تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 376-386

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 376-386
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، قَالَ: ثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: " السَّيِّدُ: الْفَقِيهُ الْعَالِمُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: يَقُولُ: «حَلِيمًا تَقِيًّا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: «السَّيِّدُ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39] يَعْنِي بِذَلِكَ: مُمْتَنِعًا مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: حُصِرْتُ مِنْ كَذَا أُحْصَرُ: إِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: حُصِرَ فُلَانٌ فِي قِرَاءَتِهِ: إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ حُصِرَ الْعَدُوُّ: حَبَسَهُمُ النَّاسُ وَمَنَعَهُمْ إِيَّاهُمُ

التَّصَرُّفَ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي لَا يَخْرُجُ مَعَ نُدَمَائِهِ شَيْئًا: حَصُورٌ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ: [البحر البسيط]

وَشَارِبٍ مُرْبِحِ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ وَيُرْوَى بَسَآّرِ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِلَّذِي لَا يُخْرِجُ سِرَّهُ وَيَكْتُمُهُ: حَصُورٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ سِرَّهَ أَنْ يَظْهَرَ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ: [البحر الكامل] وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا ... حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ ضَنِينَا وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ خَلَفٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: " الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: ثني ابْنُ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا» ، قَالَ: ثُمَّ دَلَّى رَسُولُ

اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ عُوَيْدًا صَغِيرًا، ثُمَّ قَالَ: «وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ إِلَّا مِثْلُ هَذَا الْعُودِ، وَبِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّهُ سَيِّدَا وَحَصُورًا»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: «لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا ذَنْبٍ إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، كَانَ حَصُورًا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْعَاصِ إِمَّا عَبْدُ اللَّهِ وَإِمَّا أَبُوهُ: " مَا أَحَدٌ يَلْقَى اللَّهَ إِلَّا وَهُوَ ذُو ذَنْبٍ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا.
قَالَ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَغْشَى النِّسَاءَ، وَلَمْ يَكُنْ مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ "

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، قَالَ: ثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: " الْحَصُورُ؛ الَّذِي لَا يَشْتَهِي النِّسَاءَ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ نَوَاةً فَقَالَ: مَا كَانَ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ " حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الْحَصُورُ: لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، قَالَ: زَعَمَ الرَّقَاشِيُّ: " الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مَاءٌ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ

سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: «هُوَ الَّذِي لَا مَاءَ لَهُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] «كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الْحَصُورَ الَّذِي لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ، قَالَ: ثنا أَبُو هِلَالٍ، قَالَ: ثنا قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: " الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ " حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يُنْزِلُ الْمَاءَ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: " الْحَصُورَ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ

: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: " الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يُرِيدُ النِّسَاءَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: «لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39] فَإِنَّهُ يَعْنِي: رَسُولًا لِرَبِّهِ إِلَى قَوْمِهِ، يُنْبِئُهُمْ عَنْهُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَيُبَلِّغُهُمْ عَنْهُ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ إِلَيْهِمْ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 46] مِنْ أَنْبِيَائِهِ الصَّالِحِينَ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَمَا أَصْلُهَا بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ وَالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يَعْنِي أَنَّ زَكَرِيَّا قَالَ إِذْ نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكُ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39] ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: 40] يَعْنِي:

مَنْ بَلَغَ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغْتُ لَمْ يُولَدْ لَهُ؛ ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40] وَالْعَاقِرُ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي لَا تَلِدُ، يُقَالُ مِنْهُ: امْرَأَةٌ عَاقِرٌ، وَرَجُلٌ عَاقِرٌ كَمَا قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: [البحر الطويل]

لَبِئْسَ الْفَتَى أَنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا ... جَبَانًا فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ وَأَمَّا الْكِبَرُ: فَمَصْدَرُ كَبِرَ فُلَانٌ فَهُوَ يَكْبُرُ كِبَرًا، وَقِيلَ: ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: 40] ، وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ﴾ [مريم: 8] لِأَنَّ مَا بَلَغَكَ فَقَدْ بَلَغْتَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: قَدْ كَبِرْتُ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَقَدْ بَلَغَنِي الْجَهْدُ بِمَعْنَى: أَنِّي فِي جَهْدٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ زَكَرِيَّا وَهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40] وَقَدْ بَشَّرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِمَا بَشَّرَتْهُ بِهِ، عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهَا بِهِ؟ أَشَكَّ فِي صِدْقِهِمْ؟ فَذَلِكَ مَا لَا يَحُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، فَكَيْفَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ؟ أَمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِنْكَارًا لِقِدْرِهِ رَبِّهِ؟ فَذَلِكَ أَعْظَمُ فِي الْبَلِيَّةِ قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَيْرِ مَا ظَنَنْتَ، بَلْ كَانَ قَيلُهُ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " لَمَّا سَمِعَ النِّدَاءَ، يَعْنِي زَكَرِيَّا لَمَّا سَمِعَ نِدَاءَ الْمَلَائِكَةِ، بِالْبِشَارَةِ بِيَحْيَى جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: يَا زَكَرِيَّا إِنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ هُوَ مِنَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَسْخَرُ بِكَ، وَلَوْ كَانَ مِنَ اللَّهِ أَوْحَاهُ إِلَيْكَ، كَمَا يُوحِي إِلَيْكَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَمْرِ، فَشَكَّ مَكَانَهُ، وَقَالَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران: 40] ذَكَرَ، يَقُولُ: وَمِنْ أَيْنَ ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ، فَأَرَادَ أَنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي

