تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 108-121

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: 226] الَّذِينَ يَقْسِمُونَ أَلِيَّةً، وَالْأَلِيَّةُ: الْحَلِفُ

صفحات 108-121
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الْحَيْضُ وَالْحَبَلُ، قَالَ: تَفْسِيرُهُ أَنْ لَا تَقُولَ إِنِّي حَائِضٌ وَلَيْسَتْ بِحَائِضٍ، وَلَا لَسْتُ بِحَائِضٍ وَهِيَ حَائِضٌ، وَلَا إِنِّي حُبْلَى وَلَيْسَتْ بِحُبْلَى، وَلَا لَسْتُ بِحُبْلَى وَهِيَ حُبْلَى " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَ هَذَا التَّفْسِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي بُغْضِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا، وَحُبِّهِ

حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ مِنَ الْحَيْضِ، وَالْحَبَلِ، لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَقُولَ: إِنِّي قَدْ حِضْتُ وَلَمْ تَحِضْ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ تَقُولَ: إِنِّي لَمْ أَحِضْ وَقَدْ حَاضَتْ، وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَقُولَ: إِنِّي حُبْلَى وَلَيْسَتْ بِحُبْلَى، وَلَا أَنْ تَقُولَ: لَسْتُ بِحُبْلَى وَهِيَ حُبْلَى "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] الْآيَةَ، قَالَ: لَا يَكْتُمْنَ الْحَيْضَ، وَلَا الْوَلَدَ، وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَكْتُمَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَتَى تَحِلُّ لِئَلَّا يَرْتَجِعَهَا مُضَارَّةً "

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ،

فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنَّ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] يَعْنِي الْوَلَدَ، قَالَ: الْحَيْضُ، وَالْوَلَدُ هُوَ الَّذِي أُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْحَبَلَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو ذَلِكَ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ نُهَيَتْ عَنْ كِتْمَانِ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُهِيَتْ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا تُبْطِلَ حَقَّ الزَّوْجِ مِنَ الرَّجْعَةِ إِذَا أَرَادَ رَجْعَتَهَا قَبْلَ وَضْعِهَا وَحَمْلِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ قَبَاثِ بْنِ رَزِينٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ: اتْلُ هَذِهِ الْآيَةَ فَتَلَا.
فَقَالَ: «إِنَّ فُلَانَةَ مِمَّنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ.
وَكَانَتْ طُلِّقَتْ وَهِيَ حُبْلَى، فَكَتَمَتْ حَتَّى وَضَعَتْ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً، أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بِشْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: " الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ بَيْنَهُمَا رَجْعَةٌ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ هَاتَيْنِ فَهِيَ ثَالِثَةٌ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
إِنَّمَا اللَّاتِي ذُكِرْنَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] هِيَ الَّتِي طُلِّقَتْ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنٍ، ثُمَّ كَتَمَتْ حَمْلَهَا لِكَيْ تَنْجُوَ مِنْ زَوْجِهَا، فَأَمَّا إِذَا بِتَّ الثَّلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ " وَقَالَ آخَرُونَ: السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نُهِينَ عَنْ كِتْمَانِ ذَلِكَ أَنَّهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّ يَكْتِمْنَهُ أَزْوَاجَهُنَّ خَوْفَ مُرَاجَعَتِهِمْ إِيَّاهُنَّ حَتَّى يَتَزَوَّجْنَ غَيْرَهُمْ، فَيَلْحَقُ نَسَبُ الْحَمْلِ الَّذِي هُوَ مِنَ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ بِمَنْ تَزَوَّجَتْهُ فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا طُلِّقَتْ كَتَمَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَحَمْلَهَا لِتَذْهَبَ بِالْوَلَدِ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُنَّ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ مِنْهُنَّ كَوَاتِمَ

يَكْتُمْنَ الْوَلَدَ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ، فَتَكْتُمُ الْوَلَدَ وَتَذْهَبُ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَتَكْتُمُ مَخَافَةَ الرَّجْعَةِ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدَّمَ فِيهِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكْتُمُ حَمْلَهَا حَتَّى تَجْعَلَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ مِنْهَا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نُهِينَ عَنْ كِتْمَانِ ذَلِكَ، هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا أَرَادَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ سَأَلَهَا هَلْ بِهَا حَمْلٌ لِكَيْلَا يُطَلِّقَهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ وَوَلَدَهُ فِي فِرَاقِهَا إِنْ فَارَقَهَا، فَأُمِرْنَ بِالصِّدْقِ فِي ذَلِكَ، وَنُهِينَ عَنِ الْكَذِبِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] فَالرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فَيَسْأَلَهَا: هَلْ بِكِ حَمْلٌ؟ فَتَكْتُمُهُ إِرَادَةَ أَنْ تُفَارِقَهُ، فَيُطَلِّقُهَا وَقَدْ كَتَمَتْهُ حَتَّى تَضَعَ.
وَإِذَا عَلِمَ بِذَلِكَ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إِلَيْهِ عُقُوبَةً لِمَا كَتَمَتْهُ، وَزَوْجُهَا أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا صَاغِرَةً " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الَّذِي نُهِيَتِ الْمَرْأَةُ الْمُطَلَّقَةُ عَنْ كِتْمَانِهِ زَوْجَهَا الْمُطَلِّقَهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ فِي رَحِمَهَا الْحَيْضَ، وَالْحَبَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْوَلَدِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ فِي

