تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 482-494

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [يونس: 67] يَقُولُ: إِنَّ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَعِبَرًا وَأَدِلَّةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164] عَنِ اللَّهِ حُجَجِهِ وَأَدِلَّتِهِ.

صفحات 482-494
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 25] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ حُجَجِهِ أَيُّهَا الْقَوْمُ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ، قِيَامُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِأَمْرِهِ خُضُوعًا لَهُ بِالطَّاعَةِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تُرَى ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 25] يَقُولُ: إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ مِنَ الْأَرْضِ، إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ إِيَّاكُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 25] قَامَتَا بِأَمْرِهِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 25] قَالَ: دَعَاهُمْ فَخَرَجُوا مِنَ الْأَرْضِ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 25] يَقُولُ: مِنَ الْأَرْضِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِنْ مَلَكٍ وَجِنٍّ وَإِنْسٍ عَبِيدٍ وَمُلُوكٍ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116] يَقُولُ: كُلٌّ لَهُ مُطِيعُونَ، فَيَقُولُ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ لَهُ عَاصُونَ؟ فَنَقُولُ:

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ، ثُمَّ نُبَيِّنُ الصَّوَابَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ كَلَامٌ مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَمَعْنَاهُ: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ فِي الْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ وَالْمَوْتِ، وَالْفَنَاءِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ عَصَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 25] إِلَى ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116] يَقُولُ: مُطِيعُونَ، يَعْنِي الْحَيَاةَ وَالنُّشُورَ وَالْمَوْتَ، وَهُمْ عَاصُونَ لَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَةِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونُ بِإِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116] أَيْ مُطِيعٌ مُقِرٌّ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وَخَالِقُهُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالْمَعْنَى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ مَلِكٍ وَعَبْدٍ مُؤْمِنٍ لِلَّهِ مُطِيعٍ دُونَ غَيْرِهِمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116] قَالَ: كُلٌّ لَهُ مُطِيعُونَ.
الْمُطِيعُ: الْقَانِتُ، قَالَ: وَلَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ مُطِيعٌ، إِلَّا ابْنَ آدَمَ، وَكَانَ أَحَقُّهُمْ أَنْ يَكُونَ أَطْوَعَهُمْ لِلَّهِ ". وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] قَالَ: هَذَا فِي الصَّلَاةِ، لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ كَمَا يَتَكَلَّمُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَمْشِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَيَتَقَابَلُونَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: لِكَيْ تَذْهَبَ الشَّحْنَاءُ مِنْ قُلُوبِنَا وَتَسْلَمَ قُلُوبُ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] لَا تَزُولُوا كَمْ يَزَولُونَ.
قَانِتِينَ: لَا تَتَكَلَّمُوا كَمَا يَتَكَلَّمُونَ.
قَالَ: فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا كُلُّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْقُنُوتِ فَهُوَ الطَّاعَةُ، إِلَّا هَذِهِ الْوَاحِدَةَ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَنَّ

كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ خَلْقٍ لِلَّهِ مُطِيعٍ فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْرَهُ مِنْ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَصَاهُ فِيمَا يَكْسِبُهُ بِقَوْلِهِ، وَفِيمَا لَهُ السَّبِيلُ إِلَى اخْتِيَارِهِ وَإِيثَارِهِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ: ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْعُصَاةَ مِنْ خَلْقِهِ فِيمَا لَهُمُ السَّبِيلُ إِلَى اكْتِسَابِهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ أَنَّهُمْ لَهُ قَانِتُونَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخْبِرَ عَمَّنْ هُوَ عَاصٍ أَنَّهُ لَهُ قَانِتٌ فِيمَا هُوَ لَهُ عَاصٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي فِيهِ عَاصٍ هُوَ مَا وَصَفْتُ، وَالَّذِي هُوَ لَهُ قَانِتٌ مَا بَيَّنْتُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِي لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ فَيُنْشِئُهُ وَيُوجِدُهُ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ثُمَّ يُفْنِيهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ، كَمَا بَدَأَهُ بَعْدَ فَنَائِهِ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ.
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، فِي مَعْنَى

قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَهُوَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، " ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] قَالَ: مَا شَيْءٌ عَلَيْهِ بِعَزِيزٍ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] يَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ هَيِّنٌ ". وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: وَإِعَادَةُ الْخَلْقِ بَعْدَ فَنَائِهِمْ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِهِمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] قَالَ: يَقُولُ: أَيْسَرُ عَلَيْهِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] قَالَ: الْإِعَادَةُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَدَاءَةِ، وَالْبَدَاءَةُ عَلَيْهِ هَيِّنٌ "

حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ " ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] قَالَ: تَعَجَّبَ الْكُفَّارُ مِنْ إِحْيَاءِ اللَّهِ الْمَوْتَى، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] إِعَادَةُ الْخَلْقِ أَهْوَنُ عَلَيْهِ

