تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَعْطَى اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْمُهْتَدِينَ تَقْوَاهُمْ، وَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ إِيَّاهُمْ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَعْطَى اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْمُهْتَدِينَ تَقْوَاهُمْ، وَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ إِيَّاهُمْ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَهَلْ يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ إِلَّا السَّاعَةَ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ خَلْقَهُ بَعَثَهُمْ فِيهَا مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءً، أَنْ تَجِيئَهُمْ فَجْأَةً لَا يَشْعُرُونَ بِمَجِيئِهَا وَالْمَعْنَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا

السَّاعَةَ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ ﴿أَنْ﴾ [البقرة: 25] مِنْ قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالرَّدِّ عَلَى السَّاعَةِ، وَعَلَى فَتْحِ الْأَلْفِ مِنْ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ [الأنعام: 158] وَنَصْبِ ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ [الأنعام: 4] بِهَا قِرَاءَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ

وَقَدْ: حُدِّثْتُ عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الرُّؤَاسِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: " مَا هَذِهِ الْفَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] " قَالَ: جَوَابُ الْجَزَاءِ، قَالَ: قُلْتُ: «إِنَّهَا إِنْ تَأْتِيهِمْ» ، قَالَ: فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، إِنَّمَا هِيَ «إِنْ تَأْتِهِمْ» قَالَ الْفَرَّاءُ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَخَذَهَا عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، لِأَنَّهُ قَرَأَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهِيَ أَيْضًا فِي بَعْضِ مَصَاحِفِ الْكُوفِيِّينَ بِسِنَّةٍ وَاحِدَةٍ «تَأْتِهِمْ» وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ أَلِفِ «إِنْ» وَجَزْمِ «تَأْتِهِمْ» فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ؟ فَيُجْعَلُ الْخَبَرُ عَنِ انْتِظَارِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ السَّاعَةَ مُتَنَاهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾ [محمد: 18] ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ الْكَلَامُ فَيُقَالُ: إِنْ تَأْتِهِمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا، فَتَكُونُ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَاءَ﴾ [محمد: 18] بِجَوَابِ الْجَزَاءِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] يَقُولُ: فَقَدْ جَاءَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ السَّاعَةُ

وَأَدِلَّتُهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا، وَوَاحِدُ الْأَشْرَاطِ: شَرْطٌ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ: تَرَى شَرَطَ الْمِعْزَى مُهُورَ نِسَائِهِمْ ... وَفِي شَرَطِ الْمِعْزَى لَهُنَّ مُهُورُ وَيُرْوَى: «تَرَى قَزَمَ الْمِعْزَى» ، يُقَالُ مِنْهُ: أَشْرَطَ فُلَانٌ نَفْسَهُ: إِذَا عَلَّمَهَا بِعَلَامَةٍ، كَمَا قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ: فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ ... وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي , قَالَ: ثَنِي عَمِّي , قَالَ: ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] يَعْنِي: «أَشْرَاطَ السَّاعَةِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد: 18] «قَدْ دَنَتِ السَّاعَةُ وَدَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغُ الْعِبَادِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] قَالَ: " أَشْرَاطُهَا: آيَاتُهَا "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ ذِكْرَى مَا قَدْ ضَيَّعُوا وَفَرَّطُوا فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ، يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ يَنْفَعُهُمُ التَّذَكُّرُ وَالنَّدَمُ، لِأَنَّهُ وَقْتُ مُجَازَاةٍ لَا

وَقْتَ اسْتِعْتَابٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: 18] يَقُولُ: «إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ أَنَّى لَهُمْ أَنْ يَتَذَكَّرُوا وَيَعْرِفُوا وَيَعْقِلُوا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: 18] قَالَ: «أَنَّى لَهُمْ أَنْ يَتَذَكَّرُوا أَوْ يَتُوبُوا إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: 18] قَالَ: «السَّاعَةُ، لَا يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ السَّاعَةِ ذِكْرَاهُمْ» وَالذِّكْرَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾ [محمد: 18] لِأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: فَأَنَّى لَهُمْ ذِكْرَاهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ تَنْبَغِي أَوْ تَصْلُحُ لَهُ الْأُلُوهَةُ، وَيَجُوزُ لَكَ وَلِلْخَلْقِ عِبَادَتُهُ، إِلَّا اللَّهُ

الَّذِي هُوَ خَالِقُ الْخَلْقِ، وَمَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، يَدِينُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ كُلُّ مَا دُونَهُ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55] وَسَلْ رَبَّكَ

غُفْرَانَ سَالِفِ ذُنُوبِكَ وَحَادِثِهَا، وَذُنُوبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِكَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: 19] يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مُتَصَرَّفَكُمْ فِيمَا تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ فِي يَقَظَتِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمَثْوَاكُمْ إِذَا ثَوَيْتُمْ فِي مَضَاجِعِكُمْ لِلنَّوْمِ لَيْلًا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ

وَقَدْ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَسْتَغْفِرُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ وَلَكَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:

وَيَقُولُ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ: هَلَّا نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اللَّهِ تَأْمُرُنَا بِجِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الْكُفَّارِ ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد: 20] يَعْنِي: أَنَّهَا

مُحْكَمَةٌ بِالْبَيَانِ وَالْفَرَائِضِ وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ»

جارٍ التحميل