رَحِمَهَا كَمَا تَنْقَضِي بِالدَّمِ إِذَا رَأَتْهُ بَعْدَ الطُّهْرِ الثَّالِثِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْقُرْءُ: الطُّهْرُ، وَفِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: هُوَ الْحَيْضُ إِذَا انْقَطَعَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَتَطَهَّرَتْ بِالِاغْتِسَالِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِنَّ كِتْمَانَ الْمُطَلِّقِ الَّذِي وَصَفْنَا أَمْرَهُ مَا يَكُونُ بِكِتْمَانِهِنَّ إِيَّاهُ بِطُولِ حَقِّهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ عَلَيْهِنَّ إِلَى انْقِضَاءِ عِدَدِهِنَّ، وَكَانَ ذَلِكَ الْحَقُّ يَبْطُلُ بِوَضْعِهِنَّ مَا فِي بُطُونِهِنَّ إِنْ كُنَّ حَوَامِلَ، وَبِانْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ إِنْ كُنَّ غَيْرَ حَوَامِلَ، عَلِمَ أَنَّهُنَّ مَنْهِيَّاتٌ عَنْ كِتْمَانِ أَزْوَاجِهِنَّ الْمُطَلِّقِينَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعْنِي مِنَ الْحَيْضِ، وَالْحَبَلِ مِثْلَ الَّذِي هُنَّ مَنْهِيَّاتٌ عَنْهُ مِنَ الْآخَرِ، وَأَنُ لَا مَعْنَى لِخُصُوصِ مَنْ خَصَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مِنْ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، إِذْ كَانَا جَمِيعًا مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ، وَأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ مَعْنَى بُطُولِ حَقِّ الزَّوْجِ بِانْتِهَائِهِ إِلَى غَايَةٍ مِثْلَ مَا فِي الْآخَرِ.
وَيُسْأَلُ مَنْ خَصَّ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ دُونَ الْآخَرِ عَنِ الْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ مِنْ أَصْلٍ، أَوْ حُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، ثُمَّ يُعْكَسُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.
وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ السُّدِّيُّ مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ نَهْي النِّسَاءِ كِتْمَانَ أَزْوَاجِهِنَّ الْحَبَلَ عِنْدَ إِرَادَتِهِمْ طَلَاقَهُنَّ، فَقَوْلُ لَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ مُخَالِفٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا

خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] بِمَعْنَى: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْقُرُوءِ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ وَصْفِهِ إِيَّاهُنَّ بِمَا وَصَفَهُنَّ بِهِ مِنْ فِرَاقِ أَزْوَاجِهِنَّ بِالطَّلَاقِ، وَإِعْلَامِهِنَّ مَا يَلْزَمُهُنَّ مِنَ التَّرَبُّصِ مُعَرِّفًا لَهُنَّ بِذَلِكَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ وَمَا يَحِلُّ، وَمَا يَلْزَمُهُنَّ مِنَ الْعِدَّةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ فِيهَا، فَكَانَ مِمَّا عَرَّفَهُنَّ أَنَّ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ أَزْوَاجَهُنَّ الْحَيْضَ، وَالْحَبَلَ الَّذِي يَكُونُ بِوَضْعِ هَذَا، وَانْقِضَاءِ هَذَا إِلَى نِهَايَةٍ مَحْدُودَةٍ، انْقِطَاعُ حُقُوقِ أَزْوَاجِهِنَّ ضِرَارٌ مِنْهُنَّ لَهُمْ، فَكَانَ نَهْيُهُ عَمَّا نَهَاهُنَّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَةِ مَا يَلِيهِ قِبَلَهُ وَيَتْلُوهُ بَعْدَهُ، أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَةِ مَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قَبْلَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228] أَوْ يَحِلُّ لَهُنَّ كِتْمَانُ ذَلِكَ أَزْوَاجَهُنَّ إِنْ كُنَّ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ حَتَّى خَصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ الْمُؤْمِنَاتِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنَّ كِتْمَانَ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ زَوْجَهَا الْمُطَلِّقَهَا مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَحِمِهَا مِنْ حَيْضٍ، وَوَلَدٍ فِي أَيَّامِ عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ ضِرَارًا لَهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا مِنْ أَخْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَخْلَاقُهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ الْكَوَافِرِ فَلَا تَتَخَلَّقْنَ أَيَّتُهَا الْمُؤْمِنَاتُ بِأَخْلَاقِهِنَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَكِنْ إِنْ كُنْتُنَّ تُؤْمِنَّ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَكُنْتُنَّ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ؛ لَا أَنُّ الْمُؤْمِنَاتِ هُنَّ الْمَخْصُوصَاتُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ دُونَ الْكَوَافِرِ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ

مَنْ لَزِمَتْهُ فَرَائِضُ اللَّهِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَهُنَّ أَقْرَاءٌ إِذَا طُلِّقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فِي عِدَّتِهَا أَنْ لَا تَكْتُمَ زَوْجَهَا مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي رَحِمِهَا مِنَ الْحَيْضِ، وَالْحَبَلِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228] وَالْبُعُولَةُ جَمْعُ بَعْلٍ: وَهُوَ الزَّوْجُ لِلْمَرْأَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: [البحر الطويل] أَعِدُّوا مَعَ الْحَلْيِ الْمَلَابَ ... فَإِنَّمَا جَرِيرٌ لَكُمْ بَعْلٌ وَأَنْتُمْ حَلَائِلُهْ وَقَدْ يُجْمَعُ الْبَعْلُ الْبُعُولَةَ وَالْبُعُولَ، كَمَا يُجْمَعُ الْفَحْلُ وَالْفُحُولَ وَالْفُحُولَةَ، وَالذَّكَرُ الذُّكُورَ وَالذُّكُورَةَ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى مِثَالِ «فَعُولٍ» مِنَ الْجَمْعِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَثِيرًا مَا تُدْخِلُ فِيهِ الْهَاءَ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَلَى مِثَالِ «فِعَالٍ» فَقَلِيلٌ فِي كَلَامِهِمْ دُخُولُ الْهَاءِ فِيهِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمُ الْعِظَامُ وَالْعِظَامَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: ثُمَّ دَفَنْتَ الْفَرْثَ، وَالْعِظَامَهْ وَقَدْ قِيلَ: الْحِجَارَةُ وَالْحِجَارُ، وَالْمِهَارَةُ وَالْمِهَارُ، وَالذِّكَاةُ وَالذِّكَارُ، لِلذُّكُورِ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ: أَزْوَاجُ الْمُطَلَّقَاتِ اللَّاتِي فَرَضْنَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ، أَحَقُّ وَأَوْلَى بِرَدِّهِنَّ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ تَرَبُّصِهِنَّ إِلَى الْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَأَيَّامِ الْحَبَلِ، وَارْتِجَاعِهِنَّ إِلَى حِبَالِهِنَّ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِنَّ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ أَنْفُسِهِنَّ ذَلِكَ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ

بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228] يَقُولُ: إِذْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَهِيَ حَامِلٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَضَعْ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: فِي الْعِدَّةِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: " ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228] وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ كَانَ أَحَقَّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَنَسَخَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] فِي عِدَّتِهِنَّ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: « فِي الْعِدَّةِ»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] أَيْ فِي الْقُرُوءِ فِي الثَّلَاثِ حِيَضٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ كَانَتْ حَامِلًا، فَإِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ رَاجَعَهَا إِنْ شَاءَ مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكْتُمُ حَمْلَهَا حَتَّى تَجْعَلَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ، فَنَهَاهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] قَالَ قَتَادَةُ: أَحَقُّ بِرَجْعَتِهِنَّ فِي الْعِدَّةِ "

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلَهُ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] يَقُولُ: فِي الْعِدَّةِ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] يَقُولُ: أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا صَاغِرَةً عُقُوبَةً لِمَا كَتَمَتْ زَوْجَهَا مِنَ الْحَمْلِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] أَحَقُّ بِرَجْعَتِهِنَّ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ "

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ إِذَا أَرَادَ الْمُرَاجَعَةَ "