مِنْ إِبْدَاءِ الْخَلْقِ ". حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِعَادَةُ الْخَلْقِ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ ابْتِدَائِهِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] يَقُولُ: إِعَادَتُهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ بَدْئِهِ، وَكُلٌّ عَلَى اللَّهِ هَيِّنٌ.
وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: (وَكُلٌّ عَلَى اللَّهِ هَيِّنٌ) . وَقَدْ يَحْتَمِلُ هَذَا الْكَلَامُ وَجْهَيْنِ، غَيْرَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْخَلْقِ: أَيْ إِعَادَةُ الشَّيْءِ أَهْوَنُ عَلَى الْخَلْقِ مِنِ ابْتِدَائِهِ.
وَالَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْخَبَرِ الَّذِي حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ سَعْدٍ، قَوْلٌ أَيْضًا لَهُ وَجْهٌ.
وَقَدْ وَجَّهَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ: [البحر الطويل] أَخِي قَفَرَاتٍ دَبَبَتْ فِي عِظَامِهِ ... شَفَافَاتُ أَعْجَازِ الْكَرَى فَهُوَ أَخْضَعُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى خَاضِعٌ، وَقَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الطويل] لَعَمْرُكَ إِنَّ الزِّبْرِقَانَ لَبَاذِلٌ ... لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وَأَفْضَلُ كَرِيمٌ لَهُ عَنْ كُلِّ ذَمٍّ تَأَخُّرٌ ... وَفِي كُلِّ أَسْبَابِ الْمَكَارِمِ أَوَّلُ

إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: وَفَاضِلٌ؛ وَقَوْلُ مَعْنٍ: [البحر الطويل] لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَلُ ... عَلَى أَيُّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: وَإِنِّي لَوَجِلٌ؛ وَقَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الطويل] تَمَنَّى امْرُؤُ الْقَيْسِ مَوْتِي وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: لَسْتُ فِيهَا بِوَاحِدٍ؛ وَقَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: [البحر الطويل] إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمَهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ.
قَالُوا: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْأَذَانِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، بِمَعْنَى: اللَّهُ كَبِيرٌ؛ وَقَالُوا: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِهَذَا، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِ الْخَلْقُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْخَلْقِ، فَإِنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 30] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ ، أَيْ لَا يُثْقِلُهُ حِفْظُهُمَا.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: 27] يَقُولُ: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَذَلِكَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، تَعَالَى رَبُّنَا وَتَقَدَّسَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

قَوْلُهُ " ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ « ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مَثَلُهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ غَيْرُهُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهُوَ الْعَزِيزَ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، وَتَصْرِيفِهِمْ فِيمَا أَرَادَ مِنْ إِحْيَاءٍ وَإِمَاتَةٍ، وَبَعْثٍ وَنَشْرٍ، وَمَا شَاءَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَثَّلَ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ رَبُّكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [الروم: 28] يَقُولُ: مِنْ مَمَالِيكِكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ،

﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم: 28] مِنْ مَالٍ، ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28] وَهُمْ.
يَقُولُ: فَإِذَا لَمْ تَرْضَوْا بِذَلِكَ لِأَنْفُسِكُمْ فَكَيْفَ رَضِيتُمْ أَنْ تَكُونَ آلِهَتُكُمُ الَّتِي تعَبْدُونَهَا لِي شُرَكَاءَ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ، وَأَنْتُمْ وَهُمْ عَبِيدِي وَمَمَالِيكِي، وَأَنَا مَالِكٌ جَمِيعُكُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28] قَالَ: مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنْ عَدَلَ بِهِ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ، يَقُولُ: أَكَانَ أَحَدُكُمْ مُشَارِكًا مَمْلُوكَهُ فِي فِرَاشِهِ وَزَوْجَتِهِ، فَكَذَلِكُمُ اللَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَعْدِلَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28] قَالَ: هَلْ تَجِدُ أَحَدًا يَجْعَلُ عَبْدَهُ هَكَذَا فِي مَالِهِ، فَكَيْفَ تَعْمَدُ أَنْتَ وَأَنْتَ تَشْهَدُ أَنَّهُمْ عَبِيدِي وَخَلْقِي، وَتَحْمِلُ لَهُمْ نَصِيبًا فِي عِبَادَتِي، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ، وَقَرَأَ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: 28] ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تَخَافُونَهُمْ كِخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: 28] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَخَافُونَ هَؤُلَاءِ الشُّرَكَاءَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ أَنْ يَرِثُوكُمْ أَمْوَالَكُمْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِكُمْ، كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدِيثٌ عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " فِي الْآلِهَةِ، وَفِيهِ يَقُولُ: تَخَافُونَهُمْ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: تَخَافُونَ هَؤُلَاءِ الشُّرَكَاءَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ

أَنْ يُقَاسِمُوكُمْ أَمْوَالَكُمْ، كَمَا تُقَاسِمُ بَعْضًا.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: «إِنَّ مَمْلُوكَكَ لَا تَخَافُ أَنْ يُقَاسِمُكَ مَالَكَ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، كَذَلِكَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ الْقَوْلُ الثَّانِي، لِأَنَّهُ أَشْبَهَهُمَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهَرُ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَبَّخَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لَهُ مِنْ خَلْقِهِ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا، وَأَشْرَكُوهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُقِرُّونَ بِأَنَّهَا خَلْقُهُ وَهُمْ عَبِيدُهُ، وَعَيَّرَهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ مِنْ عِبِيدِكُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا خَوَّلْنَاكُمْ مِنْ نِعَمِنَا، فَهُمْ سَوَاءٌ، أَنْتُمْ فِي ذَلِكَ تَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوكُمْ ذَلِكَ الْمَالَ الَّذِي هُوَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، كَخِيفَةِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا أَنْ يُقَاسِمَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الْمَالِ شَرِكَةً، فَالْخِيفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَنْ تَكُونَ خِيفَةً مِمَّا يَخَافُ الشَّرِيكُ مِنْ مُقَاسَمَةِ شَرِيكِهِ الْمَالَ الَّذِي بَيْنَهُمَا إِيَّاهُ أَشْبَهَ مِنْ أَنْ تَكُونَ خِيفَةً مِنْهُ بِأَنْ يَرِثَهُ، لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرِكَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى خِيفَةِ الْوِرَاثَةِ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى خِيفَةِ الْفِرَاقِ وَالْمُقَاسَمَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:

كَمَا بَيَّنَّا لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ حُجَجَنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى مَا نَشَاءُ مِنْ إِنْشَاءِ مَا نَشَاءُ، وَإِفْنَاءِ مَا نُحِبُّ، وَإِعَادَةِ مَا نُرِيدُ إِعَادَتَهُ بَعْدَ فَنَائِهِ، وَدَلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ حُجَجَنَا فِي كُلِّ حَقٍّ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، فَيَتَدَبَّرُونَهَا إِذَا سَمِعُوهَا، وَيَعْتَبِرُونَ فَيَتَّعِظُونَ بِهَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَا أَشْرَكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ، لِأَنَّ لَهُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ مِلْكِ أَيْمَانِهِمْ، فَهُمْ وَعَبِيدُهُمْ

فِيهِ سَوَاءٌ، يَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوهُمْ مَا هُمْ وَشُرَكَاؤُهُمْ فِيهِ، فَرَضُوا لِلَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِمَا رَضُوا بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَشْرَكُوهُمْ فِي عِبَادَتِهِ، وَلَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ، اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، جَهْلًا مِنْهُمْ لِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَأَشْرَكُوا الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ فِي عِبَادَتِهِ ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: 29] يَقُولُ: فَمَنْ يُسَدِّدُ لِلصَّوَابِ مِنَ الطُّرُقِ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَنْ يُوَفِّقُ لِلْإِسْلَامِ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالرَّشَادِ؟ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 22] يَقُولُ: وَمَا لِمَنْ أَضَلَّ اللَّهُ مِنْ نَاصِرِينَ يَنْصُرُونَهُ، فَيُنْقِذُونَهُ مِنَ الضُّلَّالِ الَّذِي يَبْتَلِيهِ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ

الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَسَدِّدْ وَجْهَكَ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَّهَكَ إِلَيْهِ رَبُّكَ

يَا مُحَمَّدُ لِطَاعَتِهِ، وَهِيَ الدِّينُ، ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135] يَقُولُ: مُسْتَقِيمًا لِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ، ﴿فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] يَقُولُ: صَنْعَةُ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَنُصِبَتْ فِطْرَةُ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: 30] وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فِطْرَةً.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] قَالَ: الْإِسْلَامُ مُذْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ آدَمَ جَمِيعًا، يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، وَقَرَأَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: 172] قَالَ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 213] بَعْدُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] قَالَ: الْإِسْلَامُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِعٍ، قَالَا: ثنا يُونُسُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَقَالَ: مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ مُعَاذٌ: " ثَلَاثٌ، وَهُنَّ الْمُنْجِيَاتُ: الْإِخْلَاصُ، وَهُوَ الْفِطْرَةُ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] وَالصَّلَاةُ؛ وَهِيَ الْمِلَّةُ وَالطَّاعَةُ؛ وَهِيَ الْعِصْمَةُ، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ ". حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثني ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِمُعَاذٍ: مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ

وَقَوْلُهُ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] يَقُولُ: لَا تَغْيِيرَ لِدِينِ اللَّهِ: أَيْ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ.

جارٍ التحميل