَ (بَلْ أَدْرَكَ) ، بِسُكُونِ لَامِ بَلْ وَفَتْحِ أَلْفِ أَدْرَكَ وَتَخْفِيفِ دَالِهَا، وَالْأُخْرَى مِنْهُمَا عَنْ قِرَاءَةِ الْكُوفَةِ، وَهِيَ ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ [النمل: 66] ، بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ ادَّارَكَ، لِأَنَّهُمَا الْقَرَاءَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ عِنْدَنَا.
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةَ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ، فَخِلَافٌ لَمَّا عَلَيْهِ مَصَاحِفُ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ فِيَ بَلَى زِيَادَةُ يَاءٍ فِي قِرَاءَاتِهِ لَيْسَتْ فِي الْمَصَاحِفِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ قِرَاءَةٌ لَا نَعْلَمُهَا قَرَأَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْتُ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَإِنَّ الَّذِي قَالَ فِيهَا أَبُو عَمْرٍو قَوْلٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُحَقِّقُ بِبَلْ مَا بَعْدَهَا لَا تَنْفِيهِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْكَارٌ لَا إِثْبَاتٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ مِنَ السَّاعَةِ فِي شَكٍّ، فَقَالَ: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: 66] . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَأَيْقَنُوهَا إِذْ عَايَنُوهَا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمْ يَقِينُهُمْ بِهَا، إِذْ كَانُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا مُكَذِّبِينَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ) قَالَ: بَصَرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْعِلْمُ وَالْبَصَرُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: بَلْ غَابَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) يَقُولُ: غَابَ عِلْمُهُمْ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: 66] قَالَ: يَقُولُ: ضَلَّ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا عِلْمٌ، ﴿هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: 66] ". وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَمْ يَبْلُغْ لَهُمْ فِيهَا عِلْمٌ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: ثنا
الْحُسَيْنُ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: 66] قَالَ: كَانَ يَقْرَؤُهَا: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) ، قَالَ: لَمْ يَبْلُغْ لَهُمْ فِيهَا عِلْمٌ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهَا مِنْهُمْ رَغْبَةٌ ". وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: بَلْ أَدْرَكَ: أَمْ أَدْرَكَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ) ، قَالَ: أَمْ أَدْرَكَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ) ، قَالَ: أَمْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ مِنْ أَيْنَ يُدْرَكُ عِلْمُهُمْ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (بَلْ أَدْرَكَ) ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ: إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يَبْعَثُونَ﴾ [النحل: 21] بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ نَفْسَ وَقْتِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ حِينَ يَبْعَثُونَ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ عِلْمُهُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ مِنْهَا فِي شَكٍّ، بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ قَدِ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ظَهْرَ مِنْهُ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يَبْعَثُونَ، بَلْ يَشْعُرُونَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، فَالْكَلَامُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يَبْعَثُونَ، بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ هُمْ فِي الدُّنْيَا فِي شَكٍّ مِنْهَا.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ [النمل: 66] بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، فَالْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى بَلْ: أَمْ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ أَمْ مَوْضِعَ بَلْ، وَمَوْضِعَ بَلْ: أَمْ، إِذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ اسْتِفْهَامٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ ... أَمِ النَّوْمُ أَمْ كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ
يَعْنِي بِذَلِكَ بَلْ كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبٌ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يَبْعَثُونَ، بَلْ تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ: يَعْنِي تَتَابَعَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ: أَيْ بِعِلْمِ الْآخِرَةِ: أَيْ لَمْ يَتَتَابَعْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمُوهُ، بَلْ غَابَ عِلْمُهُمْ عَنْهُ، وَضَلَّ فَلَمْ يَبْلُغُوهُ وَلَمْ يُدْرِكُوهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ [النمل: 66] يَقُولُ: بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ فِي شَكٍّ مِنْ قِيَامِهَا لَا يُوقِنُونَ بِهَا وَلَا يُصَدِّقُونَ بِأَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ.
﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: 66] يَقُولُ: بَلْ هُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِقِيَامِهَا عَمُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل: 68]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِنَا أَحْيَاءً، كَهَيْئَتِنَا مِنْ بَعْدِ مَمَاتِنَا بَعْدَ أَنْ كُنَّا فِيهَا تُرَابًا قَدْ بَلِينَا.
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [النمل: 68] يَقُولُ: لَقَدْ وَعَدَنَا هَذَا مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ وَاعِدُونَ وَعَدُوا ذَلِكَ آبَاءَنَا، فَلَمْ نَرَ لِذَلِكَ حَقِيقَةً، وَلَمْ نَتَبَيَّنْ لَهُ صِحَّةً.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: 25] يَقُولُ: قَالُوا: مَا هَذَا الْوَعْدُ إِلَّا مَا سَطَرَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ فِي كُتُبِهِمْ، فَأَثْبَتُوهُ فِيهَا وَتَحَدَّثُوا بِهِ مِنْ
غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ صِحَّةٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَنْبَاءِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾
[النمل: 69] إِلَى دِيَارِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ رُسُلِ اللَّهِ وَمَسَاكِنِهِمْ كَيْفَ هِيَ، أَلَمْ يُخْرِبْهَا اللَّهُ، وَيُهْلِكْ أَهْلَهَا بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ، وَرَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ نَصَائِحَهُمْ فَخَلَتْ مِنْهُمُ الدِّيَارُ وَتَعَفَّتْ مِنْهُمُ الرُّسُومُ وَالْآثَارُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَاقِبَةَ إِجْرَامِهِمْ، وَذَلِكَ سُنَّةُ رَبِّكُمْ فِي كُلِّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي تَكْذِيبِ رُسُلِ رَبِّهِمْ، وَاللَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ بِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ لَمْ تُبَادِرُوا الْإِنَابَةَ مِنْ كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ رَسُولَ رَبِّكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: 88] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا تَحْزَنْ عَلَى إِدْبَارِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَنْكَ وَتَكْذِيبِهِمْ لَكَ.
﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: 70] يَقُولُ: وَلَا يَضِقْ صَدْرُكَ مِنْ مَكْرِهِمْ بِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ، وَمُهْلِكُهُمْ قَتْلًا بِالسَّيْفِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَقُولُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ، الْمُكَذِّبُوكَ فِيمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ.
﴿مَتَى﴾ [البقرة: 214] يَكُونُ ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: 48] الَّذِي تَعِدْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ، الَّذِي هُوَ بِنَا فِيمَا تَقُولُ
حَالٌّ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] فِيمَا تَعِدُونَنَا بِهِ.
﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: عَسَى أَنْ يَكُونَ اقْتَرَبَ لَكُمْ وَدَنَا ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: 72] مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] يَقُولُ: اقْتَرَبَ لَكُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: 72] يَقُولُ: اقْتَرَبَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] قَالَ: رَدِفَ: أُعْجِلَ لَكُمْ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: 72] قَالَ: أَزِفَ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] اقْتَرَبَ لَكُمْ ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] وَكَلَامُ الْعَرَبِ الْمَعْرُوفُ: رَدِفَهُ أَمَرٌ، وَأَرْدَفَهُ، كَمَا يُقَالُ: تَبِعَهُ وَأَتْبَعَهُ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: أَدْخَلَ اللَّامَ فِي ذَلِكَ فَأَضَافَ بِهَا الْفِعْلَ كَمَا يُقَالُ: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] وَ ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: أَدْخَلَ اللَّامَ فِي ذَلِكَ لِلْمَعْنَى، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: دَنَا لَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] فَقُلْتُ لَهَا الْحَاجَاتُ يَطْرَحْنَ بِالْفَتَى فَأَدْخَلَ الْبَاءَ فِي يَطْرَحْنَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ طَرَحَتْهُ، لِأَنَّ مَعْنَى الطَّرْحِ: الرَّمْي، فَأَدْخَلَ الْبَاءَ لِلْمَعْنَى، إِذْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ يَرْمِينَ بِالْفَتَى، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ أَوْلَاهُمَا عِنْدِي بِالصَّوَابِ، وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ نَظَائِرِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ بِمَا أَغْنَى عَنْ تِكْرَارِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: 72] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.