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا لِزَوْجٍ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فِي أَقْرَائِهَا الثَّلَاثَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا بِالرَّجْعَةِ إِصْلَاحَ أَمْرِهَا وَأَمْرِهِ؟ قِيلَ: أَمَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَغَيْرُ جَائِزٍ إِذَا أَرَادَ ضِرَارَهَا بِالرَّجْعَةِ لَا إِصْلَاحَ أَمْرِهَا وَأَمْرِهِ مُرَاجَعَتُهَا.
وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّهُ مَقْضِيُّ لَهُ عَلَيْهَا بِالرَّجْعَةِ نَظِيرَ مَا حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِبُطُولِ رَجَعْتِهِ عَلَيْهَا لَوْ كَتَمَتْهُ حَمْلَهَا الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي رَحِمَهَا، أَوْ حَيْضِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ضِرَارًا مِنْهَا لَهُ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ كِتْمَانِهِ ذَلِكَ، فَكَانَ سَوَاءً فِي الْحُكْمِ فِي بُطُولِ رَجْعَةِ زَوْجِهَا عَلَيْهَا وَقَدْ أَثِمَتْ فِي كِتْمَانِهَا إِيَّاهُ مَا كَتَمَتْهُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا هِيَ وَالَّتِي أَطَاعَتِ اللَّهَ بِتَرْكِهَا كِتْمَانَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَمَعْصِيَتِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُرَاجِعُ زَوْجَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ بَعْدَ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهَا وَهُمَا حُرَّانِ، وَإِنْ أَرَادَ ضِرَارَ الْمُرَاجَعَةِ بِرَجْعَتِهِ فَمَحْكُومٌ لَهُ بِالرَّجْعَةِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا بِرَأْيِهِ فِي فِعْلِهِ وَمُقَدِّمًا عَلَى مَا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ لَهُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ مُجَازَاتِهِ فِيمَا أَتَى مِنْ ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْعِبَادُ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمُ الْحَوْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ الَّتِي رَاجَعَهَا بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ بِأَنَّهَا حِينَئِذٍ زَوْجَتُهُ، فَإِنْ حَاوَلَ ضِرَارَهَا بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ أَخْذَ لَهَا الْحُقُوقَ الَّتِي أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْأَزْوَاجَ لِلزَّوْجَاتِ حَتَّى يَعْدُوَ ضَرَرُ مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ دُونَهَا، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] أَبْيَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْلِيَ إِذَا عَزَمَ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ الَّتِي آلَى مِنْهَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ فِي

طَلَاقِهِ ذَلِكَ، وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنْ مُضِيَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ عَزْمُ الطَّلَاقِ، وَأَنَّهُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَعْلَمَ عِبَادَهُ مَا يَلْزَمُهُمْ إِذَا آلُوا مِنْ نِسَائِهِمْ وَمَا يَلْزَمُ النِّسَاءَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِإِيلَاءِ الرِّجَالِ وَطَلَاقِهِمْ، إِذَا عَزَمُوا ذَلِكَ وَتَرَكُوا الْفَيْءَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: وَلَهُنَّ مِنْ حُسْنِ الصُّحْبَةِ، وَالْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ لَهُمْ مِنَ الطَّاعَةِ فِيمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ عَلَيْهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: إِذَا أَطَعْنَ اللَّهَ، وَأَطَعْنَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَتَهَا، وَيَكُفَّ عَنْهَا أَذَاهُ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ سَعَتِهِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنَّ يتقينَ اللَّهَ فِيهِمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ التَّصَنُّعِ، وَالْمُوَاتَاةِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَقُولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] " وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ بَعْدَ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهِنَّ عَلَى بُعُولَتِهِنَّ أَنْ لَا يُرَاجِعُوهُنَّ ضِرَارًا فِي أَقْرَائِهِنَّ الثَّلَاثَةَ إِذَا أَرَادُوا رَجْعَتَهُنَّ فِيهِ إِلَّا أَنْ يُرِيدُوا إِصْلَاحَ أَمْرَهُنَّ وَأَمْرَهُمْ فَلَا يُرَاجِعُوهُنَّ ضِرَارًا، كَمَا عَلَيْهِنَّ لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا رَجْعَتَهُنَّ فِيهِنَّ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ مِنَ الْوَلَدِ، وَدَمِ الْحَيْضِ ضِرَارًا مِنْهُنَّ لَهُمْ لِيَفْتِنَهُمْ بِأَنْفُسِهِنَّ، ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَهَى الْمُطَلَّقَاتِ عَنْ كِتْمَانِ أَزْوَاجِهِنَّ فِي أَقْرَائِهِنَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَجَعَلَ أَزْوَاجَهُنَّ أَحَقَّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُضَارَّةَ صَاحِبِهِ، وَعَرَّفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] فَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ مِنْ تَرْكِ مُضَارَّتِهِ مِثْلُ الَّذِي لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ.
فَهَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ أَشْبَهُ بِدَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيمَا

وَصَفْنَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ حَقًّا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ إِلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ، فَيَدْخُلُ حِينَئِذٍ فِي الْآيَةِ مَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الدَّرَجَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ الْفَضْلَ الَّذِي فَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ فِي الْمِيرَاثِ، وَالْجِهَادِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: فَضْلُ مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهَا مِنَ الْجِهَادِ، وَفَضْلُ مِيرَاثِهِ، وَكُلُّ مَا فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهَا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ: عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] قَالَ: لِلرِّجَالِ دَرَجَةٌ فِي الْفَضْلِ عَلَى النِّسَاءِ، " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تِلْكَ الدَّرَجَةُ: الْإِمْرَةُ، وَالطَّاعَةُ

جارٍ التحميل