مَنْ نَادَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، نَادَانِي مَلَائِكَةُ رَبِّي، قَالَ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ، لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ رَبِّكَ لَأَخْفَاهُ إِلَيْكَ كَمَا أَخْفَيْتَ نِدَاءَكَ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: 41] " فَكَانَ قَوْلُهُ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ، وَمُرَاجَعَتُهُ رَبَّهُ فِيمَا رَاجَعَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران: 40] لِلْوَسْوَسَةِ الَّتِي خَالَطَتْ قَلْبَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، حَتَّى خَيَّلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ النِّدَاءَ الَّذِي سَمِعَهُ كَانَ نِدَاءً مِنْ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران: 40] مُسْتَثْبِتًا فِي أَمْرِهِ لِيَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ بِآيَةٍ يُرِيهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بِشَارَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَلْسُنِ مَلَائِكَتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: 41] ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيلُهُ ذَلِكَ مَسْأَلَةً مِنْهُ رَبَّهُ: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ الْوَلَدُ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ؟ أَمِنْ زَوْجَتِهِ فَهِيَ عَاقِرٌ، أَمْ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِمَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 40] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 40] أَيْ هُوَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُقَ وَلَدًا مِنَ الْكَبِيرِ الَّذِي قَدْ يَئِسَ مِنَ الْوَلَدِ، وَمِنَ الْعَاقِرِ الَّتِي لَا يُرْجَى مِنْ مِثْلِهَا الْوِلَادَةُ، كَمَا خَلَقَكَ يَا زَكَرِيَّا مِنْ قَبْلِ خَلْقِ الْوَلَدِ مِنْكَ وَلَمْ

تَكُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ خَلْقُ شَيْءٍ أَرَادَهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ شَاءَهُ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَا يُشْبِهُهَا قُدْرَةٌ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 40] «وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: 41] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ خَبَرًا عَنْ زَكَرِيَّا، قَالَ زَكَرِيَّا، يَا رَبِّ إِنْ كَانَ هَذَا النِّدَاءُ الَّذِي نُودِيتُهُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُهُ صَوْتَ مَلَائِكَتِكَ، وَبِشَارَةً

مِنْكَ لِي، فَاجْعَلْ لِي آيَةً يَقُولُ: عَلَامَةً أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِيَزُولَ عَنِي مَا قَدْ وَسْوَسَ إِلَيَّ الشَّيْطَانُ فَأَلْقَاهُ فِي قَلْبِي مِنْ أَنَّ ذَلِكَ صَوْتُ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ، وَبِشَارَةٌ مِنْ عِنْدِ غَيْرِكَ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: 41] قَالَ: " قَالَ يَعْنِي زَكَرِيَّا: يَا رَبِّي فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّوْتُ مِنْكَ، فَاجْعَلْ لِي آيَةً " وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْآيَةِ، وَأَنَّهَا الْعَلَامَةُ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي سَبَبِ تَرْكِ الْعَرَبِ هَمْزَهَا، وَمِنْ شَأْنِهَا هَمْزُ كُلِّ يَاءٍ جَاءَتْ بَعْدَ أَلْفٍ سَاكِنَةٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُرِكَ هَمْزُهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ «أَيَّةً» فَثَقُلَ عَلَيْهِمُ التَّشْدِيدُ، فَأَبْدَلُوهُ أَلْفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَ التَّشْدِيدِ، كَمَا قَالُوا: أَيُّمَا فُلَانٍ فَأَخْزَاهُ اللَّهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ هِيَ فَاعِلَةٌ مُنْقُوصَةٌ، فَسَأَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ: فَمَا بَالُ الْعَرَبِ تُصَغِّرُهَا أيُيَّةً، وَلَمْ يَقُولُوا أُوَيَّةً؟ فَقَالُوا: قِيلَ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ فِي

فَاطِمَةَ: هَذِهِ فَطِيمَةُ، فَقِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّهُمْ يُصَغِّرُونَ فَاعِلَةً عَلَى فَعِيلَةٍ إِذَا كَانَ اسْمًا فِي مَعْنَى فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنْ تَصْغِيرِهِمْ فَاعِلَةً عَلَى فَعِيلَةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ فَعْلَةٌ، صُيِّرَتْ يَاؤُهَا الْأُولَى أَلْفًا، كَمَا فُعِلَ بِحَاجَةٍ وَقَامَةٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي أَوْلَادِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ: لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَقِيلَ فِي نَوَاةٍ نَايَةٌ، وَفِي حَيَاةٍ: حَايَةٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] فَعَاقَبَهُ اللَّهُ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْآيَةَ، بَعْدَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ بِالْبِشَارَةِ، فَجَعَلَ آيَتَهُ عَلَى تَحْقِيقِ مَا سَمِعَ مِنَ الْبِشَارَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِيَحْيَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ آيَةً مِنْ نَفْسِهِ، جَمَعَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهَا

الْعَلَامَةَ الَّتِي سَأَلَهَا رَبَّهُ عَلَى مَا يُبَيِّنُ لَهُ حَقِيقَةَ الْبِشَارَةِ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَمْحِيصًا لَهُ مِنْ هَفْوَتِهِ، وَخَطَأَ قِيلِهِ وَمَسْأَلَتِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] " إِنَّمَا عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ شَافَهَتْهُ مُشَافَهَةً بِذَلِكَ فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيَى، فَسَأَلَ الْآيَةَ بَعْدَ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ، فَجَعَلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ إِلَّا مَا أَوْمَأَ وَأَشَارَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ كَمَا تَسْمَعُونَ: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا﴾ [آل عمران: 39] قَالَ: " شَافَهَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] يَقُولُ: إِلَّا إِيمَاءً، وَكَانَتْ عُقُوبَةً عُوقِبَ بِهَا؛ إِذْ سَأَلَ الْآيَةَ مَعَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ بِمَا بَشَّرَتْهُ بِهِ "

جارٍ التحميل