الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «عَهْدًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِصْرًا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «عَهْدًا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِصْرًا﴾ [البقرة: 286] يَقُولُ: «عَهْدًا»
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] «وَالْإِصْرُ الْعَهْدُ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْيَهُودِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «عَهْدًا لَا نُطِيقُهُ، وَلَا نَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ» ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] «الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ فَأَهْلَكْتُهُمْ»
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿إِصْرًا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «الْمَوَاثِيقُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " الْإِصْرُ: الْعَهْدُ " ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: 81] قَالَ: «عَهْدِي»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: 81] قَالَ: «عَهْدِي» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذَنُوبًا وَإِثْمًا كَمَا حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْأُمَمِ، فَتَمْسَخُنَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ كَمَا مَسَخْتَهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، قَالَ: ثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «لَا تَمْسَخْنَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] «لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذَنْبًا لَيْسَ فِيهِ تَوْبَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْإِصْرِ بِكَسْرِ الْأَلْفِ: الثَّقَلُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] يَقُولُ: «التَّشْدِيدُ الَّذِي شَدَّدْتَهُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُهُ، يَعْنِي مَالِكًا، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: " الْإِصْرُ: الْأَمْرُ الْغَلِيظُ " فَأَمَّا الْأَصْرُ بِفَتْحِ الْأَلْفِ: فَهُوَ مَا عَطَفَ الرَّجُلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ رَحِمٍ أَوْ قَرَابَةٍ، يُقَالُ: أَصَرَتْنِي رَحِمٌ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ عَلَيْهِ، بِمَعْنَى: عَطَّفَتْنِي عَلَيْهِ، وَمَا يَأْصِرُنِي عَلَيْهِ: أَيْ مَا يَعْطِفُنِي عَلَيْهِ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ أَصْرَ رَحِمٍ يَأْصِرُنِي عَلَيْهِ أَصْرًا: يَعْنِي بِهِ عَاطِفَةَ رَحِمٍ تُعَطِّفُنِي عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَقُولُوا أَيْضًا: رَبَّنَا لَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ لِثِقَلِ حِمْلِهِ عَلَيْنَا.
وَكَذَلِكَ كَانَتْ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَتَأَوَّلُونَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] «تَشْدِيدٌ يُشَدِّدُ بِهِ كَمَا شَدَّدَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «لَا تُحَمِّلْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] «لَا تَفْتَرِضْ عَلَيْنَا مِنَ الدِّينِ مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، فَنَعْجَزَ عَنْهُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] «مَسْخُ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ»
حَدَّثَنِي سَلَامُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُوخِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ شَابُورَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «الْغِلْمَةُ»
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] «مِنَ التَّغْلِيظِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّحْرِيمِ» وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ: وَلَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ عَلَى نَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عُقَيْبُ مَسْأَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ إِنْ نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا، وَأَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ إِصْرًا كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ،
فَكَانَ إِلْحَاقُ ذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمُ التَّيْسِيرَ فِي الدِّينِ أَوْلَى مِمَّا خَالَفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: 286] وَفِي هَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرٌ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ تَيْسِيرَ فَرَائِضِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] لِأَنَّهُمْ عَقَّبُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: 286] مَسْأَلَةً مِنْهُمْ رَبَّهُمْ أَنْ
يَعْفُوَ لَهُمْ عَنْ تَقْصِيرٍ إِنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ، فَيَصْفَحُ لَهُمْ عَنْهُ، وَلَا يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهِ وَإِنْ خَفَّ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ عَلَى أَبْدَانِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «اعْفُ عَنَّا إِنْ قَصَّرْنَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ مِمَّا أَمَرْتَنَا بِهِ» وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: 286] يَعْنِي: «وَاسْتُرْ عَلَيْنَا زَلَّةً إِنْ أَتَيْنَاهَا فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، فَلَا تُكْشِفْهَا وَلَا تَفْضَحْنَا بِإِظْهَارِهَا، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْمَغْفِرَةِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ»
حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: 286] «إِنِ انْتَهَكْنَا شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتَنَا عَنْهُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: 286] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: تَغَمَّدْنَا مِنْكَ بِرَحْمَةٍ تُنَجِّينَا بِهَا مِنْ عِقَابِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ
بِنَاجٍ مِنْ عِقَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ إِيَّاهُ دُونَ عَمَلِهِ، وَلَيْسَتْ أَعْمَالُنَا مُنَجِّيَتَنَا إِنْ أَنْتَ لَمْ تَرْحَمْنَا، فَوَفِّقْنَا لِمَا يُرْضِيكَ عَنَّا
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: يَقُولُ: " لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِمَا أَمَرْتَنَا بِهِ، وَلَا نَتْرُكُ مَا نَهَيْتَنَا عَنْهُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، قَالَ: وَلَمْ يُنْجُ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: 286] أَنْتَ وَلِيُّنَا بُنَصْرُكَ دُونَ مَنْ عَادَاكَ وَكَفَرَ بِكَ، لَأَنَّا مُؤْمِنُونَ بِكَ وَمُطِيعُوكَ فِيمَا أَمَرْتَنَا وَنَهَيْتَنَا، فَأَنْتَ وَفِيُّ مَنْ أَطَاعَكَ، وَعَدُوُّ مَنْ كَفَرَ بِكَ فَعَصَاكَ، فَانْصُرْنَا لَأَنَّا حِزْبُكَ، عَلَى
الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ الَّذِي جَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَكَ، وَعَبَدُوا الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ دُونَكَ، وَأَطَاعُوا فِي مَعْصِيَتِكَ الشَّيْطَانَ وَالْمَوْلَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَفْعَلُ مِنْ وَلِيَ فُلَانٌ أَمْرَ فُلَانٍ فَهُوَ يَلِيهِ وِلَايَةً، وَهُوَ وَلِيُّهُ وَمَوْلَاهُ، وَإِنَّمَا صَارَتِ الْيَاءُ مِنْ وَلِي أَلْفًا لِانْفِتَاحِ اللَّامِ قَبْلَهَا الَّتِي هِيَ عَيْنُ الِاسْمِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِذَلِكَ:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَا: ثنا آدَمُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 285] قَالَ: قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: 285] قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «لَا أُحَمِّلْكُمْ» فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «قَدْ رَحِمْتُكُمْ» ، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «قَدْ نَصَرْتُكُمْ عَلَيْهِمْ»
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: " أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] فَقَالَهَا، فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ، وَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: قُلْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] فَقَالَهَا، فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ، فَقَالَ: قُلْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] فَقَالَهَا: فَقَالَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ فَعَلَ، فَقَالَ: قُلْ ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] فَقَالَهَا، فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، قَالَ:
زَعَمَ السُّدِّيُّ " أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: فَعَلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ: فَعَلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ ثنا وَكِيعٌ، وَحَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ، قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 285] إِلَى قَوْلِهِ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] فَقَرَأَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ أَبِي: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَعَمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو حُمَيْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: " يَقُولُ: قَدْ فَعَلْتُ " ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «وَيَقُولُ قَدْ فَعَلْتُ» فَأَعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَلَمْ تُعْطَهَا الْأُمَمُ قَبْلَهَا
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: ثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 285] إِلَى قَوْلِهِ.
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: 285] قَالَ: «قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «لَا أُؤَاخِذُكُمْ» ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «لَا أَحْمِلُ عَلَيْكُمْ» إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: 286] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ وَغَفَرْتُ لَكُمْ وَرَحِمْتُكُمْ، وَنَصَرْتُكُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّ إِجَابَةَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةٌ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] " كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لَهُ: سَلْهَا، فَسَأَلَهَا نَبِيُّ اللَّهِ رَبَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ مُعَاذًا، كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] قَالَ: «آمِينَ»